في السنوات الماضية، كنت قد سمعت حوارا على قناة تلفزيونية نصرانية فرنسية (KTO)، لأحد شيوخ التصوف المعروفين بالغرب الإسلامي (الجزائر والمغرب خصوصا)، يسوّي فيه بين النصرانية والإسلام، ذاكرا أنهما يوصلان إلى الغاية ذاتها؛ وكأن الناس فيهما على الخيار. وفي السنوات الأخيرة سمعت عن انخراطه في مشروع للدعوة إلى وحدة الأديان، تحت رعاية الأمم المتحدة؛ لكنني لم أعر الكلام المنقول كبير عناية، خوفا من أن يكون افتراء يُراد منه النيل من "الشيخ" المذكور بغير وجه حق؛ إلى أن التقيت في الأسابيع الفارطة بجماعة من أتباعه، صرحوا لي بـ"وحدة الأديان" لفظا ومعنى. وبقيت متعجبا من اختلاط الأمور على المسلمين، إلى الدرجة التي لم يعودوا معها يميزون بين الحق والباطل، رغم جلائهما في عين كل ذي نظر.

وإن وحدة الأديان التي يُدعى إليها زعما، لا يُمكن أن تستقيم مع الإبقاء على الخصوصيات الدينية، التي يكون معها الإسلام إسلاما، والنصرانية نصرانية، واليهودية يهودية. أما إن قيل بتجاوز الخصوصيات، فإنها حينئذ لن تعود وحدة أديان؛ وإنما ستكون دينا واحدا، مخالفا للأديان الأصلية في كل شيء. ولن يكون هذا الدين في النهاية إلا الدين الشيطاني، الذي يُعبد فيه الشيطان من دون الله. وإن عَبَدة الشيطان، كما هم، معروفون في العالم بطقوسهم وعقائدهم؛ لكن هذه الصورة الجديدة التي يُراد منها توظيف التصوف لأجل اختراق مجتمعاتنا، لم تُعرف إلا في السنين الأخيرة؛ وكأنها مرحلة نهائية، من مراحل الهيمنة الشيطانية على العالم، قبل إعلان مَقْدم الدجال.

وإن ما نستغربه حقيقة، هو سكوت الدولة، وبالأخص وزارة الشؤون الإسلامية، عن مثل هذه الانتهاكات، التي هي من أشد عوامل التخريب لمجتمعاتنا؛ في مقابل التضييق على التصوف القويم، الذي يلتزم السنة النبوية منهاجا، ظاهرا وباطنا؛ وبموازاة الاحتفاء بالتصوف الفولكلوري السياحي، الذي لا أصل له من الدين. فهل صارت دولنا موافقة للسياسات الدجالية إجمالا وتفصيلا، من دون أن تستشيرنا، بصفتنا شعوبا معنية؟!.. أم إن النظام العالمي، الذي هو على وشك أن يُعلن عن نفسه رسميا، لم يُمهلها أن تنظر لأمر نفسها؛ ولم يترك لها من خيار، إلا الانصياع؟!.. من حقنا أن نتساءل!..

إن السكوت عما يحدث في الدين، لهو خيانة لله ورسوله وللمؤمنين!.. أين الفقهاء الذين حجبتهم الوظائف عن القيام بأوامر الله وتبيينها لعامة المسلمين؟!.. وأين دعاة الفتنة الذين صاروا ينفخون في الخلافات المذهبية، حتى غطوا على معالم الدين الأصلية؟!.. فإن كانوا يتعمدون كل ذلك، فإنهم سيكونون حتما دخلاء علينا، يخدمون مصالح العدو من بين أظهرنا؛ وإن لم يتعمدوا، فإنهم سيكونون على جهل مطبق بما هم عليه، وبما هو العالم عليه من ورائهم. ألا يعلم هؤلاء وغيرهم، أن هذه المرة قد بلغ الأمر ما لم يبلغه من قبل؟.. ألا يعلمون أنها مسألة وجود، لا غير ذلك؟..

