بديل ـ حميد هيمة

تتفاعل، بشكل سريع جدا، المبادرات الممهورة باسم الدفاع عن الشهيد محمد ينعيسى ايت الجيد، لكن يظهر، بشكل واضح أيضا، تعارض أفق المبادرات المطروحة تبعا للخلفيات التي تحكم كل مبادرة!

ولأن قضية الشهيد محمد بنعيسى تهمنا، فكريا وحقوقيا وسياسيا، باعتبارنا منظمة شبيبية تعتبر نفسها، بشكل عام، امتدادا للأفق النضالي لكل المضحين من أجل قيم الديمقراطية، فإننا ملزمون في حركة الشبيبة الديمقراطية التقدمية/ شبيبة الحزب الاشتراكي الموحد ببلورة الموقف المتناسب مع موقعنا في الصراع السياسي والاجتماعي والمعبر عن هويتنا بما ييسر على مناضلاتنا ومناضلينا التعامل الصارم مع كل المبادرات بناء على موقف حد أدنى جماعي ملزم للذات التنظيمية أخلاقيا وسياسيا وفكريا.

من البديهي، في مثل هكذا وضع ملتبس، التنبيه إلى أن قدسية قضايا الاغتيال والاعتقال السياسيين، في ظل نظام قمعي واستبدادي، تستدعي من المناضلين الديمقراطيين والتقدميين، دائما، بلورة المواقف المبدئية والانخراط الفاعل في كل المبادرات التي ترافع من أجل هذه القضايا، غير أن ذلك، كله، لا يجب أن يمنعنا/ يحجب عنا، بالضرورة، التفكير الجماعي في تقييم خلفيات المبادرات التي تتغطى بالقضايا النضالية المبدئية!

في هذا الصدد، فإن مسؤولية حشد التقدمية، وكل التنظيمات الديمقراطية، تستلزم، وجوبا، وقفة تأمل عميقة في "المآل" الآني لقضية الشهيد ايت الجيد محمد بنعيسى في علاقة بما أثير حول ندوة دولية بمدينة طنجة.
إن الاستمرار في التباطؤ في اجتراح المبادرات وإبداع وسائل تنفيذها، لإعطاء دينامية جديدة للفعل الحقوقي، وبخاصة القضايا التي تهم الاغتيال السياسي، سيسهل الطريق للفعل الرامي للاسترزاق، المدعوم إعلاميا وماديا، ليس فقط في تحريف مسار القضية مقابل امتيازات مادية وعوائد انتحابية، بل سيؤدي، في النهاية، إلى تزوير ذاكرتنا النضالية، ويرسم صورة قاتمة لشهدائنا كما لون أنهم قضوا فقط من أجل تحسين تموقعهم في محيط السلطة القائمة! والحال أن هذه النتيجة هي انعكاس لفشلنا الجماعي، لكل رفقا الشهيد، في تدبير هذه القضية.

سيكون من المفيد، بداية، التساؤل عن المشروع الذي ناضل من أجله الشهيد: هل الأفق، كما قد يظهر الآن، محدود بسقف تلجيم "الإسلام السياسي" والضغط على فصائله لتقديم تنازلات سياسية جديدة لفائدة السلطة الحاكمة/ المخزن؟ أم أن قضية الشهيد "بضاعة" للاسثمار السياسي لفائدة "الماركسيون الملكيون" بأفق تحييد الخطوط السياسية التي تتهم مباشرة النظام بالتورط في اغتيال الشهيد؟

في كل الحالات المطروحة أعلاه، فالظاهر، في تقديري المتواضع، هو غياب "الأفق الديمقراطي" عن كل هذه الخيارات المطروحة، كما يتنحى جانبا، بفعل فاعل، أفق مساهمة قضايا الشهداء والاعتقال لدواعي سياسية في الانتقال الحقيقي للديمقراطية بما تستبطنه من قيم العدالة والكرامة الاجتماعية والمساواة والإنصاف والتسامح...الخ.

فإذا كانت دوائر عديدة، تتقاطع في نفس الهدف، ترمي إلى تبضييع قضية الشهداء في التجاذبات الانتخابية، فإن القوى الديمقراطية، ومنها منظمتنا حشد التقدمية، مطالبة بمراجعة مواقفها السابقة في تجاه تقوية العمل النضالي المشترك مع القوى التقدمية من أجل بناء الديمقراطية؛ كما ناضل من أجلها كل الشهداء.

إن الاندفاع القوي لـلمنتفعين بقضايا الشهداء، وبمرافعات سياسية وفكرية "قوية" من حيث الخطاب المتداول في أكثر من فضاء إعلامي رسمي!، يخلق حالة ارتباك قوية في المحيط العام المؤمن بقضية النضال الديمقراطي والتقدمي!!

لذلك، فإن الحد الأدنى من الوضوح إزاء هذا الحادث غير العابر، كما يظهر من مسلسل "المبادرات"، يستدعي الإعلان الصريح عن مواقفنا من أجل:
1- الإعلان الصريح والمسؤول عن موقفنا من "حادثة طنجة" في تماس بنضالنا المبدئي ضد الاغتيال والاعتقال السياسيين؛

2- فضح "المبادرات" الانتفاعية من قضايا الشهداء، وتعرية حقيقة مبرراتها الرامية إلى خدمة أجندة أجنحة السلطة التي ناضل ضدها الشهيد؛
3- التفكير في المبادرات التي تعكس منظور العائلة السياسية والفكرية الواسعة للشهيد؛ بما يجعل هذه القضية فضاء للعمل المشترك ضد مصدر الانتهاكات الحقوقية التي تلحق الشعب المغربي؛

4- محاسبة كل المساهمين من منظمتنا في إرباك المشهد/ الموقف إزاء كل الدوائر التي تسترزق انتخابيا وماديا من القضايا النبيلة للشهداء.

وإذا كان الأمر، يهذه الحدة، كما يتصوره قطاع واسع من المناضلين والمناضلات، فإن التنظيم ملزم بمحاسبة أعضائه وعضواته المشاركين في مثل هكذا أنشطة بصرف النظر عن القبعة التي قد يغطي بها مشاركته!

نعم، نناضل ضد أصولية إسلاموية، في السلطة أو في المعارضة، ولكن، أيضا، نناضل ضد المخزن كتحالف يستأثر بالثروة والسلطة ويصادر حق الشعب المغربي في تقرير مصيره.