محمد المعاشي

إذا كان لعقود الشغل بداية، فإنها تنتهي عموما وكيفما كانت طبيعتها القانونية، إما لأسباب خاصة ترتبط أساسا بالتميز بين عقود الشغل المحددة المدة وعقود الشغل غير محددة المدة أو لإنجاز شغل معين، حسب المادة 16 الفقرة الأولى من مدونة الشغل، وقد تنتهي بأمر من المشرع نفسه وهو حالة التقاعد، الذي هو موضوع دراستنا.
وعقد الشغل يعتبر من عقود المدة، وليس بعقد أبدي، وهذا ما أكدتها مقتضيات الفصل 728 من قاتون الالتزامات والعقود المغربي، الذي ينص على أنه ((يبطل كل اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص بتقديم خدماته طول حياته أو لمدة تبلغ من الطول حدا بحيث يظل ملتزما حتى موته)).

لقد أصبح التقاعد الذي هو نهاية لمسار وظيفي أو شغلي، يحظى باهتمام واسع ومتزايد في أوسط الموظفين والمستخدمين والأجراء وداخل المنظمات النقابية والادارات العمومية والمقاولات والقائمين على المؤسسات المسؤلة عن نظام التقاعد.

وانطلاقا من المقتضيات القانونية الواردة في مدونة الشغل، لا بد من الاشارة ولو بإيجاز لأنظمة التقاعد التي يعرفها المغرب وما يشوبها من اختلالات، وقد سبق أن جاء خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد العرش (30 يوليوز 2004) واضحا بعد أن دق ناقوس الخطر من أجل إنقاذ أنظمة التقاعد قبل فوات الأوان، حيث جاء فيه (...كما يجب تفعيل وتوسيع الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، ومكافحة كل أشكال الفقر والإقصاء، وترسيخ التضامن بين الأجيال باتخاذ التدابير اللازمة والمستعجلة لإنقاذ مستقبل أنظمة التقاعد، قبل فوات الأوان،...).

إن أنظمة التقاعد بالمغرب تتسم بالتتعد وعدم تقاربها والانسجام فيما يخص الجوانب المؤسساتية (أي أن كل نظام يتوفر على إطار قانوني خاص ويخضع لسلطة وصاية مستقلة) ونظام الحكامة ومقاييس العمل المعتمدة، وهذه الأنظمة وقف المجلس الأعلى للحسابات على اختلالاتها([1])، وعمل على اصدار في يوليوز2013 تقرير([2]) يتعلق ب"منظومة التقاعد بالمغرب التشخيص ومقترحات الاصلاح"، حيث خلص التقرير إلى ضرورة التعجيل بالقيام بمسلسل من الاصلاحات العميقة لنظام التقاعد على المدى القصير والمتوسط والطويل، كما خصص مجلس النواب يوم 23 يونيو 2014 جلسة عمومبة لمناقشة العرض، والذي تقدم به الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات.
وحسب تقرير المجلس فإن وضعية الانظمة الأكثر هشاشة ستزداد سوء إذا لم تتدخل السلطات العمومية بشكل عاجل للقيام باصلاحات شاملة وعميقة وجريئة.

وللإشارة، فإن هذه الأنظمة المتنوعة تم إنشاء كل واحدة منها في مرحلة معينة بهدف تغطية شريحة خاصة من الساكنة، إلا أن تغطية هذه الأخيرة نسبتها ضعيفة، حيث أن مجموع الأنظمة (حسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات) لا تغطي سوى 33 بالمائة من مجموع الساكنة النشيطة، أي ما يناهز 3.4 مليون نسمة من أصل 10.5 مليون نسمة.

وهذه الأنظمة المتنوعة والمختلفة أحدثت خلال فترات وبشكل تدريجي والتي امتد من سنة 1930 إلى سنة 1977 وهي:
الصندوق المغربي للتقاعدCMR
الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR
الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS
النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد RCAR

أولا: الصندوق المغربي للتقاعدCMR
أحدث الصندوق المغربي للتقاعد في فاتح مارس من سنة 1930 كأول نظام إجباري للتقاعد بالمغرب لفائدة الموظفين الفرنسيين العاملين بإدارة الحماية، وبتاريخ 31 ماي 1931([3]) أحدث أول نظام التقاعد لفائدة الموظفين المغاربة([4]).
والصندوق يعمل بنظام التوزيع ليشمل جميع الموظفين المدنيين التابعين للدولة والجماعات المحلية، كما تم إنشاء نظام جديد لفائدة العسكريين.

