الانتهازيون الذين يقتاتون كالضباع الجائعة على جثث الجيف موجودون في كل المجتمعات التي يعشعش فيها الفساد من الرأس إلى أخمص القدم. ولا غرابة إذا ابتلى الوطن بهذا النوع من الكائنات  البشرية المفترسة التي لا تقل شراسة وعدوانية ومكرا عن الذئاب..

قول الحق في مجتمع النفاق والمكر والخديعة أصبح جريمة لا تغتفر ولم يعد ذلك الواجب الأخلاقي الذي يمليه على الإنسان ضميره الذي يلعب دور الرقييب.

سياق هذا الكلام يرتبط بالهجمة الشرسة التي يتعرض لها الصحفي حميد المهدوي رئيس تحرير موقع " بديل أنفو" - الذي استطاع بجهده ومثابرته رفقة زملائه في الموقع فرض نفسه في الساحة الإعلامية رغم أنف الجميع- من قبل مرتزقة وسماسرة ومتملقين ألفوا القفز على ظهور الغير والاقتيات على شرفهم وسمعتهم في لحظات يكون فيها هذا الغير تحت مقصلة السلطة بسبب مواقفه أو خط موقعه الإلكتروني التحريري الحقوقي أو بسبب استقلاليته عن مراكز التوجيه عن بعد التي  تنظر بعقلية الاحتواء لكل شيء في زمن كثر فيه الارتزاق والابتذال..

من يستغلون المتابعات القضائية المتتالية في حق الصحفي حميد المهدوي لممارسة هواياتهم المرضية في التحريض العلني والسري عليه عليهم أن يدركوا أن الدولة أكبر بكثير من أن تختزل في سلطة القهر والقمع والتسلط. إنها المشترك الذي يوازى فيه بين سلطة الحكم ورقابة المجتمع بمختلف أشكالها الأدبية والفنية والسياسية والدينية والثقافية والفكرية بشكل عام..

احترام المواطن للدولة مهما كانت طبيعتها " سلطوية أو ديمقراطية أو معتدلة" ينبغي أن ينبع من قول الحقيقة في نقد سلوك السلطة الحاكمة فيها مهما كان مركز وحجم هذه السلطة التي وجدت من أجل أن تكون في خدمة الشعب الذي يكون بدوره في خدمة الوطن الذي يسموا على الجميع.

الصحفي حميد المهدوي الذي خرج قبل يومين في شريط مدوي كشف فيه بكل ألم عن ظروف ملابسات وخلفيات متابعاته القضائية وجرجرته من محكمة إلى أخرى لمجرد أنه اختار خطا تحريريا يغلب عليه الطابع الحقوقي لموقعه الإلكتروني " بديل أنفوا" أصبح يزعج في اعتقادي الشخصي جهات لا تؤمن بحقوق الإنسان ولا بالديمقراطية ولا بحرية الصحافة والرأي والتعبير، وأخرى تعادي كل المشاريع الناجحة في الإعلام التي يتم بناءها خارج أسوار المعبد .

من تذوق طعم الظلم المرير لا يمكن له إلاّ أن يتأسف على ما يتعرض له الصحفي حميد المهدوي من تضييق وترهيب واستهداف غير معقول. كما لا يمكن له أن يستسيغ استمرار عقلية التحكم في كل شيء بهذا الوطن الذي يعشقه المغاربة والمهدوي واحد منهم ولو كره الكارهون.

الصحفي حميد المهدوي الذي امتهن كل الحرف وكافح وصارع الزمن من أجل حقه في العيش بكرامة، إنسان بسيط  جدا، ولا يسعى إلى الشهرة، ولا إلى المال، الذي سيطر على عقول الكثير من زملائه في مهنة المتاعب وحولهم إلى ما يشبه الطحالب التي تستحم في مستنقع الارتزاق والابتذال.

من العيب والعار أن نجعل من الصحفي حميد المهدوي "رومبو" الصحافة الإلكترونية. في قضية كريم لشقر وقضية احمد بن الصديق وقضية المرحوم أحمد الزايدي وقضية حريق سيارة مكناس، يبدوا أن هناك مبالغة في توظيف الهاجس الأمني في المتابعات القضائية ضد الصحفي حميد المهدوي، وإلاّ، فما الذي منع الجهة المشتكية في القضية الأولى من متابعة إدريس لشكر وحسن أوريد أمام القضاء، لاسيما، وأن ما صرح به الكاتب الأول لحزب الإتحاد الاشتراكي إدريس لشكر وكتبه الناطق الرسمي السابق باسم القصر، حسن أوريد، حسب المعطيات التي كشف عنها الصحفي المهدوي في أكثر من مناسبة تعد أكثر خطورة مما نقله موقع بديل عن مصادره المختلفة لأنها في العمق تتحدث عن ما يسمى بالقتل التعسفي من طرف من هم مكلفون بإنفاذ القوانين !!

