عبد الله أفتات

يبدو أن المسؤول المغربي كلما علا شأنه يزداد تفضيله لوسيلة إعلام أجنبية عربية أو دولية للتواصل ومخاطبة المغاربة، في تجاهل سافر للصحافة الوطنية بجميع تلاوينها .
عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة بدوره حاول تكريس هذا العرف في المدة الأخيرة، من خلال رفضه طلبات العديد من الزملاء لإجراء مقابلات صحفية لفائدة الصحف المغربية الورقية والإلكترونية على الخصوص، مقابل سخائه مع وسائل الإعلام الأجنبية، آخرها إجراء حوار مطول مع صحيفة "الشرق الأوسط" تناول فيه مختلف المواضيع والأحداث الحارقة التي يشهدها المغرب.

الملك بدوره ومنذ جلوسه على عرش أسلافه المنعمين سنة 1999، لم يكسر هذا العرف، بل في كل حواراته وخرجاته الإعلامية فضل الإعلام الأجنبي، مما يطرح معه سؤال مكانة وتأثير الصحافة الوطنية ؟ ولماذا كل هذا التجاهل؟ أليس الاهتمام بالإعلام الوطني من الاعتزاز بالوطن ؟ ثم أليس إجراء الملك لمقابلة صحفية مع وسيلة إعلام وطنية من شأنه أن يعيد الاعتبار للصحافة المغربية .

ومن غرائب هذا الوطن أن الإعلاميين المغاربة عندما يريدون الأخبار المتعلقة مثلا بالمؤسسة الملكية أو بالمؤسسة العسكرية أو بالصحراء المغربية وغيرها فإنهم يبحثون عنها في الصحافة الأجنبية، وخاصة في نظيرتها الفرنسية أو الإسبانية، ويتساءلون عن سر تراجع تأثير ومكانة الصحافة المغربية بين نظيراتها العربية التي أصبح لبعضها تأثيرا يتجاوز الحدود .

والأغرب من هذا أن المغرب الرسمي عندما يحتاج إلى دعاية أو تعبئة من أجل الوحدة الترابية مثلا أو أي قضية من قضاياه الأساسية، فإنه يريد من كل الإعلام الذي يصبح وطنيا آنذاك أن يكون جنديا مجندا ورهن الإشارة، ينفذ كل ما يطلب منه وإلا سيصبح عدوا ومعاكسا للمصالح الوطنية .

ونرى جميعا كيف يصبح هذا الإعلام وطنيا أكثر من الوطن، ويعبر حقيقة عن مصالح الوطن عندما يتعلق الأمر بمصالح البلد، ونتذكر كيف وقف هذا الإعلام في أزمة ما سمي مثلا ب "جزيرة ليلى" مع الجارة الشمالية، وكان مرآة معتبرة للمواقف الرسمية رغم عدم صوابية بعضها، وشاهدنا كيف يدافع هذا الإعلام عن الصحراء المغربية رغم الأخطاء الكثيرة التي ترتكبها الجهة المدبرة لهذا الملف بشكل انفرادي دون إشراك باقي مكونات المجتمع المغربي، خاصة المكونات السياسية منها .

لكن عندما يتعلق الأمر بالمعلومة تمنح للإعلام الأجنبي، ويضطر الإعلام الوطني اجترار ونقل ما يجود به ذلك الإعلام المحظوظ، في محاولة غير مفهومة لتضييق دائرة الصحافة الوطنية، مما يتطلب معه انتفاض الإطارات الممثلة لوضع حد لهذا "الاستصغار" .

إعادة الاعتبار للصحافة الوطنية وتسهيل ولوجها للمعطيات والمعلومات ضرورة آنية وملحة، وعلى ملك البلاد أن يجرب حظه مع الإعلام المغربي من خلال إجراء مقابلة صحفية حول ما يجري بالبلد وحول أبرز الأحداث المتسارعة التي يشهدها المغرب، ليقدم النموذج لباقي المسئولين وعلى رأسهم رئيس الحكومة الذي اتجه نحو الإعلام الأجنبي يعتقد أنه "دار مزية".

[email protected]