وقد أسفر تقرير المجلس الأعلى على تشخبص وضعية نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد على أنه يعاني من إختلالات مالية عميقة وهيكلية وتزداد تفاقما مع مرور الزمن، بالرغم من وضوح الوضعية الصعبة للنظام منذ سنوات، فإنه لم يتم القيام بأي إصلاحات هيكلية تحت ذريعة انتظار نتائج الدراسات والاستشارات([5]).

كما أن كل التقارير تجمع على أن الصندوق المغربي للتقاعد سيعرف صعوبات مالية ابتداء من سنة 2014، وستعرف الاحتياطات المالية للنظام انخفاضا لتصبح سلبية إبتداء من سنة 2021.

ومن أجل إنقاذ الصندوق المغربي للتقاعد، يقترح المجلس الأعلى للحسابات حاليا، رفع سن التقاعد إلى 65 سنة على مدى 10 سنوات، عوض 60 سنة المعمول بها حاليا، مع منح المنخرطين إمكانية تمديد فترة نشاطهم حتى تتسنى لهم الاستفادة من تقاعد كامل في المعدل الأقصى، وفي حدود سن يتم تحديدها لاحقا. مع وجوب أن يخضع الاستمرار في العمل لتأطير ملائم([6] ).
كما عملت الحكومة بشأن معالجة أزمة نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد على طرح مقترحات في الموضوع على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لإبداء رأيه بشأنها.
والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي كهيئة دستورية مستقلة يضطلع بمهام استشارية لدى الحكومة ولدى مجلسي البرلمان، ويحدد القانون التنظيمي رقم 60.09 المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي([7]) صلاحياته من خلال الباب الثاني، وتركيبته من خلال الباب الثالث، وتنظيمه من خلال الباب الرابع، وطريقة تسييره من خلال الباب الخامس، والتنظيم الاداري والمالي من خلال الباب السادس، بالاضافة إلى أحكام مختلفة وانتقالية من خلال الباب السابع والأخير.
وتنص المادة الثانية من هذا القانون على أنه ((طبقا لأحكام الفصل الرابع والتسعين من الدستور، يضطلع المجلس بمهام استشارية لدى الحكومة ومجلس النواب ومجلس المستشارين.
ولهذا الغرض، يعهد إليه على الخصوص القيام، وفق الشروط والكيفية المنصوص عليها في أحكام هذا القانون التنظيمي، بمايلي:
- الإدلاء برأيه في الاتجاهات العامة للإقتصاد الوطني والتكوين؛
- تحليل الظرفية وتتبع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الوطنية والجهوية والدولية وانعكاساتها؛
- تقديم اقتراحات في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية؛
- تيسير وتدعيم التشاور والتعاون بين الفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين والمساهمة في بلورة ميثاق اجتماعي؛
- إنجاز الدراسات والأبحاث في الميادين المرتبطة بممارسة صلاحياته)).

أما المقترح الحكومي المطروحة على أنظار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي فإنه يتعلق بمايلي:
· رفع سن التقاعد إلى 62 سنة ابتداء من فاتح يوليوز 2015، ورفعه تدريجيا بستة أشهر كل سنة ليصل إلى 65 سنة ابتداء من 01 يوليوز 2021.
· رفع نسبة الاقتطاع من الأجور لتمويل صندوق التقاعد بـ 4% (2% في 1 يوليوز 2015، و2% في فاتح يوليوز 2016) لتصل إلى 14% بدل 10% حاليا مع مساهمة مماثلة للدولة.
· تقليص مقدار معاش التقاعد عبر آليتين، الأولى هي احتسابه على قاعدة معدل الأجرة للسنوات الثمانية الأخيرة بدل آخر أجرة حاليا، والثانية هي استبدال نسبة 2.5% من الأجرة عن كل سنة من العمل بنسبة 2% فقط.ـ
· رفع مدة العمل للتوفر على إمكانية الاستحقاق للتقاعد النسبي (شريطة إذن الإدارة وفي حدود عدد محدد من المناصب) من 21 سنة كحد أدنى بالنسبة للرجال و15 سنة بالنسبة للنساء إلى 26 سنة للرجال و20 سنة للنساء، ورفع مدة العمل للحصول على التقاعد النسبي غير المشروط إلى 36 سنة بدل 30 سنة حاليا، كل هذا مع تخفيض مقدار معاش التقاعد النسبي باحتسابه على قاعدة 1.5% عن كل سنة من العمل بدل 2% حاليا.

