لماذا بعث الملك برسالة إلى حفل اليوسفي ولم يبعث، على الأقل بنظيرتها، إلى كل ورثة الحركة الإتحادية، في أحزاب "الطليعة الديمقراطي الإشتراكي" و"الحزب الإشتراكي الموحد" و"المؤتمر الوطني الإتحادي" و"الإتحاد الإشتراكي" الذي نظم زعيمه بدوره مساء الجمعة 30 أكتوبر، حفلا بمناسبة ذكرى اختطاف واغتيال المهدي بنبركة؟
هل يريد الملك أن يقنع الرأي العام بأنه غير راض على لشكر وأنه يساند خصومه، خاصة وأنه سبق وأن بعث برسالة تعزية لأسرة الزايدي دون أن يعزي قيادة الحزب كما دأبت العادة في مثل هذه المناسبات؟ هل يريد الملك أن يقنع المغاربة بأن قضية بنبركة هي قضية جيل اليوسفي وليس قضية جيل لشكر؟ أم يريد إقناعهم بأنه غير راض على الزعامات السياسية الحالية وأنه يحن لزمن اليوسفي وبنبركة وبنسعيد، الذي وشحه في آخر عيد عرش ربما لنفس الغرض، خاصة وأن الملك انتقد في كثير من خطاباته الأخيرة ما وصفها بالمزايدات السياسية بين الفرقاء السياسيين، مطالبا إياهم بالرقي بالعمل السياسي؟ هل تكون غاية الرسالة دعوة الإتحاديين إلى العودة إلى الأصول، في محاولة للتنكر كمؤسسة ملكية لأي مسؤولية في ما آلت إليه أوضاع الإتحاديين على عهد لشكر؟ أم هي رسالة جديدة للمغاربة بعد رسالة توشيح بنسعيد مفادها الإعتراف بفضل جيل الحركة الوطنية على العرش وبالتالي تأكيد جديد على استمرار التلاحم بينهما؟

كل هذه الإحتمالات تبقى واردة وقد لا تكون كذلك، لكن المؤكد أن القاصي والداني يعرف من يقف وراء حفل "المكتبة الوطنية"، إنهم جماعة من "تجار الذاكرة والتاريخ"، بدليل أن أسرة المهدي ليست بينهم، "تجار" منعوا جرائد مستقلة إرضاء لدوائر ضغط نافذة، وفرضوا على صحافيين نزهاء وشرفاء أمثال أبوبكر الجامعي المنفى، وقبلوا تشكيل الحكومة مع أحزاب ظلوا يصفونها بـ"الإدارية"، وأحزاب "كوكوط مينوت"، ونظموا حفل شاي على شرف ادريس البصري، الذي نكل برفاقهم وبشهداء الشعب والحركة الإتحادية، "تجار" جعلوا سفارة إسرائيل توجد في شارع اسمه المهدي بنبركة في الرباط، وشاركوا في تزوير نتائج المؤتمر السادس لحزب "الإتحاد الإشتراكي" وطردوا الساسي والسفياني وأقصبي والأموي وخيرة الأطر الإتحادية تحت شعار "أرض الله واسعة".

"تجار" قادوا حكومة ولم يفتحوا صفحة واحدة من صفحات بنبركة، بل وترأسوا وزارة العدل لولايتين، وحين طالب القضاء الفرنسي، في إطار الإنابة القضائية، بالاستماع لبعض المسؤولين المغاربة المشتبه بهم في التورط في عمليتي "اختطاف" و"اغتيال" المهدي، رد "التجار" بأنهم لا يعرفون عناوين المطلوبة شهادتهم.

"تجار" ساهموا في اعتقال النقيب عبد الرحمان بنعمر ورفاقه، بل وسخروا بلطجية  لضرب بنعمر  ورفاقه بسلاسل حديدية، قبل أن يطردوهم من الحزب.

"تجار" تداولوا مع البصري داخل بيته في الحكم على الأموي قبل النطق به، بل طالبوا برفع العقوبة الحبسية ضده، ثم تباكوا على ما أسموه "الإنقلاب على المنهجية الديمقراطية" حين جيئ بادريس جطو سنة 2002، وأعلن زعيمهم اعتزاله للسياسة وخرج من المغرب يتظاهر بـ"الغضب"، بعد أن دمر الحزب وتركه كحال سوريا أو العراق اليوم، وفي الاخير ظهر يبارك المشاريع السياسية والدستورية ويشارك في العمليات الإنتخابية، بل ويتلقى ساعة كهدية من فؤاد عالي الهمة، ويشاركه إلى جانب الملك ولائم العشاء، بعد أن تحدث سابقا عن "الإنقلاب على المنهجية الديمقراطية"، قبل أن يظهر اليوم في المكتبة الوطنية في إطار خدمة أجندة جديدة وحده القصر يعلم تفاصيلها كاملة !

بنبركة لم يستشهد من أجل اليوسفي أو عليوة أو لشكر أو استراتيجية النضال الديمقراطي الجماهيري، ولا استشهد من أجل المغرب فقط، بل من أجل بناء الديمقراطية في بلده وفي العالم، بدليل تحالف أكثر من قوى عالمية على اغتياله، وما يزكي ذلك أن تصفيته يوم 29 أكتوبر من سنة 1965، جاءت عشية مؤتمر "هافانا" الذي كان المهدي أحد مهندسيه الأساسيين، وبالتالي تكون أفضل هدية لتكريمه هي ابتعاد اليوسفي وكل تجار الذاكرة والتاريخ عنه مع كشف حقيقة مقتله برفع السرية عن وثائق ملفه قبل إنصاف أسرته، والمساعدة في جمع عائلته السياسية داخل حزب واحد بقيادة شرعية.