محمد الهيني

إن اعتبار النيابة العامة في التنظيم القضائي المغربي هيئة قضائية شأنها شأن القضاء الجالس تسهر على حماية حقوق المجتمع ورعاية الصالح العام وصيانة حقوق وحريات المواطنين وأمنهم القضائي لا ينفي عنها خصوصيتها النابعة من الطابع الإداري والقضائي المزدوج لها بحكم قاعدة التسلسل الرئاسي التي تخضع لها والتي يوجد حاليا في الوضع الراهن على رأس هرميتها وزير العدل كرجل ينتمي للسلطة التنفيذية ،من هذه الزاوية فإن اعتبارها قضاء التعليمات مسألة قانونية لا جدال فيها ،وتزداد هذه القاعدة رسوخا في الواقع العملي بحيث لا يمكن لممثل النيابة العامة اتخاذ أي إجراء إلا بعد استشارة رئيس النيابة العامة المباشر وفي حدود الاختصاص المخول لها قانونا تحت طائلة ترتب المسءولية القانونية الناتجة عن ذلك ،غير أنه لا ينفي وجود ممارسات جيدة ورائدة في بعض النيابات العامة التي تترك لممثل النيابة العامة هامشا للحركة والاجتهاد تبعا لكفاءته وقدرته على التجديد والابتكار والعطاء ولشخصية وكيل الملك أو الوكيل العام للملك المؤمن بفضاءات المناقشة والحوار وتحمل المسؤولية ونكران الذات وغلبة المنهج التنظيمي والتأصيلي في عمله في تلازم بين الشفافية والمسؤولية والجودة طبقا لمقومات حكامة مرفق النيابة العامة الهادفة لصيانة المصلحة العامة واحترام القانون والذوذ عن مقتضياته.

وإذا كان هذا حال النيابة العامة اليوم فإن الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 ارتقى بعمل النيابة العامة إلى إضفاء الطابع القضائي عليها وبيان خصوصيته وتحديد نطاق الالتزام بقاعدة التعليمات بحيث نصت الفقرة 2 من الفصل 110 منه على يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون. كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها.ويبقى الأمل معلقا على النصوص التنظيمية لتحديد مجال التعليمات وحدودها وحماية ممثل النيابة العامة المعترض على التعليمات غير القانونية بحماية استقلاله .
وإذا كان الدستور لم يحسم في طبيعة السلطة التي يتبعون لها فإن ذلك مرده استحضار النقاشات والأفكار الداعمة لاستقلاليتها عن السلطة التنفيذية ومنها مطالبات نادي قضاة المغرب ومختلف الهيئآت الحقوقية وهو ما تبنته هيئة الحوار الوطني لإصلاح العدالة.
ولضمان استقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيذية وتطوير أدائها الحقوقي يستلزم تحقيق وتفعيل المطالب الدستورية للجسم الحقوقي والتي أكدتها الندوة الدولية التي نظمها النسيج المدني للدفاع عن استقلال السلطة القضائية تحت إشراف جمعية عدالة ونادي قضاة المغرب ومن أهمها:
-تخويل الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض باعتباره رئيس النيابة العامة الإشراف وتتبع أعمال النيابة العامة.
- إستقلال سلطة النيابة العامة عن السلطة التنفيذية بشكل مطلق، للطلاق البائن بين السياسي والقضائي
- صلاحية السلطة الحكومية المكلفة بالعدل في تبليغ السياسة الجنائية العامة للوكيل العام للملك بمحكمة النقض على أن تكون كتابة و غير متعلقة بحالات محددة.
- نقل الإشراف الكلي على الضابطة القضائية إلى سلطة النيابة العامة، و جعلها من أجهزة السلطة القضائية.
- إحداث مجلس الوكلاء العامين للملك تحت السلطة المباشرة للوكيل العام للملك بمحكمة النقض يخول له إقتراح موجهات السياسة الجنائية و السهر على تنفيذها.
- تخويل هذا المجلس حق مراجعة قرارات النيابة العامة المتصلة بحفظ الشكايات، و سائر التظلمات ضد القرارات المتعلقة بها.
- تخويل مجلس الوكلاء العامين للملك صلاحية مراقبة أعمال النيابة العامة.
- تعزيز إستقلالية قاض النيابة العامة، في إبداء آرائه بكل حرية و إستقلال في الجلسات العلنية.
- تنظيم قاعدة التبعية و التسلسل الرئاسي و حدوده التي يخضع لها قضاة النيابة العامة.
- تمتيع قضاة النيابة العامة بنفس الحصانة ضد النقل و العزل التي يتمتع بها قضاة الأحكام.