وبقرائتنا للمقترح الحكومي ومقارنة مع ما هو جاري به العمل حاليا بالصندوق المغربي للتقاعد، يظهر جليا على أن الحقوق ومكاسب الموظفين والمستخدمين سيعرف تراجعا كبيرا، بحيث في الوقت الذي كان المنخرطون ينتظرون مكاسب جديدة أكثر فائدة، وعلى سبيل المثال تحمل الدولة لنسبة ثلثي من اقتطاعات الأجور مقابل ثلث يتحملها الموظف والمستخدم، كما هو المعمول به في معظم الدول، عوض المساهة بالتساوي أي 50 بالمائة لكل طرف، وكذلك أن التمديد يبقى اختياري لإمتصاص غضب المعطلين والعمل على توظيفهم، أو على الأقل كان على الحكومة أن تحافظ على الحقوق والمكاسب كمرحلة الأولى.
لكن، هل لقي هذا المقترج إرتياحا لدى الحركة النقابية المغربية والمجتمع المدني؟

الحركة النقابية المغربية ورفضها للمقترح الحكومي
لقد عرف هذا الاقتراح رفضا كبيرا من طرف المركزيات النقابية الثلاث الأكثر تمثيلا([8])، واعتبرت عدم عرض المقترح عليها في إطار المفاوضات الجماعية هو إجهاز على المكتسبات،
ومن الملاحظ أن أغلب المركزيات النقابية توحدت حول عدم الموافقة والرفض التام للمقترح، وجلهم متفقون على ضرورة شمولية إصلاح أنظمة التقاعد ودون المساس بالحقوق المكتسبة للمنخرطين، أي أن حل الإشكال يكون وفق مبادئ الإصلاح الشامل، مع ضرورة إدراج إشكالية التقاعد ضمن جدول أعمال المفاوضة الجماعية الذي هو حق.
للتذكير، لقد اهتمت منظمة الشغل الدولية يمبادء حق التنظيم والمفاوضة الجماعية من خلال اتفاقية الشغل الدولية رقم 154 بشأن تشجيع المفاوضة الحماعية، والمنظمة العربية اهتمت هي الأخرى بالمفاوضة الجماعية من خلال اتفاقية رقم 11 لسنة 1979 والتي جاء في ديباجتها على ((أن المفاوضة الجماعية هي الوسيلة الفعالة لتنظيم علاقات العمل على أسس عادلة بما يتماشى مع التطور الاقتصادي والاجتماعي، وأنها تكتسي سمة خاصة حيث تلتقي فيها إرادة الطرفين لتنظيم شروط وظروف العمل وتحديد الحقوق والمزايا التي تقرر للعمال بما يحقق السلم الاجتماعي والعدالة الاجتماعية))([9])، لكن بالنسبة للتشريع الاجتماعي المغربي فالمفاوضة الجماعية لم يكن يوجد إطار قانوني ينظمها إلى حين صدور مدونة الشغل سنة 2003([10])، إذ من اهم المستجدات التي استحدثتها مدونة الشغل، هي إدراجها لأول مرة لمقتضيات قانونية تتعلق بالمفاوضة الجماعية من خلال المواد 92 إلى 103، وقد عرفتها المادة 92 على أن (("المفاوضة الجماعية" هي الحوار الذي يجري بين ممثلي المنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلا أو الإتحادات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلا من جهة، وبين المشغل أو عدة مشغلين أو ممثلي المنظمات المهنية للمشغلين من جهة أخرى، بهدف تحديد وتحسين ظروف الشغل والتشغيل، وتنظيم العلاقات بين المشغلين والأجراء، وتنظيم العلاقات بين المشغلين أو منظماتهم من جهة وبين منظمة أو عدة منظمات نقابية للأجراء أكثر تمثيلا من جهة أخرى)) وجاءت المادة 96 الفقرة الثانية من المدونة لتؤكد على إجراء مفاوضات بين الحكومة والمنظمات النقابية الأكثر تميثلا جيث جاء فيها على أنه ((تجري المفاوضات بين الحكومة والمنظمات المهنية للمشغلين والمنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلا على المستوى الوطني، مرة كل سنة أو كلما دعت الضرورة إلى ذلك، من أجل تداول مختلف الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تهم عالم الشغل([11]).

