مما لا ريب فيه، أن الحكومة أفقدت التعليم كل سماته وقيمه وجعلت منه قطاعا مثقوبا وأعرجا. وإن هذه السياسة قد أظهرت الوجه الحقيقي للتوجه الحكومي الهادف إلى زعزعة مكانة التعليم في بلد يسوده الجهل من جهة، وتتجاوز الأمية فيه 70% من جهة أخرى. والأحجى أن الحكومة نفسها جاهلة تارة، وأمية تارة أخرى حسب أدنى العتبات الإحصائية ! وليس غريبا هذا وذاك عن أمة ضحكت من جهلها الأمم، أن تصل إلى هذه الوضعية المزرية التي يعرف فيها قطاع التعليم أزمة خانقة على جميع المستويات.

هكذا أصبح الخصاص والإكتظاظ في كل رقعة من رقع خريطة المدرسة العمومية المغربية أمرا يبصره العميان إلا الحكومة الملتحية التي لم تر شيئا. ومع ذلك، لا أحد يهمه ما يقع للتعليم وخاصة الجهات المسؤولة عن الدفاع عن حقوق الشعب فيما يتعلق بكل القضايا الاجتماعية؛ أعني مختلف الهيئات والجمعيات الحقوقية. إن التعليم ليس قضية اجتماعية وحسب، بل إنه قضية فوق كل القضايا، وهو، كذلك، القلب النابض والمحرك الأول لتقدم مجتمع فاسد يحلم بالتقدم.

وفي هذا الصدد، ومن أجل إصلاح ذلكم القطاع، أخذت الحكومة على عاتقها انطلاقا من غيرتها على التعليم العنف كنبراس، ومن هنا نهجت سياسة التضييق في حق الأساتذة المحتجين من خريجي المدارس العليا للأساتذة (خريجو البرنامج الحكومي 10 ألاف إطار).

وبالفعل بدأت الحكومة بإصلاح التعليم بتكسير كتف أستاذ أعزل يوم "22 من هذا الشهر" تطبيقا للرؤية الإستراتيجية لإصلاح التعليم أو نحو إستراتيجية شاملة لتخريب التعليم.

إن لغة الدم والعنف أو لغة الغاب، هي اللغة المفضلة عند حكومة تفتقد إلى الحكمة في تسيير شؤون البلاد. وا حسرتاه، ما الذي فعله هذا الأستاذ لتكسر كتفه بكل وحشية وعنف؟ ما الذنب الذي اقترفه؟ عفا الله عما سلف عن المفسدين وناهبي أموال الشعب، أما الأستاذ أسفكوا دماءه لمجرد أنه احتج مطالبا بحقه في الشغل وفق القانون والدستور.

وفي نفس السياق، تعرض العشرات من أطر البرنامج الحكومي لكافة أشكال التضييق والعنف والسب. بهذه السياسة إذن، تسعى من خلالها الدولة للتخلص من التعليم عن طريق تدمير المدرسة وقهر الأستاذ جسديا ونفسيا دفعة واحدة من خلال تكثيف العنف الذي لا ينتهي، إذ تحول إلى ممارسة عادية من طرف رجال السلطة في حق الأساتذة، وبالتالي يثور هذا السؤال؛ إلى أين يسير المغرب؟ حتما إلى ما لا يحمد عقباه ! لكن ما يدعو إلى الاستغراب و الحيرة هو اعتراف وزير التربية والتكوين المهني رشيد بلمختار بالخصاص المهول في الأطر التربوية، وبالإكتظاظ الذي تجاوز الـ 70 تلميذا في القسم الواحد. وعوض التحرك الفعلي لحل ملف 10 ألاف إطار عبر دمجهم في قطاع التعليم؛ تنهال الهراوات على أجسادهم ورؤوسهم كأنهم يهددون مستقبل البلاد، أليست هذه مفارقة مضاعفة؟ أوليس من الحكمة التعامل بطريقة متحضرة مع هذه الفئة من الأطر العليا المؤهلة؟ يبدو من الواضح، أن تصريحات الوزير بلمختار لا تتسم بالجدية والمسؤولية.

إذا كنتم يا وزير التربية تعترفون بمشكل الخصاص والاكتظاظ فمالذي تنتظرونه، أما عليكم التحرك العاجل لحل المشكلة أم أنكم تنتظرون من السماء أن تحل ما صنعتموه بأيديكم؟ لا جرم، أن هذه التصرفات اللامسؤولة، تؤكد - بلا شك- مشهد بداية انهيار التعليم وتخلي الدولة عنه. ولعل من أبرز المشاهد التي تؤكد على انهيار قاعدة التعليم مدرسة "الإسطبل" التي أسقطت قناع الإصلاحات التعليمية وعرت عن الواقع المر الذي يعيشه أبناء الوطن في بعض المناطق. وعليه، فالمدرسة المغربية مجرد اسم ليس إلا !! لذلك فمجتمعنا بعيد كل البعد عن الوعي بضرورة وجود مدرسة تتسم بالصفات المطلوبة وفق المعايير الدولية. كما أن المغاربة يجهلون حقكم في التعليم الجيد الذي ينص عليه الدستور.

إن اصلاح التعليم لا يمكن، أن يتأتى إلا بالتحلي بالمسؤولية والعمل الجاد والغيرة الوطنية على أبناء الشعب من الضياع والتشرد؛ أي كيف لمدرسة "الأسطبل" أن تنتج جيلا قادرا على تحمل المسؤولية والدفع بمستقبل البلاد إلى الأمام؟ من المؤكد، لن تنتج إلا جيلا مريضا نفسيا، ساخطا على وطن حرمه من أبسط الحقوق في التعليم وفي مدرسة صالحة للتعليم والتعلم.

هذا، وحسب تدوينة لعبد الله الناصري "عضو المجلس الوطني لـ 10 ألاف إطار"، فإن الإطار الضحية أصيب بكسر على مستوى الكتف، وقد علق على ذلك بالقول: "أنه نفسه الكسر الذي أصيبت به المدرسة العمومية على مستوى تدبير أزمة الخصاص في الأطر التربوية وكارثة إكتظاظ أقسام المدرسة العمومية. الأمر يتجاوز كسر كتف الإطار التربوي إلى كسور كبرى في قطاع التربية الوطنية".

على الجملة، إن التعليم في المغرب أضحى في خبر كان كما خطط له من طرف بعض الجهات التي تحاول اليوم الركوب عليه وجعله ورقة انتخابية. ربما نسي هؤلاء، غافلين أو متغافلين، أنهم أول المسؤولين عن هذا القطاع، وأنهم مشاركون في جريمة الاعتداء على الأستاذ. وعليه وجب تعويضه عن الضرر الذي ألحق به حسب القانون، ما داموا يتبجحون علينا كل مرة بخطبهم الركيكة عن القانون والحقوق والواجبات، ثم على المجتمع وضع حد لكل هذه التجاوزات في حق المدرسة والمدرس والعمل الجاد على إنقاذ مستقبل أبنائه وبناته.