لم يتعرض مقتضى دستوري للتهميش والإهانة والعدوان مثلما يتعرض له المقنضى الذي ينص على "أن العربية هي اللغة الرسمية للدولة"،حيث ظل طيلة ستة عقود ونيف بدون تفعيل أو أجرأة حقيقية،أي منذ أن حشر في أول وثيقة دستورية (1962) تدخل بها المملكة الشريفة إلى المنتظم الدولي، كدولة ذات سيادة ،لها هوية حضارية وثقافية متميزة عن باقي دول وأمم الأرض.


فبينما كان المنتظرغداة إستقلال المغرب ،أن تبادر الدولة ،في إطار تجسيد سيادتها على الأرض،إلى إحلا ل اللغة العربية في مجالات الحياة العامة :الإدارة ،التعليم ،الإقتصاد إلخ...محل اللغة الفرنسية التي فرضها المستعمر الفرنسي،أبقت
على الفرنسية كلغة رسمية في الواقع،والعربية كلغة "رسمية" في الدستور،وهذه مفارقة غريبة عجيبة قلما ترتضيها الدول المستقلة،ذات السيادة،وذلك مهما كانت المبررات،لأن اللغة رمز لهوية الدولة،وتجسيد لسيادتها،وليست مجرد أداة للتواصل فحسب.
ولعل ما يميز الدساتير الحديثة ،بجانب النواظم المشتركة،هو حرص كل دستور على حدة على إبراز معالم هوية الدولة التي يمثلها،واللغة – بلا شك- هي مقوم أساس في هوية الدولة،لذلك يبوؤها المشرع الدستوري مكانة سامقة ضمن الهندسة الدستورية العامة،وذلك تقديرا لمكانتها تلك،وإجلالها لمعناها ذاك.
بيد أن الدول التي تجل هويتها،وتحترم نفسها لا تكتفي بمجرد التنصيص النظري على لغتها الوطنية والقومية في المتن الدستوري،بل تتبع ذلك بتنزيل صارم لمقتضيات هذا المبدأ في مختلف مجالات الحياة العامة،لأن في ذلك تجسيد لهوية المجتمع،وإبراز لسيادة الدولة،ولذلك- غالبا- ما يتم تنزيل هذا المقتضى بغيرة وطنية، من طرف المسؤولين في الدولة،وذلك مهما كانت مكانة لغتهم في سوق اللغات العالمية،لأن الأمر عندهم مرتهن بمبدأ أساس،هو تأكيد هوية المجتمع والدولة،ولذلك قلما نجد اليوم دولة لا تستعمل لغتها الوطنية في مجالات الحياة العامة،بل إن إستعمالها يكون مصدر إعتزاز لدى المسؤولين فيها ،وهم يتحدثون بها في المحافل الوطنية والدولية.ويسعون إلى التعريف بها بين الدول والشعوب.
لذلك، تبدو "الحالة المغربية" اليوم فريدة بين دول وأمم الدنيا،وخاصة الدول والأمم ذات الحضارة والتاريخ المتجذر في الزمان والمكان،فهي تكاد تكون الدولة الوحيدة التي تقصي عن سبق إصرار لغتها الوطنية والقومية من مجال التداول العمومي،وخاصة في القطاعات الحيوية:الإدارة، التعليم ،الإقتصاد..إلخ.ولم تفلح الدساتير الستة التي ظلت تنص على رسمية اللغة العربية للدولة في الخروج من هذا المأزق الذي يزيد وضعها تخلفا وتمزقا وإنفصاما.وللأسف الشديد،فقد ظل هذا المقتضى الدستوري يتعرض للخرق السافر من طرف الحكومات المتعاقبة ،والبرلمانات المتتالية، الموكول إليها أمر تنزيله عبر الآليات الدستورية والقانونية والتنظيمية التي وضعها المشرع بين يديها..وهكذا،فبينما سعت دول عربية كثيرة(مصر،العراق،سوريا،ليبيا ودول الخليج العربي) إلى التمكين للغة العربية في مجالات الحياة العامة،إستمر المغرب مكرسا لتفوق اللغة الفرنسية في مجالات التداول العمومي، حتى بات اليوم أكثر تطبيعا مع هذا الوضع الشاذ ، الذي لا يخدم في شيء متطلبات التنمية والتطور،إذ لم يثبت قط في التاريخ أن أمة ما نمت وتطورت بغير لغتها الأصلية،لكن يبدوأن هذه "الحقيقة" لا تخدم مصالح اللوبيات الفرنكفونية المتنفذة التي ربطت مصيرها بمصير النفوذ الفرنسي في المغرب،لذلك تعمل بكل الوسائل على إستبعاد اللغة العربية من الحياة العامة، وتعطيل مقتضيات الدستور في هذا الباب،وذلك تحت مختلف المبررات الواهية .
ولا عجب بعد هذا،أن يخرج علينا وزراء ومسؤولون ليصرحوا أمام الملأ دون أن يرف لهم جفن بأنهم لا يعرفون اللغة العربية( حالة وزير التربية الوطنية مثالا )، ووزيرة تقر- دون إحساس بالخجل - بأن حديثها بالعربية يسبب لها الحمى (حالة وزيرة البيئة )، وآخرون يتهمون اللغة العربية بالتخلف، ناسين أن تخلفها هو نتيجة لتخلفهم،ويزعمون-لذلك- أنها لا تصلح كأداة للتعليم والإدارة والإقتصاد،متغاضين عن تجارب دول نفخت الروح في لغاتها بعد طول بيات كاد يودي بها إلى الإنقراض(حالة إسرائيل مثلا)، لأنها أدركت أن نهضتها لا تكون بغير لغتها.فهل تدرك نخبنا هذه الحتمية ،أم على قلوب أقفالها؟ا