مرتكزات الرفض النقابي: يرتكز الرفض النقابي أساسا ومن الدرجة الأولى على أن الأزمة التي يعيشها نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد، لا يجب تحمل جميع أعبائها في إطار الإصلاح على كاهل الموظف والمستخدم بمفرده، لأن المنخرط ظل يؤدي واجبته المالية بانتظام وأن الدولة والحكومات المتعاقبة هي المسؤلة عن الازمة نظرا لعدم تأديتها لمستحقاتها للصندوق حوالي 40 سنة أي حتى سنة 2005، ولكن لجزأ منها فقط، وفي هذا الإطار جاء تقرير المجلس الأعلى واضحا حيث أشار فيه على أنه ((ونظرا لحداثة بنية النظام نسبيا، واعتباراً للأثر الإيجابي للعامل الديمغرافي فقد كانت اشتراكات المأجورين كافية لتأمين خدمات التقاعد إلا أن عدم أداء الدولة لمساهماتها .كمشغل. كان له أثر كبير في الحد من تكوين احتياطات لفائدة نظام المعاشات المدنية. وقد تداركت الدولة هذه الوضعية جزئيا سنة 2005 حيث قامت بدفع 6 ملايير درهم لفائدة نظام التقاعد المدني))([12])، إضافة إلى سوء استثمار الاحتياطات المالية للصندوق، وكذلك استعمال جزء من موارد نظام المعاشات المدنية ولمدة طويلة لحل أزمات نظام المعاشات العسكرية للصندوق المغربي للتقاعد...الخ.
إذا، هل الحكومة بصدد إرغام الموظفين والمستخدمين على تأدية فاتورة إفلاس الصندوق المغربي للتقاعد؟

لقد اعتبرت المركزيات النقابية([13]) أن إصلاح الحكومة للنظام الحالي للتقاعد جاء لتلبية تعليمات وتوصيات صندوق النقد الدولي وتطالب بسحبه فوراً([14])، وأن أي إصلاح يستهدف منظومة التقاعد لا يمكن عزله عن إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية ككل.

مقترح المركزيات النقابية: في مذكرة مشتركة للمركزيات النقابية الثلاث([15]) الموجهة لرئيس الحكومة حول إصلاح أنظمة التقاعد بتاريخ 16 يوليوز 2014، جوابا على مقتراحات الحكومة فيما يخص نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد التي تقدم بها رئيس الحكومة في اجتماع مع اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد، يوم 18 يونيو 2014، تضمنت أربع محاور أساسية وهي:
I. ضعف نسبة التغطية الاجتماعية وعدم إنسجام أنظمة التقاعد:
- ضعف نسبة التغطية الاجتماعية؛
- تعدد وعدم إنسجام أنظمة التقاعد؛
- إنعدام أي ممرات ومسالك بين الأنظمة؛
- التمويل؛
- المعامل الديمغرافي.
II. لا بديل على إصلاح الشمولي لأنظمة التقاعد:
- الاصلاح المقايسي
- إنجاز الإصلاح الشمولي لأنظمة التقاعد:
o قطب عمومي؛
o قطب خاص.
III. الاصلاحات المقاييسية جزء لا يتجزأ من الاصلاح الشمولي:
- المرحلة الأولى:
o الصندوق المغربي للتقاعد؛
o النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد؛
- المرحلة الثانية: تراجع المقاييس المعتمدة؛
- المرحلة الثتالثة: إنجاز قطب عمومي.
IV. الإجراءات المرفقة:
- المردودية؛
- الضمان؛
- السيولة؛
- المنفعة الاقتصادية والاجتماعية.

