لم تسئ حكومة مغربية للدولة ومؤسساتها ومصالحها الاقتصادية، كما أساءت لها تصريحات وزراء الحكومة الحالية ورئيسها، فأين الملك؟

سنة 2012، قال وزير العدل والحريات مصطفى الرميد، خلال تواجده في مدرسة قرآنية في "مراكش المدينة": " إن السياح الأجانب يقصدون مراكش، التي تعتبر من أفضل المواقع السياحية في جنوب المغرب، ليقضوا في ملاهيها وأرجائها أوقات يعصون الله ويبتعدون عنه"، وهو تصريح يضرب في العمق السياحة المغربية، مع العلم أن الوزير الذي يعد رئيسا للنيابة العامة مؤتمن دستوريا وقانونيا على تطبيق القانون، بدل إطلاق الكلام على عواهنه.

وحينما انتفض الحقوقيون على قمع وزارة الداخلية للعمل الحقوقي ومنع أنشطة المنظمات الحقوقية الوطنية بما في ذلك الإطارات التي تتمتع بصفة المنفعة العامة مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، دون احترام القوانين المؤطرة للفعل الحقوقي في البلاد، خرج نفس الوزير بتصريح أكد فيه على " أن الواقفين وراء المنع يشتغلون خارج الشرعية" وهو تصريح يظهر السيد وزير العدل والحريات المؤتمن على تطبيق القانون، كما لو أنه فاعل حقوقي أو صحفي أو مواطن عادي، وليس رئيسا للنيابة العامة التي أسند لها المشرع حماية الشرعية.

معالي الوزير نفسه سيعود إلى "ساحة الإثارة" بتصريح أغرب وأطرف بل وأخطر من كل ما سبق، حين أهان وسب علانية القضاة والمحامين ورجال الشرطة، خلال حديثه يوم الأربعاء 19 مارس الماضي، ضمن ندوة نظمت بكلية المحمدية، حيث اعتبر (القضاة) غير ناضجين لانتخاب الرئيس الأول والوكيل العام لدى محكمة النقض، وهو نفس الوصف الذي وصف به المحامين والمصالح الأمنية، حين أراد الدفاع عن عدم تواجد المحامين مع موكليهم خلال فترة الحراسة النظرية.

أما زميله في الحكومة والحزب، مصطفى الخلفي، وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة، فكاد أن يخلق أزمة سياسية بين المغرب والمكسيك حينما رد على سؤال لنائبة برلمانية اعترضت على ما اعتبرته هيمنة حزب العدالة والتنمية على الإعلام العمومي، بهذه الجملة التي تنتفي فيها المسؤولية الحكومية، "وهل يرضيكم أن يتحول المغرب إلى ماخور في المكسيك".

وزير التشغيل عبد السلام الصديقي المنتمي لحزب التقدم والاشتراكية، لم يبخل بدوره على المواطنين بزلة لسان، حين قال في تصريح أدلى به خلال حوار مع إذاعة "ميد راديو" أنه بات "يسرح المغاربة" بعد أن كان فيما سبق يسرح الماشية.

وزير التربية الوطنية رشيد بلمختار، بدوره أساء للدستور وللوطن والشعب حين قال "أنا لا أعرف العربية"، وذلك حينما طلبت منه صحافية في "فرانس بريس"، أن يجيبها بالعربية.

السيدة حكيمة الحيطي، الوزيرة المنتدبة لدى وزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة، لم تبخل من جهتها على الإساءة للدستور والوطن والشعب أيضا حين قالت بأن اللغة "العربية كتدير ليها السخانة" وذلك في معرض ردها عن صحفي طلب منها جوابه باللغ العربية بدل الفرنسية خلال مناظرة نظمت مؤخرا بمدينة الصخيرات.

ويبقى رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، في طليعة المسؤولين الذين أساؤوا للشعب وللوطن ولمؤسسات الدولة ومصالحها الاقتصادية بسبب زلاتهم، ففي ظرف أقل من 48 ساعة، أدلى بتصريحات في غاية الغرابة والخطورة، لو أدلى بها رئيس حكومة دولة ديمقراطية حيث المسؤولية مربوطة بالمحاسبة وحيث الحكومة مسؤولة أمام البرلمان الذي ينتخبه الشعب، لكانت الاستقالة أو الإقالة أقل جزاء .