ومن المهم الإشارة أن ضمان تخصص النيابة العامة وكفاءتها يستلزم عدم نقل قضاتها إلا بطلب منهم حماية لقاعدة حصانة القاضي من النقل التي لا موجب ولا غاية لحصرها في قاضي الحكم ،وفي المقابل فإن نقل القاضي المتخصص أو العادي للنيابة العامة يبقى أمرا غير مشروع لأن ذلك يستلزم توفير تكوين خاص وقدرات خاصة قد لا تتوافر فيه لأن القضاء صنعة واحتراف لا يتقنه إلا من خبر قضاياه وإشكالياته ودقائقه،فضلا عن حماية اختصاص المحاكم وضمان احترافية القضاة وجودة الخدمة القضائية حتى لا يتم إهدار المال العام وقتل للتخصص بخلفيات يعلمها العام والخاص ولا تنطلي على ذي أهلية قانونية وقضائية،فليس ذلك انتقاصا من قضاء على قضاء ولا تسلط من قاض على قاض وإنما التسلط والانتقاص هو الطعن في القواعد القانونية الدستورية ولاسيما حصانة القاضي من النقل والذي تتفرع عنه حصانة المحاكم المتخصصة ،لأن قضاء النيابة العامة ليس جهة تأديب حتى يحال إليه القضاة المؤدبون ،بل قضاء متخصص يحتاج لقضاة بخلفيات دستورية وقانونية وحقوقية لا بخلفيات تأديبية ،فالقاضي الذي لا يصلح لصنف معين من القضاء لا يصلح لجميع الجهات القضائية ،لذلك تعتبر الإحالة للنيابة العامة استهانة كبرى لهذا الجهاز وأعضائه وانتقاص خطير منه وضرب في استقلاليته ولجودة الخدمات التي يقدمها والنجاعة القضائية المتوخاة منه ،لأن القاضي الذي لا قبل له بالنيابة العامة ويفتقد للتكوين يجب أن يعمل في القضاء الذي صرفت عليه أموال طائلة من الدولة في التكوين التخصصي فيه ،لذلك فإن عدم احترام قرارات المجلس الأعلى للقضاء لطبيعة تكوين القاضي ولتخصص المحاكم فيه مسا خطيرا بمبدأ الحماية الفعالة لحقوق المتقاضين وحرياتهم ويأتي على رأسها حقهم في قضاء كفئ ومتخصص،لأن أزمة القضاء اليوم ليست فقط إشكالية تخليق وإنما وبصفة أساسية وأولية أزمة ضعف التكوين والتكوين المستمر،لكن يبقى المقلق والمثير هو غياب الفكر الدستوري لدى القائمين على شؤون العدالة فالمحاكم بالنسبة إليهم جهة واحدة والقضاة مثلهم مثل غيرهم ، لا يختلفون إلا في التأديب لا في الاجتهاد والإبداع ،أفليس القاضي كائن حقوقي بطبعه يستلزم حماية دستورية لاستقلاله وللضمانات التي يتمتع بها بعيدا عن وصاية عمرت طويلا للوزارة العدلية نتمنى أن تزول غير مأسوف عليها ليتأسس المجلس الأعلى للسلطة القضائية كجهة ناظمة حصرية ووحيدة للشأن القضائي وللقضاة،ليطمئن المتقاضين أن قضاتهم لا يخضعون إلا لضميرهم والقانون وليس لوزارة الرميد أو غيره ؟.

د محمد الهيني
نائب الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة
عضو مؤسس بنادي قضاة المغرب