لا زلنا نذكر وزير أوقافنا في برنامج حواري شهير، على إحدى القنوات المغربية، حين واجهه أحد محاوريه باتهام للزوايا في المغرب بنشر الشرك بين الناس؛ وكان ذلك بحضور ثلة من علماء البلاد، فلم يُحر جوابا، وهو المنتسب إلى إحدى كبريات الطرائق الصوفية في بلادنا. وإن أقل ما كان يمكن أن يخرج به السامع وقتها، هو تفسير تفاديه الإجابة المباشرة، على أنه إقرار للتهمة المذكورة!.. ولا يسعنا هنا إلا أن نطالبه بإعلان موقفه حقيقة من التصوف وأهله. فإن كان التصوف حقا من حواضن الشرك، فليُعلن ذلك رسميا، ولتُغلق الزوايا بقوة القانون!.. وإن كان الأمر غير ذلك، فلمَ يسكت عن منكر، وهو أولى الناس بتغييره؟!.. أم إن دون ذلك حسابات تمليها الوزارة، هي غير ما نعلمه نحن من الدين؟!.. ما هذا الالتباس في المشهد الديني المغربي!.. الذي لا يخلص لجهة دون أخرى، مع ما بين الجهات من التقابل والتضاد!.. أيكون هذا ممارسة لوحدة الأديان في صيغة أولية قابلة للتعديل فيما بعد؟!.. أم هو الخَور الذي يجعل صاحبه ينبطح قبل أن يُدعى إلى ذلك؟!..

إننا بحرصنا على التصوف وتأكيدنا عليه، نريد أن نعود بالدين إلى فاعليته الأولى، التي انطمرت تحت ركام الكلام المتزايد مع السنين، عبر مقولات لا تكاد تفي بمعنى وجيه، في هذا الزمان ومع الهُجْنة الثقافية السائدة. نريد بتصوفنا أن نعود إلى الإسلام، لا أن نغادره منفصلين. غير أن هذا لا يمكن أن يُدرك ما لم نُسفر عن وجوهنا، حتى يعلم قومنا حقيقتنا. وليقبلونا بعدها أو ليرفضوا؛ ليس الشأن أن نُقبل نحن، وإنما الشأن أن نكون نحن نحن.

إننا إذ نثمن اعتداد ملك المغرب بالتصوف، وعنايته بأهله، لا نملك إلا أن نتساءل عن حقيقة ما هي عليه المؤسسات الرسمية في بلدنا. فبعد أن ألقى وزير الأوقاف أول الدروس الرمضانية لهذه السنة (2015م) بين يدي الملك، متناولا بأمره أحد مشاهير أولياء المغرب وطريقته في التربية، جاء الدرس الرابع الذي ألقاه أحد أعضاء المجلس العلمي الأعلى، منافيا له على التمام، بالتشديد على سلفية المغرب، ومن دون أدنى إشارة إلى تصوفه. فإذا كانت المسألة على خلاف بين اثنين ضمن أضيق دائرة دينية رسمية، فما القول إن نحن عرضنا لمشارب الشعب كلها، مع تشعباتها وامتداداتها الخارجية؟!..

إن هذا الارتباك في تدبير "الشأن الديني"، لا يمكن أن يستمر من دون أن يترك تصدّعات لدى عموم الناس، قد تجعلهم يتشككون في الدين برمته. وإنّ روْم تسليف المغرب اليوم، من قبَل الحكومة الإخوانية جزئيا، ومن قِبل أعوانها من الفقهاء الوهابية، لن يكون إلا من مصلحة داعش وأخواتها من تنظيمات السفه؛ وإن غطى أصحاب هذا الخطاب كلامهم بالتبرّي من داعش في الظاهر. لسنا الآن في مرحلة تحتمل منا المناورات الخطابية والاصطفافات المذهبية، ونحن على أبواب الهيمنة الدجالية العالمية، إن لم نتنبه. ومن لم يكن على وعي بواقع السياسات العالمية والإقليمية المـُنصبَّة في القوالب المحلية، فليس له أن يتكلم فيما هو من قبيل الاستراتيجيا بعيدة المدى، دينية كانت أو دنيوية. وليست مصائر الشعوب بالتَّفَه الذي يجعلها لُعبة بأيدي من لا يقدر الأمور حق قدرها... وإن استمرت الحال على ما هي عليه، فلتتهيأ الشعوب لأسوإ الاحتمالات...

أما نحن، فلسنا ننتظر -بحمد الله- من الوزير المعنيّ اعترافا يتصدق به علينا؛ وهو يعلم -إن كان يعلم- أن التصوف الرباني يتولى أصحابَه اللهُ الذي يُقيمهم فيما يشاء بين عباده. ولسنا طلاب دنيا، حتى نُرغم على قبول شروط "اللعبة" التي تُلعب في الظاهر وفي الخفاء؛ وكأن الدين قد صار لغير الله، وهو ليس إلا له سبحانه؛ بعز عزيز وبذل ذليل. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.

(كُتب هذا المقال، بعد مرور أكثر من 210 يوم، من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن).