عبد الحق الحاج خليفة

بمناسبة صدور قرار قضائي يطعن في قرار تربوي، سبق اتخاذه في حق مرشحتين توأم اتهمتا بممارسة الغش في مادة الفلسفة خلال الدورة العادية لامتحانات الباكالوريا من السنة الدراسية المنصرمة، تمت الدعوة في سياق مقال سابق إلى ضرورة التعجيل باستثمار هذه السابقة من أجل البحت عن مصدر الخلل الحقيقي الذي كان وراء هذا التعارض بين السلطتين التربوية والقضائية ، أي الحاجة الملحة لتجاوز ورطة الانحياز لأحدى السلطتين و البحت عن الحجج الداعمة لأحد القرارين ، والارتقاء إلى مستوى البحت عن الكيفية التي يمكن بواسطتها عدم تكرار ما حدث وذلك بالتركيز على العلل والأسباب وليس على النتائج والتداعيات، أي على البرامج والمناهج وصيغ التقويم التي قد تكون السبب الرئيسي فيما حصل، ليس فقط للتلميذتين التوأم، وإنما للعديد من المترشحين للباكالوريا الذين كانوا ضحية ليس فقط لقرارات مماثلة ناتجة عن اتساع هامش الاختلاف بين المصححين، وإنما نتيجة لما تعانيه البرامج والمناهج ودلائل التصحيح من مشكلات واختلالات إن على مستوى طبيعة المقررات والمضامين والمحتويات، أو على مستوى المناهج وطرق التدريس المعتمدة ،أو على مستوى مطالب التقويم وما تحدده دلائل التصحيح من معايير. لقد آن الأوان لتشخيص هذا الواقع في أفق تدبيره عوض التوقف عند اختزال القضية في بيان وجاهة حجج المدافعين عن مصداقية القرار التربوي وما يمكن أن يترتب على تبخيسه من تداعيات خطيرة تمس بمصداقية التقويم في الامتحانات الإشهادية، وهم محقون في ذلك ، وبين المدافعين على وجاهة حجج السلطة القضائية وعدم تحقير قراراتها لما لذلك من تداعيات، وهم محقون قي ذلك أيضا.فما العمل أمام هذا المأزق ؟في انتظار صدور قرار قضائي منصف يراعي حساسية الموضوع وخصوصيته و يروم الحفاظ على صدقية السلطتين التربوية والقضائية ودون تبخيس أي منهما، مع الأخذ بعين الاعتبار مصلحة التلميذتين في تمكينهما من شهادة الباكالوريا في الوقت المناسب من السنة الدراسية، وهوما يمكن أن يدافع عليه دفاع التلميذتين، كأن تعتبر دورة يونيو من السنة الدرسية الحالية كدورة استدراكية تحتسب لهما خلالها النقط الأعلى المحصل عليها في كل مادة، وهي الصيغة التي يمكن أن تضمن للتلميذتين بيانات نقط عادية مع متمنياتنا لهما بالحصول على نقط مميزة في مادة الفلسفة . وفي انتظار مخرج منصف لهذا المأزق، نحاول من خلال هذا المقال الوقوف على بعض الاختلالات التي ينبغي التوقف عليها بخصوص واقع البرامج والمناهج وصيغ التقويم. وذلك من خلال التعامل مع مقررات مادة الفلسفة كأحد البرامج التعليمية التي تجسد حضورا قويا ومثالا صارخا حول ما وصف في مقال سابق بالانفتاح الانبهاري الذي يستعير ما هو جاهز بشكل ميكانيكي .ويعمل على تطبيقه بشكل آلي على مستوى البرامج أو المناهج أو صيغ التقويم . لكن قبل ذلك لابد من وقفة مع الذاكرة لاستحضار القيمة المعرفية والتعليمية التربوية للمقرر الدراسي الرائد في بداية السبعينات ، المتعارف عليه بالكتاب الأصفر "دروس في الفلسفة" لنستطيع بعد ذلك المقارنة بين واقع الفلسفة في تلك الفترة، ووضعيتها التي توجد عليها اليوم، ثم الوقوف بعد ذلك على الهوة السحيقة والتراجع الخطير الذي عرفه تدريس هذه المادة التي تراهن على ترسيخ قيم التسامح والحوار ومشروعية الاختلاف.

سياق المقرر الدراسي الحالي: من المعروف أن المقررات الدراسية لمادة لفلسفة عادة ما تتبلور في سياق التعامل مع هذه المادة تحت ضغط اعتبارات سياسية وإيديولوجية بعيدة عما هو تعليمي تربوي، وأية ذلك ما عرفته هذه المادة من مد وجزر حسب الحال والمآل. تارة يتم الهجوم عليها والرغبة في الإجهاز عليها في سياق مواجهة العقلنة والتنوير، وتارة يتم الاستنجاد بها حينما يتراجع العقل لفائدة الغلو والتطرف. هكذا وبعد توهج الدراسات الفلسفية خلال السبعينيات مع المقررالدراسي "دروس في الفلسفة" الغني والمتميز من تأليف أسماء وازنه في الساحة الفكرية: محمد عابدالجابري وأحمد السطاتي ومصطفى العمري، وبعد التراكم الكبير الذي ساهم به هذا الكتاب المدرسي في إشاعة الفكر الفلسفي بالتعليم الثانوي والدور الكبير الذي لعبته المضامين الفلسفية التي تناولها المؤلفون بالدراسة والتحليل بأسلوب نجح إلى حد بعيد في تحبيب الفلسفة ليس لطلاب الشعبة الأدبية فقط، بل للطلبة ذوي التخصصات العلمية والذين لازال الآلاف منهم في كل المواقع والوزارات والقطاعات يشهدون على قيمة وعمق تلكم الدروس التي لازالت آثارها الإيجابية حاضرة لدى هؤلاء، وبعد اعتراف جل مدرسي الفلسفة من جيل السبعينات بقيمة هذا المقرر الدراسي ومكانته المعرفية الوازنه رغم العقود الخمسة التي مرت على تأليفه إذ ناذرا ما تجد من بين هؤلاء من فرط في هذا المقرر الدراسي الذي شكل مرجعا ضروريا لكل طالب ابتلي بمحبة الحكمة.

وبعد الإقبال الكبير الذي عرفته شعبة الفلسفة من طرف الطلبة الراغبين في استكمال تكوينهم الجامعي بعد السنة الختامية من التعليم الثانوي، والتي كانت مناسبة تمكنوا خلالها من دراسة وتحليل أهم القضايا الفلسفية التي حرص المقرر الدراسي على مقاربتها من خلال الربط الجدلي بين تاريخ الفلسفة كآلية ضرورية ومدخل رئيسي، وبين التفلسف كمهارة وهدف ينتظر تحقيقه من وراء هذه المادة، وذلك من خلال مقرر دراسي هادف يتناول بالعرض والتحليل الموضوعات التالية: أصناف المعرفة البشرية والنظرة الفلسفية - الاتجاهات الفلسفية المثالية والواقعية - أسس المعرفة ومناهج العلوم - العلوم الإنسانية - سيكولوجية العرفة - سوسيولوجية المعرفة - المشاكل الابستمولوجية في الفكر المعاصر - فلسفة العلوم ووحدة المعرفة - السلوك الإنساني: شروطه وفاعليته - الأسس البيولوجية والنفسية للسلوك - النظم الاجتماعية والفاعلية الإنسانية - الأسرة - الطبقات الاجتماعية- الدولة الشغل- التقدم والتخلف - الحرية والالتزام . وهي مواضيع وكما يتضح من خلال الفصول والأبواب التفصيلية كما هي مفصلة في فهرس الكتاب تشكل الانشغال الحقيقي للتفكير الفلسفي، وذلك انطلاقا من اهتمام الفلسفة بالإنسان و لا شيء غير الإنسان .

وبعد نجاح المؤلفين الثلاثة بما يتوفرون عليه من كفاءة فكرية ومعرفة واسعة ، في خلق تلك العلاقة الحميمية بين الكتاب المدرسي والتلميذ وذلك لما بذلوه من جهد من حيث الحرص على الالتزام بالمنهجية العلمية في العرض والتحليل من جهة و على أن "ترتكز معالجتنا لمختلف مواد البرنامج على النتائج التي توصل إليها الفكر الفلسفي المعاصر في مختلف الميادين الابستمولوجية والسيكولوجية والسوسيولوجية والفلسفية العامة وذلك بعبارات توخينا فيها السهولة والبساطة" ص12 وبعد النجاح في الحرص كذلك على تقديم المضامين الفلسفية بكيفية يشعر معها المتعلم بأن القضايا التي يتم عرضها، قريبة من همومه وانشغالاته والتي يتم تتناولها من خلال الربط الوطيد والذكي بين الفلسفة والحياة ناهيك عما يقدمه الكتاب من مادة دراسية منظمة وممنهجة تغري بالاهتمام وتساعد على التكوين والاستعداد المطلوب لاجتياز الاختبار ضمن شروط مريحة تتكافؤ فيها الفرص بين الجميع من خلال كتاب مدرسي موحد على الصعيد الوطني .إذ يقول المؤلفون في مقدمة الكتاب الطبعة السادسة 1971 :" ...إذا كان هناك من مساندة يقدمها هذا الكتاب للأساتذه جميعهم، فهي التقريب بين طرق معالجتهم للموضوعات التي ينص عليها البرنامج، وتلك مسألة جد مهمة إذا ما أردنا أن يتلقى طلبتنا في جميع المدارس معلومات واحدة، أو على الأقل متقاربة ومنسجمة في خطوطها الكبرى، حتى لا يذهبوا عند الامتحان ضحية اختلاف وجهات النظر وتباين طرق المعالجة وتباعد كيفيات تناول القضايا المقررة" .ص4

بعد كل هذه الخصائص التي يضيق المقام عن حصرها يمكن القول : إن الأمر يتعلق بكتاب مدرسي "لا يعدو أن يكون في حقيقة أمره مجرد مرشد و دليل، ينير الطريق للمبتدئين من الأساتذة، ويساعد الطلاب بما يقدمه لهم من معلومات جاهزة منظمة ومبسطة تغنيهم عن التيه في مراجع كثيرة عديدة، وتوفر عليهم عناء كتابة الملخصات التي يضطر الأستاذ إلى إعدادها في حالة غياب الكتاب" مقدمة الكتاب ص3 وللحقيقة والتاريخ يمكن الاعتراف هنا بأن الكتاب الأصفر"دروس في الفلسفة" كان مرجعا حقيقيا أغنى جيلا بكامله عن محنة البحت عن الكراسات المساعدة التي يتهافت عليها المترشحون اليوم والتي يضعها بعض مؤلفي الكتب المدرسية الحالية الثلاثة رهن إشارة المترشحين في السوق بأتمتة تختلف باختلاف حجم هذه الكراسات.

وتجدر الإشارة إلى أن عدد المراجع المعتمدة في إنتاج هذا الكتاب المدرسي حسب ماهو مدرج في الصفحات الثلاث الأخيرة من الكتاب هو 48مرجعا باللغة العربية و35 مرجعا باللغة الفرنسية.
إن أهم ما ينبغي الإشارة إليه بعد كل هذا ، وضمن هذا السياق الخاص بالتعريف بواقع تدريس الفلسفة قبل هبوب رياح الانفتاح الانبهاري على التجربة الفرنسية التي دافع المتحمسون لها على ضرورة إحلال التفلسف محل الفلسفة، هو التذكير بمكسبين أساسين تم تضييعهما بكل أسف تحت ضعط هذا الانفتاح الانبهاري. وهو ما يمكن تناوله في مقال لاحق.(يتبع)