تنص المادة 42 من الدستور المغربي لتاريخ الفاتح من يوليوز 2011 على ما يلي:

"الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة..."

و بهذه الصيغة، فإن شخص الملك، في حذ ذاته يعتبر آلية مستقلة الذات، بمقتضى الدستور، لاحترام حقوق الانسان وتعزيزها والنهوض بها، و إن لم يحدد الدستور شكل تدخل شخص الملك لاعمال الحماية للحقوق والحريات.

وحسنا فعل، لأن ذلك يسمح للملك للتدخل بأي طريقة، وفي أي مستوى، إستجابة لطلب وجه إليه، أو تظلم قدم إليه أو إستعطاف من أي كان، أو تحركا منه تلقائيا، نتيجة تظلم الضحية، أو لما قد يصل إلى علمه بأي طريقة كانت.

ولهذا، فإنني ولئن لا أرى تعارضا ولا خروجا عن روح القانون والمسطرة، في ما لجأ إليه دفاع القاضي محمد الهيني في استعطافه لجلالة الملك ليتدخل في مسطرة المحاكمة التي يخضع لها، وفي اعتراضهم على عدم استجابة المجلس الأعلى للقضاء لدفوعات وملتمسات الدفاع ، ومنها التجريح ضد وزير العدل، الذي تولى تمثيل الملك والنيابة عنه.و هو نفس ما تلتمسه وتدفع به أصوات صحفية وحقوقية ومدنية، منها موقع بديل ،من جلالته للتدخل لتقويم وتصحيح إخلالات شابت مسطرة المحاكمة.

فإنني أختلف معهما في جوهر الطلب ومضمونه الموجه إلى الملك، والمتعلق بالتدخل مباشرة في المسطرة، لأن الملك لا يتدخل بشكل آلي ومباشر، لتصحيح إخلال شكلي ومسطري معين، أو لأجل الحث على التطبيق السليم لمادة قانونية وتفعيلها، فهذه جزئيات صغيرة، رغم أنها قد تكون سببا مباشرا في حرمان شخص من حق أو في انتهاك حريته، فهي لا تقوم أمام الهدف الأسمى الذي يقوم ويضطلع به الملك، وهي عدم ترتيب أثر على فعل غير قانوني يضر بالحق وينال من حرية فرد أو جماعة، وبغض النظر عن مصدر الفعل، ودون تحديد لصيغة وشكل وزمن تدخل الملك.

ذلك أن عمليات التصحيح الآلية والمباشرة، هي عمل من صميم إختصاص المؤسسات المعنية والمختصة، والمتدخلة، والتي يتنزه الملك للحلول محلها، إحتراما لها ولعملها من جهة، وضمانا لاستقلالها من جهة ثانية، ومنعا لعمليات التأثير المحرمة دستوريا وجنائيا من جهة ثالثة.

وهذه المؤسسات، يفترض أن يكون عملها منسجما ومتطابقا مع القانون، بما فيه الدستور، ومتلائما معها شكلا ومضمونا، و في نفس الوقت الذي يحتمل فيه أن تقع في الخطأ وسوء الفهم و غلط في القراءة، أو حتى فساد في التأويل للمواد القانونية، كما يتوقع أن تنحرف إرادة أو نية مفعلها إلى التعسف والشطط في تطبيق القوانين واحترام المساطر، بسوء قصد، وسوء نية ، أو الاستبداد بها، فالبشر طبائع ومعادن ومزاج.

ومن أجل هذا، حاول كل المشرعون ، كما المشرع المغربي، الذي ليس استثناء من ذلك، إلى تجاوز احتمال سقوط المؤسسات والهيئات والمختصين في الغلط و الشطط، عن طريق إقرار بدائل وحلول لتصحيح الخطأ عبر تعدد درجات التقاضي والطعون وتنوع في المحاكم، للمطالبة بالالغاء أوالبطلان، أو عن طريق تجريم التعسف والشطط في استعمال السلطة ،وإقرار العقاب عليه، أو بخلق مؤسسات وآليات موازية تتولى تفعيل مبدأ الضمانة والكفالة والحماية. ومنها بطبيعة الحال شخص الملك. الذي يسهر بمقتضى المادة 42، من الدستور على صيانة و حماية الحق وحرية المواطن أو الجماعة.