وهذا، لم يمنع المركزيات النقابية من مراسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في رفض المشروع المحال عليها من طرف الحكومة ثم طرح عليها المقترح النقابي، حيث وجهت المركزية النقابية الاتحاد المغربي للشغل بمذكرة إلى رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتاريخ 27 غشت 2014 حول إشكالية أنظمة التقاعد بالمغرب، وذلك لوضع المجلس الاقتصادي والبيئي أمام امر الواقع، وتتضمن المذكر التأكيد من جديد على المحاور الأربعة السالفة الذكر، كما ختمت المذكرة بمطالبة أعضاء المجلس بإرجاع مقترح المشروع الحكومي إلى طاولة الحوار.

فضلا عن أن هنالك([16])من اعتبر أن مشروع إصلاح التقاعد المحال على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ينذر بكارثة خطيرة غير مسبوقة في تاريخ الوظيفة العمومية، مطالبة من أطراف المجلس برفض هذا المشروع جملة وتفصيلا.

وفضلا عن ذلك، فإنه في الوقت الذي تعلو فيه أصوات الرفض للمقترح الحكومي، وإذ بهذه الأخيرة تخرج إلى حيز الوجود مرسوم قانون جديد في غياب المقاربة التشاركية مع الفرقاء الاجتماعيين والذي أدى إلى الزيادة في وتيرة درجة الغليان الاجتماعي.

مرسوم قانون يساهم بالزيادة في رفع من وتير الغليان الاجتماعي
في الوقت الذي كانت المركزيات النقابية الثلاث الأكثر تمثيلا([17]) تنتظر رد الحكومة عن المذكرة المشتركة، تتفجأ الحركة النقابية بإقدام الحكومة على إصدار مرسوم قانون رقم 2.14.596 بتاريخ فاتح شتنبر 2014 بتتميم القانون رقم 012.71 الصادر في 30 دجنبر 1971 المحددة بموجبه السن التي يجب ان يحال فيها على التقاعد موظفو وأعوان الدولة والبلديات والمؤسسات العامة المنخرطون في نظام المعاشات المدنية، والقانون رقم 05.89 المحدد بموجبه السن التي يحال إلى التقاعد عند بلوغها المستخدمون المنخرطون في النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، المنشور في الجريدة الرسمية تحت عدد 6287 مكرر بتاريخ 2 شتنبر 2014.
والمرسوم جاء بناء على الفصل 81 من الدستور المغربي والذي ينص على أنه ((يمكن للحكومة أن تصدر، خلال الفترة الفاصلة بيم الدورات، وباتفاق مع اللجان التي يعنيها في كلا المجلسين، مراسيم قوانين، يجب عرضها بقصد المصادقة عليها من طرف البرلمان، خلال دورنه العادية الموالية.
يودع مشروع المرسوم بقانون لدى مكتب مجلس النواب، وتناقشه بالتتابع اللجان المعنية في كلا المجلسين بغية التوصل داخل أجل ستة أيام، إلى قرار مشترك بينهما في شـأنه، وإذا لم يحصل الاتفاق، فإن القرار يرجع إلى اللجنة المعنية في مجلس النواب)).

وأمام من جهة، غياب المقاربة التشاركية مع الفرقاء الاجتماعيين وانفراد الحكومة بالقرار، سارعت أغلب المركزيات النقابية إلى إصدار بلاغاتها رافضة مبدئيا وتفصيليا مرسوم القانون السالف الذكر وتدعو إلى إلغائه فورا([18])، حيث اعتبرت قرار الحكومة هو إجهاز على الحقوق والحريات النقابية، كما تندد بالمقاربة الحكومية الأحادية في التعامل مع الملفات الاجتماعية التي عوض أن يتم طرحها في إطار المفاوضات الجماعية تطرح على مؤسسات ذات طابع استشاري (أي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي)، وفي نفس الوقت كذلك اعتبرت([19]) أن الحكومة تعمدت في خرق منهجيتين من جهة، منهجية الحوار الاجتماعي المتوافق حوله منذ حكومة التناوب والقاضية بعقد دورتين للحوار الاجتماعي في السنة وبالتوافق حول القضايا الاساسية التي تهم الشغيلة، ومن جهة أخرى، منهجبة العمل داخل اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد التي أحدثت سنة 2004 وتفرعت عنها لجنة تقنية والتي اشتغلت طيلة عقد من الزمان، ومن جهة أخرى، أمام ما وقع في صفوق الموظفين والمستخدمين والاعلام من غموض جعلهم ينتفضون من هذا المرسوم، مما دفع بالحكومة مع ارتفاع موجة من الغضب والغليان الاجتماعي من أن تتحرك لتهدئة الوضع، وذلك تفاديا للإنجار الاجتماعي.
لكن، هل نجحت الحكومة في تهدئة الوضع أم زادات في الرفع من الغليان الاجتماعي؟

الحكومة تعمل على طمأنة الموظفين والمستخدمين في شأن ملف التقاعد بعد صدور مرسوم قانون
مباشرة بعد تحرك النقابات المركزية وجمعيات المجتمع المدني بواسطة بياناتها بلاغاتها والندوات الصحافية، بادرت الحكومة عبر وزارتها الوصية على قطاع الوظيفة العمومية بنفي الخبر الذي يروج عن تمديد سن التقاعد إلى 65 سنة بالنسبة لجميع موظفي الدولة، وعلى أن المادة الأولى المتعلقة بالقانون المحدد لسن التقاعد تهم أساتذة التعليم فقط، حيث أكدت الوزارة الوصية على أن الحكومة تسعى من خلال هذا المرسوم إلى ضمان استمرارية خدمات المرافق التعليمية والجامعية بشكل دائم ومنتظم، وانجاح الموسم الدراسي الجامعي، وذلك باستمرار الموظفين المقبلين على التقاعد في مزاولة مهامهم إلى غاية متم الموسم الدراسي الجامعي، وأن القانون الذي تم نشره بالجريدة الرسمية هو إجراء تدبيري وخاص بالأساتذة الجامعيين والباحثين فقط. وهذا يعني أن مرسوم قانون رقم 2.14.596 يعني فقط رجال ونساء التربية الوطنية والتعليم العالي الموظفين منهم والمتعاقدين.

لكننا نتساءل من جانبنا، ألم تكن الحكومة على بينة وعلى علم مسبق بالنقض الحاصل أو الذي سيحصل في قطاع التعليم؟ ولماذا انتظرت الحكومة واخترت الفترة الفاصلة بين الدورات لكي يتسنى لها العمل على إصدار مرسوم قانون رقم 2.14.596 بتاريخ فاتح شتنبر 2014، ورجال ونساء التعليم وتلامذتهم وطلبتهم في عطلة صيفية، واستندت الحكومة في ذلك على الفصل 81 من الدستور السالف الذكر؟ وهل سيصبح الفصل 81 من الدستور هو السهل لتمرير عبره كل القرارات المستعصية التي تتعلق بالطبقة العاملة؟

وفضلا عن ذلك، فإنا الحكومة بقرارها هذا الأحادي وفي غياب مقاربة تشاركية مع المركزيات النقابية التي تمثل الطبقة العاملة من موظفين ومستخدمين وأجراء ...الخ في صياغة مسودة المقترح، ساهمت من جهة في زرع الخوف في صفوف الموظفين والمستخدمين المقبلين على التقاعد، ومن جهة أخرى ساهمت الحكومة عن طريق هذا المقترح في توحيد الحركة النقابية المغربية فيما بينها، في الوقت الذي "وجدت المركزيات النقابية نفسها في موقع الدفاع عن المكتسبات التي أصبحت تتعرض للإبادة وفي مقدمتها التقاعد([20])،

الانعكاسات الناتجة عن قرارات الحكومة في شأن إصلاح التقاعد
· في صفوف الموظفين
خوفا من أن يصبح مشروع مقترح اصلاح التقاعد قانونا وواقع وبالتالي تطبيق الاجراءات المالية المواكبة للتقاعد الجديد، بدأت تتقاطر على الادارات المغربية عديد من الطلبات من طرف الموظفين الذين قضو 21 سنة من العمل بالوظيفة العمومية، للإستفادة من خيار التقاعد النسبي، لأن الإصلاح المرتقب بالنسبة لفئة الأطر العليا سيؤدي بهم إلى الانخفاض في الاعتماد مقارنة مع هو جاري به العمل، حيث أن الاستفادة من التقاعد النسبي سيرتفع إلى 26 سنة بالنسبة للرجال عوض 21 سنة و20 سنة بالنسبة للنساء عوض 15 سنة، كما أن نسبة الاقتطاع من الأجور لتمويل صندوق التقاعد سترتفع بـ 4 بالمائة (2بالمائة سنة 2015 و 2 بالمائة سنة 2016)، ثم أن عملية احتساب مقدار المعاش سيكون على قاعدة معدل الأجرة للسنوات الثمانية الأخيرة عوض أخر الأجرة حاليا أضف إلى ذلك أن استيدال نسبة 2.5 بالمائة من الأجرة عن كل سنة من العمل بنسبة 2 بالمائة فقط.
هكذا، سيصبح الموظف والمستخدم أمام الزيادة في إقتطاع من الأجر، والزبادة في سنوات العمل، مقابل معاش أقل (حلل وناقش).

· المساهمة في توحيد الحركة النقابية
كان للقرارات الأنفرادية للحكومة (سواء تعلق الأمر بإحالة مشروعي قانونين يهمان نظام المعاشات المدنية على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من أجل إبداء الرأي حولهما، أو تعلق الأمر بإصدار مرسوم قانون يتم بموجبه التمديد لرجال التعليم ونساء التربية والتكوين والأساتذة الباحيثن لسن التقاعد إلى غاية إنتهاء السنة الدراسية أو الجامعية) دور كبير في المساهمة في توحيد الحركة النقابية المغربية والتي جعلتها تدخل في مسلسل النضالات[21] التنسيقية، ردا عن المقترح الحكومي بالرفض والمطالبة بالسحب الفوري له، من جهة، أن المقترح الحكومي يصادف الدخول الاجتماعي الذي سيعرف غليان كبير في الساحة الاجتماعية، مع الزيادات المتكررة التي عرفتها المحروقات وكذا الزيادة في أسعار الماء والكهرباء وتجميد الأجور وتغيير الساعة القانونية للمملكة وما الى ذلك، ومن جهة أخرى أن الاستحقاقات المقبلة، التي لا يبقى على انطلاقتها إلا أشهر قليلة، أي في ماي 2015.

