محمد الهيني

أولا :وقائع القضية:

تقدم السيد الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بمراكش بطعن في صحة انتخاب نقيب هيئة المحامين بمراكش بمقتضى عريضة بتاريخ 30/12/2014
أسس الطعن على وسيلة قانونية وحيدة تتعلق بعدم أهلية المرشح لمنصب النقيب طبقا للمادة 86 من القانون المنظم للمهنة لكون النقيب الفائز سبق أن توبع تأديبيا من أجل أفعال ماسة بالكرامة والشرف بمقتضى قرار نقيب هيئة المحامين بمراكش بتاريخ 14/1/2009تحت عدد 11/200

دفع دفاع النقيب المشكل من ثلة من النقباء والمحامين بالدفوع التالية :-عدم تقديم النيابة العامة لطعن في أسماء المحامين الذين لهم حق الترشيح لمنصب النقيب لأن عدم الأهلية للترشح يتم الحسم فيها سلفا بمجرد تقديم الترشيح لمنصب النقيب تبعا لقرار محكمة النقض المستدل به،مما يجعل الطعن بعد المرحلة الانتخابية أصبح متجاوزا لانقضاء أجل الطعن فيه لا يصح تبعا له المطالبة ببطلان انتخاب النقيب.

-عدم أخذ النيابة العامة بعين الاعتبار قرار محكمة الاستئناف بمراكش الصادر بتاريخ 14/1/2009 بعدم مؤاخذة النقيب

-الخلط بين الشرطين الثالث والرابع للمادة 86 من خلال عدم التمييز بين المتابعة الزجرية التي يكتفى فيها بالمتابعة والمخالفة التأديبية التي لا بد فيها من صدورعقوبة تأديبية

ثانيا :تعليل الأمر القضائي

جاء في الحيثية الفريدة للقرار عدد 535/2015الصادر بغرفة المشورة بتاريخ 11/2/2015 ملف رقم 5215/1124/2014 :

"لكن حيث إن المستفاد من روح المادة 86 من القانون المنظم لمهنة المحاماة عدد 28.08 وتاريخ 10/20/2008 أنه ليس صدور عقوبة تأديبية في ميدان التأديب أو صدور حكم في الميدان الزجري ضد المتابع هو ما تختل به بالضرورة أهلية المرشح لمنصب النقيب بل تكفي فقط لذلك أحيانا المتابعة لكن بما فيه مساس بالشرف والمروءة ،تم الفصل في هذه المتابعة أو لم يتم بعد مادام أن بها تتحقق الشبهة والشبهة مخلة بالأهلية لمنصب النقيب في مهنة يعتبر النقيب من رموزها ،والمشرع لا يريد فيها في المحامي العادي ولا بالأحرى بالمرشح لعضوية مجلس الهيئة وأكثر منه لمنصب النقيب أن يكون محل شبهة بدليل أن قانون المهنة يسائل المحامي عن خرقه لأي من أمور كثيرة منها قواعد المهنة وأعرافها والإخلال بالمروءة والشرف ولو تعلق الأمر بأعمال خارجة عن النطاق المهني "المادتين 3 و 61 منه"وإنما يريد في هذا المرشح أن يكون كالأصل فيه ذا صفحة ناصعة لا خدش فيها ولا شرخ محمود السيرة نقيا طاهرا سواء في حياته المهنية وحتى في حياته الخاصة.

وبأن العقوبة التأديبية وكذا الحكم في قضية زجرية الواردتين في المادة 86 المذكورة لم يشترط مشرع قانون المحاماة الصبغة النهائية فيهما مما يكون معه قد اكتفى فيهما بتحقق حجية الشيء المفصول فيه .كما شدد المشرع في مجال قيم الشرف أو المروءة ليتحقق المانع من الأهلية لمنصب النقيب الاكتفاء فيهما بوجود متابعة سواء في ميدان التأديب أو الزجر وإلا لكان اكتفى بإيرادها وحدها من غير تفصيل في الفقرات مادام أن العقاب التأديبي أو العقاب في الدعوى العمومية تسبقه أكيد متابعة.