تصوروا، رئيس الحكومة المسؤولة أمام الملك والبرلمان، يقول يوم الخميس 12 يونيو، خلال المجلس الحكومي، بأن المصالح الأمنية غير قادرة على حماية الوطن، وبالتالي على المواطنين أن يساعدوا أجهزة الدولة على حمايته. ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أن الشرطة، والدرك، و"الديستي" و"الاستعلامات العامة" و " لادجيد" و"الجمارك" و"الجيش" و"وكلاء الملك" و"السلطات المحلية" من ولاة وعمال وبشاوات وقياد وقوات مساعدة، كلهم غير قادرين على حماية الوطن، والمصيبة كل المصيبة أن يختزل السيد رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران الأجهزة الأمنية في جهاز الشرطة فقط.

وحتى إذا جاز لنا مجاراة معاليه في تصوره لطبيعة التعاون الذي ينشده بين المواطن وأجهزة الدولة المكلفة بأمن الوطن، فماهي الإستراتيجية التي يقترحها السيد رئيس الحكومة لتعزيز دور الشعب بكل فئاته في خدمة الأمن؟ ما هي خطته لزرع الحس البوليسي لدى المواطن؟ هل يعلم السيد رئيس الحكومة المحترم أنه حين يشكك في قدرات الأجهزة الأمنية المذكورة أعلاه، يكون من حيث لا يدري يضرب السياحة المغربية في العمق؛ إذ كيف يفكر أي سائح في العالم في زيارة المغرب بعد أن يسمع رئيس الحكومة يتحدث عن ضعف أجهزته الأمنية في حماية الوطن؟هل يعلم رئيس الحكومة المحترم أن تصريحه يضر بالاستثمار ويفتح شهية الخلايا الإرهابية المتربصة بأمن واستقرار هذا الوطن؟ يا ليت الأمر توقف هنا، بل سيعود رئيس الحكومة المحترم بتصريح غريب، يوم السبت 13 يونيو، خلال لقائه بنشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، قال فيه: "إنه من غير المعقول أن يتم اعتقال مصطفى العمراني رئيس جمعية النور، المتابع في حالة اعتقال بتهمة القتل الخطأ على خلفية فاجعة غرق 11 طفلا بشاطئ الصخيرات قرب واد الشراط"، والأطرف أنه دعا النشطاء إلى "مؤازرة المتهم والتعاون معه" وكأن الجزائر أو أي دولة في العالم هي من أمرت باعتقال العمراني وليس النيابة العامة التي يرأسها صديقه في الحزب الوزير مصطفى الرميد، الذي كان بوسعه الإفراج عن المتهم، بمجرد اتصال هاتفي قبل وصوله إلى القضاء الجالس، أما وأنه خرج من دائرة النيابة العامة التي تقع تحت إشراف الرميد؛ فلا يحق لرئيس الحكومة أن يتلفظ بكلمة واحدة في الموضوع؛ لأن أي كلمة منه تعتبر تأثيرا مباشرا على القضاء، خاصة وأن وزير العدل وفقا للقانون الأساسي للقضاة من صلاحياته عقاب أي قاضي إما بتنقيله أو تجميد وضعيته المالية أو مكافأته بترقيته إذا صار على هواه.

جريمة بنكيران واضحة اليوم ضد القضاء، مما يضعه تحت طائلة الفصل 109 من الدستور المغربي الذي تفيد مقتضياته بأنه "يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء؛ ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات، ولا يخضع لأي ضغط"، مضيفا نفس الفصل بأن القانون يعاقب " كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة."

السؤال المثير والمحير هنا كيف لبنكيران أن يتملص من مسؤوليته بقوله إن الملك هو من يحكم في المغرب ثم يعود للحديث عن ضعف المؤسسات الأمنية ويؤثر على سير القضاء؟ ثم هل تصريحات بنكيران ضد المؤسسات الأمنية ومؤسسة القضاء وقبله تصريحات الرميد والخلفي مجرد تصريحات غير مسؤولة لمسؤولين لا يقدرون مواقعهم الحكومية أم هي تعبير عن هواجسهم الدينية القديمة في تقويض أسس الدولة المدنية؟ بمقتضى الفصل 42 من الدستور المغربي الملك هو " رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة"، وإذا كان الملك هو المسؤول عن حسن سير المؤسسات وبينها المؤسسات الأمنية و مؤسسة القضاء ومؤسسة الحكومة، وإذا كان هو" الضامن لاستقلال السلطة القضائية"، بمقتضى الفصل 107، من الدستور، وإذا كان بنكيران قد اعترف بأنه مجرد موظف سام من بين موظفي الملك حين قال بأن الأخير هو من يحكم في المغرب، فأين الملك أمام تصريحات رئيس حكومته ووزرائه؟