وفي الأخير أتساءل، هل ستستمر الحكومة في سد باب الحوار في وجه المركزيات النقابية بعد عزمها على تنفيذ خطتها لإصلاح منظومة التقاعد مهمى كلفها الأمر، أم هو امتحان للمركزيات النقابية لقياس درجة وقوتها النضالية؟
ثم كذلك وفي ظل المقترح الحكومي لإصلاح الصندوق المغربي للتقاعد، إلى أي مدى يمكن لمقترح الاصلاح أن يحل على المدى القريب والمتوسط وحتى البعيد الاختلالات المالية لنظام التقاعد، ولمالا جميع أنظمة التقاعد بالمغرب، كالصندوق المهني المغربي للتقاعدCIMR والصندوق الوطني للضمان الاجتماعيCNSS والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعدRCAR . ولنا عودة.
[1] لقد سبق للمجلس الاعلى للحسابات أن أثار خلال التقرير الذي أنجزه سنة 2006 ملاحظات حول حكامة الجهاز ارتبطت أساسا بالهيكلة التنظيمية للصندوق ونظام المعلومات ومراقبة المعاشات، وكذا تدبر بعض توظيفات الأموال التي قام بها الصندوق
[2] يحتوي هذا التقري على 128 صفحة ومقسم إلى قسمين، القسم الأول يتعلق بتشخيص نظام التقاعد بالمغرب، والقسم الثاني يتعلق بمقترحات الاصلاح، وفي الأخير يختم التقرير بأجوبة مسؤولي صناديق التقاعد.
[3] لقد ظل الصندوق المغربي للتقاعد تابعا لمديرية الشؤون الادارية والعامة التابعة لوزارة المالية حتى سنة 1996 الذي على إثرصدور القانون رقم 95-43 المتعلق باعادة تنظيم الصندوق المغربي للتقاعد، حيث اتخذ شكل مؤسسة عمومية تتمتع فعليا بالاستقلال الاداري والمالي.
[4] محمد عفيفي، مستقبل التقاعد بالمغرب، مطبعة أنفوبرانت، سنة 2101، ص 29.
[5] حسب تقرير المجلس الاعلى ص 25و26.
[6] ويضيف مقترح المجلس الأعلى للحسابات على أنه بالنسبة لوعاء احتساب الحقوق بالنسبة للمنخرطين في الصندوق المغربي للتقاعد، فقد اقترح المجلس تغيير الوعاء بصفة تدريجية باعتماد معدل أجور من 10 إلى 15 سنة الأخيرة من العمل، عوض آخر أجرة كما هو معمول به حاليا، مع تخفيض نسبة القسط السنوي إلى 2 في المائة بدل 2.5 في المائة، وتحديد نسبة المساهمة في 30 في المائة، موزعة على الشكل التالي 24 في المائة منها للنظام الأساسي اعتمادا على مبدأ التوزيع بدل20 بالمائة المعتمد حاليا، و6 في المائة بالنسبة للنظام الإضافي المبني على الرسملة يتحملها بشكل متساو المشغل والأجير.
[7] ظهير الشريف رقم 1.10.28 صادر في 18 ربيع الأول 1431 (5مارس 2010) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 60.09 المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، المنشور بالجريدة الرسمةو عدد 5820 بتاريخ 11 مارس2010.
[8] الاتحاد المغربي للشغل، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والفدرالية الديموقراطسة للشغل.
[9] عبد اللطيف خالفي" الوسيط في مدونة الشغل ، الجزأ الثاني ، علاقة الشغل الجماعية 1" المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، سنة 2006، ص 328 و329 .
[10] قانون رقم 65.99 صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.03.194 في 11 سبتمبر 2003 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5167 بتاريخ 8 دجنبر 2003
[11] راجع محمد المعاشي، اتفاقيات الشغل الجماعية والآليات القانونية التي تساهم في إبرامها، المنشور على أعمدة المواقع الالكترونية.
[12] تقرير المجلس الأعلى للحسابات ص 30، الفقرة 120 و 121.
[13] المنظمة الديمقراطية للشغل في بلاغها المؤرخ في 8 شتبر 2014.
[14] في تصريح أصدره الاتحاد المغربي للشغل – التوجه الديمقراطي- السكرتارية الوطنية المؤرخ في 26 غشت 2014.
[15] الاتحاد المغربي للشغل والكنفدرالية الديمقراطية للشغل والفيدرالية الديمقرايطة للشغل.
[16] بيان المكتب التنفيذي الصار عن الاتحاد الوطني للمتصرفين المغاربة والمؤرخ في 10 شتنبر 2014.
[17] الاتحاد المغربي للشغل، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وكذا الفيدرالية الديمقراطية للشغل.
[18] بلاغ الذي أصدرته المركزيات النقابية الثلاث الاتحاد المغربي للشغل، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والفدرالية الديموقراطسة للشغل المؤرخ في 3 شتنبر 2014.
[19] الفيدرالية الديموقراطية للشغل، ندوة صحفية ليوم 11 شتمبر 2014، جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 12 شتنبر 2014، ص1و2.
[20] في تصريح للكاتب العام للفيدرالية الديمقراطية للشغل في الندوة الصحفية التي عقدها بالدارالبيضاء بتاريخ 11 شتنبر 2014
[21] قرر الاتحاد العام للشغالين بالمغربUGTM والفدرالية الديمقراطية للشغلFDT والمنظمة الديمقراطية للشغلODT والاتحاد الوطني للشغلUNT، معا خوض إضراب وطني في قطاع الوظيفة العمومية، والجماعات الترابية والمؤسسات ذات الطابع الاداري، يوم 23 شتنر 2014، تزامنا مع اليوم الأول من اضراب النقابة الوطنية للتعليم التي ستضرب عن العمل أيام 23و24و25، كما أعلنت الكنفدرالية الديمقراطية للشغلCDT في إجتماع مجلسها الوطني يوم 13 شتنبر 2014 على عزمها خوض إضراب عام وطني إنذاري لمدة 24 ساعة مرفوقا بتنظيم وقفة احتجاجية أمام البرلمان وفي تشاور في الموضوع مع المركزيات النقابية.