وإنه وإن أورد المتابعة المذكورة في آخر الفقرة 4 من المادة 86 المذكورة فلأنه أتم قبلها الإشارة إلى ما يفيد البت سواء في مجال التأديب أو مجال الزجر هدفه التركيز بالأساس على أن تكون المتابعة المعنية علاقة بالشرف أو المروءة في الميدانين معا مما لم يحتج معه إلى تخصيصها بفقرة خاصة.

ومما يزكي تمسك المشرع في هذا القانون بالمتابعة كمانع في الترشح لمنصب النقيب أن استلزم لامتحان المحاماة أن لا يكون المرشح مدانا قضائيا أو تأديبيا بسبب ارتكابه أفعالا منافية للشرف والمروءة وحسن السلوك "الفقرة الخامسة من المادة الخامسة من قانون المهنة"في حين استلزم في المرشح منهم لمنصب النقيب إلى جانب عدم الإدانة التأديبية أو الزجرية بصفة عامة انتفاء متابعة في ما له مساس بالشرف والمروءة ولو قبل البت فيها "المادة 86 في فقرتها 3 و 4"وبهذا شدد في شرط ولوج المنصب بصيغة جزم افتتح بها هذه المادة بجملة "لا ينتخب نقيبا إلا......."

والمتابعة المقصودة قد تصدر من النقيب أو من مجلس الهيئة ،وهو من المفروض اكتمال القيم التي منها النقباء فيهم ،ومن مظاهره حرصهم على جدية المتابعة ومن طالته من المحامين وضعته موضع شبهة أيا ما كان مآلها بت فيها سلبا أو إيجابا صراحة أو ضمنا ،لذا فإن الطاعن في نازلة الحال اقتناعا منه بكون الشبهة الناتجة عن المتابعة بما يمس الشرف أو المروءة كافية لإقصاء من نسبت إليه من الأهلية للترشح لمنصب النقيب لم يدفعه إلى البحث عن مآل المتابعة التي أدلى بالملف بمقررها مادامت هي في حد ذاتها وهي ذات علاقة بالمروءة والشرف تكفي كمانع للشبهة تغني عن البحث عن مآلها.

وحيث إنه واستنادا لكل ما ذكر أعلاه فإن انتخاب الأستاذ محمد صباري نقيبا لهيئة المحامين بمراكش ،والحال أنه سبق وأن توبع بمقتضى مقرر المتابعة من أجل أفعال تمس بالكرامة والشرف وما تقتضيه الأخلاق الحميدة التي من مشمولاتها المروءة مما يجعل أحد الشروط المتطلبة لانتخابه نقيبا مختلة الشيء الذي يقتضي التصريح بإلغاء انتخابه كنقيب لهيئة المحامين بمراكش "

ثالثا:نص التعليق

يثير القرار القضائي محل التعليق إشكاليتين أساسيتين أولاهما ترتبط بإمكانية الطعن في أهلية الترشيح بعد نشر لائحة المترشحين وانقضاء أجل الطعن في الترشيحات السابق على العملية الانتخابية ،والثانية تتصل بتأثير مجرد وجود متابعة تأديبية على أهلية الترشح لمنصب النقيب بصرف النظر عن مآلاتها ولو صدر قرار قضائي نهائي بعدم المؤاخدة من أجلها.

1-مدى تحصن الطعن في الترشيح بمناسبة الطعن في العملية الانتخابية؟

إن غاية المشرع من إخضاع عملية التقييد في اللوائح الانتخابية للمرشحين لمنصب النقيب لضوابط قانونية هو حصرها نهائيا قبل التصويت وضبطها لمعرفة المرشحين وجعلها مرجعا وحيدا للعملية الانتخابية،مما لا يمكن معه المنازعة فيها مستقبلا لأي سبب كان لفوات أجل الطعن فيها ،لكون أجل الطعن في العمليات الانتخابية هو أجل سقوط، بحيث لا يمكن وقفه أو قطعه بأي سبب كان. ( قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط عدد 673 المؤرخ في 03/10/ 2007 - ملف إداري عدد 5/07/12)

والحقيقة أن عدم تقديم النيابة العامة لطعن في أسماء المحامين الذين لهم حق الترشيح لمنصب النقيب في إبانه وداخل الأجل القانوني لنشر وتعليق المترشحين وتبليغ المقرر إليها يجعل الطعن غير مقبول شكلا لفوات أجله ، لأن عدم الأهلية للترشح يتم الحسم فيها سلفا بعد تقديم الترشيح لمنصب النقيب وقبل العملية الانتخابية تبعا لقرار محكمة النقض المستدل به من طرف الدفاع ،وهو القرار عدد 2528 بتاريخ 2/7/2008،والذي جاء في حيثياته

"المقرر الذي يصدره مجلس الهيئة بتحديد أسماء المحامين الذين لهم حق الترشح لمنصب النقيب يصبح نهائيا بعد خمسة عشرة يوما من تعليقه بكتابة الهيئة، إذا لم يتم الطعن فيه، وبعد ذلك لا يمكن التمسك أو الطعن بعدم توفر المسجل بالمقرر علی شروط الترشيح لمنصب النقيب"،مما يجعل الطعن مقدما بعد انقضاء أجل الطعن فيه وأصبح متجاوزا لا يصح المطالبة ببطلان انتخاب النقيب بعد انتهاء العملية الانتخابية،وإلا انتفت الغاية من نشر اللوائح بصفة مسبقة،وتبليغها للوكيل العام للملك، وإطلاع عموم المحامين عليها، وهي تصفية الطعون القبلية،واستقرار الأوضاع القانونية ،وضمان جدية للطعون وعدم إهدار حجية الانتخابات وما تمثله من الإرادة الجمعية للمحامون،والقول بخلاف ذلك يعني تأبيد المنازعات المتصلة بالترشيح وتصعيد اللجج في المنازعات والخصومات ،ومن تم فتح الباب على مصراعيه للطعن في أهلية النقيب وأعضاء مجلس الهيئة للترشح بعد انقضاء العملية الانتخابية .وما يؤكد صحة هذا الرأي أن المتابعة المدلى بمقررها قديمة جدا، و ليست لاحقة لمقرر نشر أسماء المترشحين حتى يجوز الارتكان إليها والدفع بها لأول مرة .

وهذه القاعدة خاصة بالمنازعات الانتخابية الخاصة بالمهن ،بحيث لا تطبق في المنازعات الانتخابية العامة لاستحالة معرفة جل المرشحين وما يؤثر على أهليتهم.

وهكذا اعتبرت محكمة النقض على أنه يجب الحكم ببطلان الانتخاب إذا ثبت أن الشخص المنتخب لا يجوز له الترشيح للانتخاب بمقتضى القانون أو بموجب حكم قضائي.

(قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عدد 1519 بتاريخ 17/11/97 ملف إداري 1608/97 )

إن صفة الناخب من خلال تسجيله باللوائح الانتخابية تختفي بانعدام أهلية الانتخاب.

- لا يغطي هذا الإخلال فوات أجل التنظيم والطعن في الترشيح .

(قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عدد 1523 بتاريخ 13/11/97 ملف إداري عدد 1627/5/1/97)

2-ماهية المتابعة المسقطة للأهلية الانتخابية للنقيب
تنص المادة 86 من القانون المنظم لمهنة المحاماة على أنه "
لا ينتخب نقيبا، إلا المحامي الذي تتوفر فيه الشروط التالية:....

3-أن لا يكون قد صدرت في حقه عقوبة تأديبية.

4-أن لا يكون محكوما عليه أو متابعا في قضية تمس الشرف أو المروءة .

هذه المادة تطرح تفسير مفهوم المتابعة بمعنى هل تشمل المتابعة الزجرية فقط أم حتى المتابعة التأديبية ؟،وحتى إذا سلمنا بشمول المتابعة التأديبية بهذا القيد ،فهل المتابعة المنظورة وقت زمن الترشيح التي لازالت رائجة ولم يصدر بشأنها مقرر نهائي إداري أو قضائي؟ أم حتى المتابعات السابقة والتي فصل فيها المجلس أو القضاء بمقرر نهائي لا تعقيب فيه بعدم المؤاخذة؟.وهل عدم الالتفات لحجية القرار النهائي لا يعني إهدار حجية المقررات القضائية أو الإدارية النهائية ؟وبالتالي خرق الفصل126 من الدستور،وتغليب الشبهة على اليقين طالما أن الأحكام عنوان الحقيقة؟ .

إن المتأمل العادي للفصل 86 المذكور لن يتردد في اعتبار المتابعة المقصودة في البند الرابع هي المتابعة الزجرية فقط
بدليل أنها معطوفة على عبارة "محكوما عليه "الخاصة بالمجال الجنائي ،فضلا عن أن عبارة الشرف والمروءة تتصل بالزجر فقط لأنها مخصصة به ولا تتصل بالمتابعة التأديبية ،لأن جميع المخالفات التأديبية لمهنة المحاماة تتصل بالشرف،وتدور معها وجودا وعدما .

كما أن المقترب التشريعي يدعم هذا التفسير لأنه لا يعقل أن يخصص المشرع مادة خاصة بالمجال التأديبي ،وهي مجال البند الرابع "العقوبة التأديبية "ثم يعيد التأكيد عليها في البند الرابع جامعا بين المجال الجنائي والمجال التأديبي في خلط لا يستساغ ومنهجية تشريعية لا يمكن تصورها إطلاقا ،كما أنه لا يعقل أن ينظر المشرع لنتيجة التأديب وغايته، وهي العقاب في البند الرابع ويتطرق بغرابة لسبب العقاب وهو المتابعة التأديبية في البند الرابع ،أفليس يسبق المتابعة العقاب إن كان ذلك أصلا مقصودا من طرف المشرع ؟مما يجعل طرح انفصالية البندين واستقلالهما قانونا وقضاء بل وتاريخيا عن بعضهما البعض هو الجدير بالتأييد والذي ينسجم مع آليات التفسير السليم للنصوص القانونية .

وهذا الاتجاه هو ما سبق أن أيدته غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف بسطات قرار تحت عدد 2011/69 بتاريخ 2011/11/3 في الملف 2011/1124/72 لما اعتبرت "أن متابعة الطعن تأديبيا و إحالته على المجلس التأديبي غير كاف للقول بأن شرطا غير متوفر فيه طالما أن المشرع يقصد بمتابعة المحامي في دعوى عمومية مثارة من طرف النيابة العامة في قضية لها مساس بالشرف و المروءة و لو أراد غير ذلك لما اشترط مسبقا أن لا يكون قد صدرت في حقه عقوبة تأديبية.

و حيث أنه لم يثبت لهذه الغرفة أن الأستاذ .....متابع في دعوى عمومية مثارة من قبل النيابة العامة في قضية لها مساس بالشرف و المروءة".

ولما حسمنا في أن المقصود بالبند الرابع هو المتابعة الزجرية وليست التأديبية التي محورها العقوبات التأديبية الخاصة بالبند الثالث ،فهل يستقيم قانونا وقضاء ومنطقا وعقلا أن تكون المتابعة التأديبية وفقا لما سارت عليه المحكمة مسقطة للأهلية الانتخابية عموما، ومنصب النقيب بوجه خاص ،طالما أنه يمكن للنيابة العامة ولمجلس الهيئة أن يزيح أي محام يعتزم خوض المنافسة على منصب النقيب مستقبلا بمجرد حلول الانتخابات المهنية، فيغل أهليته الانتخابية بمنتهى العبث والظلم والشطط في استعمال السلطة،فهل يمكن لأي مشرع أن يقصد هذا أو يتغياه ؟.

إن مهمة المشرع والقاضي هي إزالة مداخل الظلم والشطط والتعسف في ممارستهما لمهمة التشريع أو التأويل ،فلا يعقل أن تتجه إرادتهما لإحلال الشبهة محل الحقيقة ،والظن والتخمين بدل الجزم واليقين ؟ إن التأويل علم وفن يعتمد منهج المنطق والمقارنة وأسباب النزول، ويستحضر غاية الوظيفة القضائية طبقا للفصلين 110 و 117 من الدستور، وهي حماية الحقوق وصون الأمن القضائي والتطبيق العادل للقانون ،وصون المشروعية وسيادة القانون والمساواة أمامه بين النيابة العامة والمرشح لمنصب النقيب،وفي نازلتنا حماية المشروعية الانتخابية والإرادة الجمعية للمحامين والرقابة على جدية الطعون وممارستها بحسن النية إقامة ومباشرة وإثباتا.

إن المتابعة لا تكتسي شبهة كما جنحت لذلك المحكمة ،فهي مجرد إجراء "إداري" لا يقدم ولا يؤخر ،ولا يعد مباشرتها في وجه المتابع قرينة على قيام مسؤوليته لعدم توافرها على شروط القرينة المنصوص عليها قانونا والمستقر عليها قضاء، لافتراض التعسف في مباشرتها طالما أنه لا مسؤولية على مقدمها أو رافعيها .

وإذا كان هذا حال المتابعة ،فكيف يفسر غض المحكمة النظر عن المقرر القضائي النهائي بعدم مؤاخذة المتابع ؟،فهل يجوز عقلا ومنطقا التمسك بالمتابعة كشبهة مهما كانت مآلاتها؟، وطرح الحقيقة القضائية والقرينة القانونية القاطعة للمقرر القضائي النهائي ؟،فمن الأحق بالاتباع ،هل إقامة الشبهة أم رفع الشبهة وإسقاطها،هل يقين الحكم القضائي أم ظن وتخمين ما اصطلح عليه بالشبهة ؟،لاسيما وأن نفس محكمة الاستئناف سبق لها أن قضت بموجب قرارها الصادر بتاريخ 14/1/2009 بأنه" لا شيء بالملف يثبت في حق الأستاذ محمد الصباري ما نسب إليه من عدم احترام مؤسسة النقيب وأعضاء مجلس الهيئة وعدم التقيد في سلوكه المهني بمبادئ التجرد والنزاهة والكرامة والشرف وما تقتضيه الأخلاق الحميدة وأعراف وتقاليد المهنة ،الشيء المقتضى فيه إبقاء الأصل فيه ،وهو البراءة ما دامت المؤاخذة لم تثبت يقينا في حقه"

إن اعتماد المحكمة لمنطق المتابعة "قرار إداري "كسبب وإهمالها النتيجة ،وهي البراءة، بقرار قضائي نهائي يفوق من حيث جسامة الخرق القانوني كل وصف ،يجعله غير مرتكز على أي أساس،ينزل بالمقرر القضائي لدرجة الانعدام،لاعتماده على متابعة افتقدت عناصر وجودها المادي والقانوني،وانحدرت للعدم ،فهو افتئات صريح واعتداء جسيم ليس فقط على قرينة البراءة المكرسة دستوريا في الفصل 23 من الدستور ،وإنما على البراءة الثابتة ثبوتا قطعيا بالمخالفة لحجية مقرر قضائي نهائي تبعا للفصل 451 من ق.ل.ع" صادر باسم جلالة الملك ،وخرق للمبدأ الدستوري بتنفيذ الأحكام وحجيتها بالنسبة للجميع طبقا للفصل 126 من الدستور،وعلى السلطة القضائية من باب أولى وأحرى ،ويؤثر بالتالي عدم تنفيذها على مصداقية الأحكام وعلى ثقة المواطنين في القضاء،باعتبارها عنوان الحقيقة ،ورمز المشروعية ،وركيزة لدولة الحق والقانون طبقا لما أكده عليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، خلال ترأسه لافتتاح أشغال دورة المجلس الأعلى للقضاء يوم 15 دجنبر 1999حيث أكد حفظه الله أنه : " ... من البديهي أنه لن يحقق القضاء هذا المبتغى إلا إذا ضمنا لهيئته الحرمة اللازمة والفعالية الضرورية بجعل أحكامه الصادرة باسمنا تستهدف الإنصاف وفورية البت والتنفيذ، وجريان مفعولها على من يعنيهم الأمر" على أساس أن أحكام القضاء ما هي إلا تطبيق للقانون الواجب النفاذ حيال الجميع حاكما أو محكوما ، أو كما قال أفلاطون:" القانون فوق أثينا".

وإذا كان المشرع في المادة 86 لم يتحدث لا في العقوبة التأديبية ولا في العقوبة الجنائية عن شرط النهائية ،فإننا نعتبره شرطا مفترضا ولا يحتاج لتنصيص لكونه من القواعد العامة الذي يرتفع عن التنصيص، وهكذا اعتبرت محكمة النقض أن المقصود بالحكم النهائي هو الحكم الجنحي أو الجنائي الذي لم يعد قابلا لأي وجه من وجوه الطعن إما لاستنفاذها أو لفوات أجلها.

- الحكم الجنائي المطعون فيه بالنقض لا تأثير له في الوقت الراهن على الأهلية الانتخابية للمطعون في انتخابه.

(قرار الغرفة الإدارية عدد 1526 بتاريخ 13/11/97 ملف إداري عدد 1628/5/1/97)
وفي الأخير نقترح من الناحية التشريعية مستقبلا تقييد طعن النيابة العامة في العملية الانتخابية للمحامين أو على الأقل ممارستها بنوع من الحكمة والرزانة اللازمة ،لأن النزاعات الانتخابية باعتبارها تنصب على المقررات الصادرة عن اللجن الانتخابية فإن الذي يهمه أمرها بالدرجة الأولى هو المرشح الفائز والمرشح الذي لم يحالفه الحظ والذي يطعن في العملية الانتخابية.

(قرار الغرفة الإدارية عدد 1689 بتاريخ 11/12/1997 ملف إداري 1709/5/1/97)،ولما لا التفكير مستقبلا في منح الاختصاص للقضاء الإداري للنظر في مثل هذا النوع من المنازعات لطابعها التقني الذي يستلزم مهارات وخبرة خاصة في مثل هذه النوازل ، مادام أن الغرفة الإدارية بمحكمة النفض تستقل بالنظر فيها على مستوى مرحلة النقض،كما يتعين التنصيص صراحة على أن الطعن بالنقض في المادة الانتخابية عموما يوقف التنفيذ .

وهكذا نستخلص عدم جواز إسقاط الأهلية الانتخابية على الشبهة، لأن القاعدة الفقهية تقضي أن ما ثبت باليقين لا يزول بالشك؟ وما ثبت بالنص لا يسقط ولو بإجماع؟،وأنه لا يسوغ جعل النيابة العامة ومجلس الهيئة فوق القانون والأحكام القضائية ،فلا قدسية إلا لمبدأ الشرعية لأن القضاة يحكمون باليقين وليس بالشبهة التي لم يرد لها أصل وفصل في التشريع المغربي ،بل حتى الفقه الإسلامي أوقف الحدود وما أدراكما الحدود بالشبهات ،فما بالنا بعصمة عنوان الحقيقة ،ليكون قضائنا كما جاء في القرار محل التعليق وليس فقط نقيبنا ،صفحة ناصعة لا خدش فيها ولا شرخ ،محمود السيرة نقيا طاهرا،يدرأ الشبهة باليقين ،والحمد لله أن هناك محكمة عليا إسمها محكمة النقض تعيد الأمور إلى نصابها وتحمي الأمن القضائي الذي لا مكان فيه لقضاء وحكم الشبهة ،والله الموفق والهادي للصواب.