محمد بوبكري

يلاحظ بعض الدارسين أن مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تتمكن بعد من بناء حزب بالمعنى الحديث للكلمة. فالحزبُ عندنا مجرد تجمع طوائف أو قبائل... ينعدم فيه أي حسّ أو رابط مدني. ويعود ذلك إلى كون مجتمعاتنا لا زالت ترزح تحت هيمنة ثقافات التقليد التي لا تسمح بوجود "الفرد" باعتباره سيد نفسه ومصيره. والدليل على ذلك أنَّ الإنسان عندنا لا يستطيعُ التعبير عن رأيه بحرية كاملة مع أنه يعيش في عصر الثورة المعلوماتية. وبذلك، لا يحظى الإنسان إطلاقا في منطقتنا بأي قيمة، بل قد يُقضَى عليه أحيانا كما يُقضَى على الحشرة. وقد دفع هذا الأمرُ بعض الدارسين إلى البحث عن جذوره في التاريخ العربي الإسلامي، فتوصلوا إلى أن الإنسان بوصفه كائنا مستقلا مُغَيَّب كليا في المجتمعات العربية الإسلامية، نظرا لسيادة القَبَلِية والطائفية فيها، وهيمنة النظام الأبوي الذي لا مجال فيه لأي تمايز أو اختلاف؛ فالكل داخل هذا النظام مجسَّدٌ في الواحد والواحد تجسيدٌ للكل، والمنظومة لا تشتغل إلا بآمر واحد...

لذلك لا تشكل ظواهر مثل التسلُّط، والإرهاب التكفيري، وغيرها، مفاجأة لمن يعرف التراث العربي الإسلامي، إذ هي مجرد تنويع على تراث هائل من الفتن والحروب والقتل ابتدأ منذ القرن الإسلامي الأول. فبقراءة هذا التاريخ، نجد أن الخلفاء الثلاثة الأواخر ماتوا كلهم اغتيالا، وترتبت عن قتلهم حروب عديدة - لا زال ارتداد بعضها متواصلا إلى اليوم - كحروب الردة، ومعركة الجمل، واقتتال علي ومعاوية، وتطاحن الأمويين والعباسيين...
والتاريخ الذي نقرأه اليوم هو تاريخ السلطة وليس تاريخ الحياة اليومية للمجتمعات والشعوب الإسلامية الذي يقتضي تقصيا ووقفة متأنية لفهم موروثنا الثقافي الذي لازال يشتغل في حاضرنا، ومعرفة ثقافتنا وعقلنا ووجداننا وركود مختلف مؤسساتنا وأسباب مآسينا، وإدراك عوائقنا التي تحول دون اكتساب القدرة على تطوير مشروع جديد يساعدنا على بناء إنسان ومجتمع جديدين منخرطين في روح العصر... فمشكلاتنا السياسية والاجتماعية... هي مشكلات ثقافية بالدرجة الأولى، ولا يمكن حلُّها بالعنف أو بانتخابات صورية ومُزَيِّفَة للوعي، فالمعركة أكبر من ذلك بكثير، لأنها معركة ثقافية وحضارية وإنسانية تقتضي إعادة قراءة الموروث الثقافي العربي الإسلامي بكامله... إننا لا نمتلك منظورا للتغيير الديمقراطي، لأن الصراع الذي ساد تاريخ مجتمعاتنا هو صراع وازعُه السلطة، وليس الإصلاح والتغيير الذي يجب أن يشمل الفرد والمجتمع والدولة في آن.
يقوم تراثنا الثقافي العربي الإسلامي على فكر الواحد وسياسته التي تقتل الفرد والتطور، وبالتالي الإنسان والمجتمع... وطالما ظل هذا التراث مهيمنا، سيستحيلُ أن توجد ديمقراطية في منطقتنا، لأنَّ الديمقراطية تقتضي، أولا، وجود الفرد والاعتراف بالآخر، ليس من باب التسامح أو التفضل عليه، وإنما لكونه مواطنا مساويا في الحقوق والواجبات لباقي أفراد مجتمعه. كما ينبغي أن يكون هذا الفرد المختلف عنا ومعنا جزءا من الحقيقة. وهذا ما لا تجيزه الثقافة التقليدية التسلطية السائدة في مجتمعاتنا.
إضافة إلى ذلك، قلَّما نعثر على تجليات لثقافة الحوار في تاريخنا. فالحوار يقتضي الاعتراف بالآخر، لكننا لا نعترف بالآخر إلا بكونه منبوذا. وطالما بقيت "الذات" العربية منغلقة على نفسها، فنحنُ لن نحقق معرفة بأنفسنا ولا بالآخر، ما يلغي الحوار بيننا وبينه، ويفضي إلى التوجس والخوف منه وعدم التفاهم معه والاصطدام به...
بتأمل العلاقات داخل الأحزاب في منطقتنا نجد أنَّها خالية تماما من الطابع والحسّ المدنيين، إذ ينعدم فيها الاعتراف بـ "الفرد" بمعناه الحديث، وتتسلط زعاماتها على الأعضاء، وتنعدم فيها روح المواطنة. والزعامات الحزبية في هذا الجانب تعيد إنتاج العلاقات التسلطية السائدة بين السلطة والمجتمع داخل أحزابها، ذلك أنَّ هذه الزعامات مسكونة بالثقافة التقليدية للحاكمين الذين يؤطرونها ويتحكمون فيها، ويمنحونها "الشرعية"، ويحمونها من خصومها داخل أحزابها وخارجها، ويقومون بترتيبات لمنح تنظيماتها "تمثيلية" معينة داخل ما يُسمى بـ "المؤسسات المنتخبة"... وهذا ما يحول دون تطور الأحزاب ويُسَهِّلُ تفتيتها...
نتيجة ذلك، فالأحزاب عندنا مقطوعة الصلة بثقافة العصر، لا تعترف بـ "الفرد"، وترفض التغيير والتطور، بالتالي فلا مخرج للأحزاب من الوضع إلا إذا راجعت علاقتها بذاتها وبالفرد، وبالآخر، وبالتاريخ وبالثقافة، وكوَّنت روية تاريخية...
خلاصة القول إن ما ساد على مدى التاريخ العربي الإسلامي، من تفتت وغياب مشروع... لازال يلقي بظلاله على مجتمعاتنا. ويبدو لي أنه إذا استمرت بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على هذه الحال، ولم تقم بقطيعة معرفية وسياسية مع ثقافتها التقليدية التسلطية، فالصراعات والحروب التي تعرفها هذه البلدان اليوم لا تهدد فقط مستقبلها السياسي، بل وكذلك وجود السياسة فيها بمعناها الجوهري، وقد تسير بها نحو الانقراض...