وقد يجادلني البعض، في ادعاء أن وزير العدل مجرد ممثل لشخص الملك، ويحق لجلالته، في هذه الحالة أن يتدخل مباشرة. أو ادعاء أن تفعيل الهدف والغاية الأسمى في صيانة الحق والحرية، الذي يملكه جلالته يستوجب تدخله، أو يستحب تدخله بالنظر إلى عدم تحديد مسطرة تنظيمية لطلب الحماية الملكية.
والقول تبعا لذلك، بصحة وسلامة تقديم الطلب على الشاكلة المرفوع بها أمام جلالته، التماسا لحلوله المباشر لتصحيح إجراءات، نظرا لعلاقتها المباشرة في حماية حقوق وحريات الأستاذ محمد الهيني.

ولئن لا أتنكر لصحة هذه القاعدة نظرا لعلاقة الاجراءات المسطرية بالحقوق والحريات، وهو الفلسفة من تقريرها أصلا. فانني أجيب أنه باسم القانون و تحت عنوان المسطرة تنتهك يوميا وفي كل ساعة حقوق وحريات، فما العمل؟ هل نذعن ونركن إلى الاستجابة السلبية ولا نحرك ساكنا في انتظار تدخل شخص الملك، ولا نمارس ما يسمح به ويقرره القانون الشكلي والموضوعي تحت ذريعة ومسوغ أن الملك سيتدخل من أجل توفير الحماية؟

بلى، بل إننا نختار ونبادر إلى التحدي ونستجيب في إطار ما يسمح به القانون من امكانيات أولا، ولا نتنازل عنها، رغم ما قد يظهره المخاطب بها من تفاعل وردة فعل سلبية إزاءها، وفي ذلك إحتراما للشرعية والمؤسسات، و توجيه لبرقية ورسالة، مفادها نحن في اطار الشرعية وفي ظل القانون، نرجو العدل والانصاف، و كفالة و وضمانة الحقوق والحريات.

ومن أجل كل ذلك، فإنني أؤكد أن اختصاص الملك لا يمتد مباشرة وآليا إلى تصحيح إخلال أو انتهاك مسطري، أو السهر على حسن تطبيق قاعدة قانونية معينة، بالرغم من كون ذلك الاخلال قد يكون سببا في انتهاك الحق والخرق والمصادرة للحرية. كما أن تدخل الملك ليس محددا في شكل وصيغة معينة، وليس مرتبطا بزمن فوري و محدد، و لا يحول كل ذلك دون تدخله متى وكيف شاء. واحتمال التدخل لا يعفي المعني بالأمر من الدفاع عن حقوقه وحريات بالشكل الذي يقره ويسمح به القانون. وبموازاته طلب تدخل الملك واستعطافه كآلية دستورية للحماية، هو كذلك مظهر من مظاهر الدفاع.

مع رجائي أن يتدخل جلالة الملك لحماية كافة حقوق وحريات القاضي محمد الهيني، بما فيها حقه في التعبير وحقه في الانتماء إلى الجمعيات المهنية، وحقه في محاكمة عادلة، والتي تشمل الأمن القانوني والقضائي وغيرها.

فإنني أنظر إلى انسحاب الدفاع، مع احترامي لقراره، هو تنازل عن وسيلة وضمانة قانونية مقررة لصالح المتقاضين كافة، ولا يبرره ما قد يكون ظهر لنا من نية، ولا ما اسنتجناه من وضوح للنتيجة، لأن ضمانة الدفاع أسبق من الحكم كنتيجة للمداولات في مدى قناعة حجج ومرافعات الدفاع. وقد نكون بصدد صنع قناع ذريعة لوزير العدل من حيث لا ندري.

صبري الحو،
محامي بمكناس، وخبير في القانون الدولي.