من جانب آخر، كلنا نتذكر في قضية وفاة المرحوم أحمد الزايدي، كيف اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي وإلى أين وصلت النقاشات والتساؤلات فيها وفي عدد من الصحف والمنابر الإعلامية حول ظروف وملابسات موت هذا الرجل؟

في التأبين الذي أقيم للفقيد أحمد الزايدي ببيته وكنت حاضرا هناك رفقة أصدقاء ورفاق آخرين للراحل تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنانه كان فضاء التأبين مؤثث بلافتة من مترين مكتوب عليها بالبنط العريض " هنيئا لأخينا الزايدي بالشهادة" وهي جملة تحتمل معنيين: أن الميت غرقا يعد شهيدا، والمعنى الآخر يحيل على الموت غير الطبيعي إذا نحن استحضرنا طبيعة الحزب ومرجعيته الإديلوجية والفكرية كحزب اشتراكي ديمقراطي وليس حزبا دينيا..

و في الذكرى الأربعينية التي أقيمت للمرحوم أحمد الزايدي بمسرح محمد الخامس استهل نجل المرحوم كلمته التأبينية المعنونة بــ " أبي" بآية قرآنية لها معنى واضح " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا.." وحتى القصيدة الشعرية التي قرأت في هذه المناسبة كنعي للزايدي رحمه الله " القنطرة اللعينة" كان مضمونها قويا وبرمجتها لم تكن تلقائية بل كانت مقصودة وفيها رسائل على أن الموت ملغز وهو ما استشف أيضا من خلال كلمة ابنة الزيدي التي أبكت الحضور..

وفاة شخصية سياسية من حجم سي احمد الزايدي رحمه الله كان لها وقعا كبيرا على عائلته وأصدقائه ورفاقه في الحزب وخارجه وهذا طبيعي جدا لأسباب تظل محكومة بسياق الحدث وبتفاعلاته. فما الذي نشره المهدوي عن أحمد الزايدي واستدعى جره أمام القضاء؟ لماذا اختير المهدوي  بالضبط؟ ألم يشك الكثير من المغاربة في مواقع التواصل الاجتماعي في رواية الدولة؟ ألم يذهب البعض إلى حد التلويح بأن العملية مدبرة؟ ألم تنشر بعض المواقع خبرا يفيد أن ابنة المرحوم الزايدي كانت تبكي وتصيح يوم وفاته " قتلوك أبي قتلوك"؟

في قضية مكناس الذي مثل فيها الصحفي المهدوي أمام القضاء في حدود الرابعة مساء رغم أن الاستدعاء يشير إلى الساعة التاسعة صباحا، لماذا اختارت الجهة المشتكية، رفع شكاية ضد رئيس تحرير موقع " بديل أنفوا" دون غيره من المواقع الإلكترونية التي نشرت خبر انفجار السيارة  كما بسط ذلك المهدوي في شريط الفيديو الذي تحدث فيه عن  خلفيات متابعته، مع العلم، أن موقع بديل آخر من نشر الخبر؟ أليست الجهة المشتكية مؤتمنة على تطبيق القانون باسم الحكومة بدون أي تمييز؟

رابعا، الخبر الذي نشره المهدوي بخصوص تعرض أحمد بن الصديق إلى التسميم، كان بالفعل خبر صادم وخلق مخاوف لدى الحقوقيين المغاربة الذين وصل بهم الأمر إلى حد ترجي الدولة لتقديم الترياق المضاد للرجل لإنقاذه من الموت...

السؤال المطروح: لماذا لم يتابع المؤرخ المعطي منجب الذي كان هو مصدر الخبر الذي نشره موقع "بديل أنفو" واقتصرت المتابعة القضائية على الصحفي حميد المهدوي؟ هل لأن المهدوي حائط صحفي قصير يمكن النط من فوقه بسهولة؟

من المفارقات الغريبة العجيبة التي ينبغي التوقف عندها لفهم خلفيات وأبعاد الاستهداف القضائي للصحفي حميد المهدوي، والذي أراد البعض الركوب عليه لأغراض  خبيثة في نفوسهم المريضة "شافاهم الله"... أن المتابعات القضائية ضد المهدوي أمام العدالة لا زالت مستمرة في الوقت الذي يتحدث فيه ممثل المغرب في مجلس حقوق الإنسان في جنيف عن تطور حقوق الإنسان في المغرب، وفي الوقت الذي تحدث فيه وزير العدل والحريات عن قرار للملك محمد السادس يقضي بعدم متابعته الملك لأي شخص قد يسيء إليه، وفي الوقت أيضا الذي يتحدث فيه وزير الإتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة عن تطور هامش حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير، وفي الوقت الذي يخرج فيه رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان وأمينه العام لتقديم منجزات وحصيلة الدولة في مجال حقوق الإنسان!!!!

شخصيا، لا أعتبر المهدوي ملاك من ملائكة الرحمان منزه عن الخطأ، بل أنطلق من فكرة أومن بها وأرددها باستمرار " الدولة أكبر بكثير من صحفي الكتروني مثل حميد المهدوي أو علي أنوزلا أو علي المرابط أو أبو بكر الجامعي أو الحسين المجدوبي واللائحة تطول، أو موقع الكتروني مثل بديل أو لكم أو دومان أو ألف بوست، أو جمعية مثل الحرية الآن، أو حزب سياسي مثل الحزب الإشتراكي الموحد، أو نقابة" وأكبر بكثير من عقلية ضبط كل شيء والتحكم في كل شيء.

الدولة القوية هي الدولة التي تكون فيها العلاقة بين سلطة الحكم وسلطة المجتمع علاقة متوازنة. وهذا التوازن هو الذي سيؤدي بنا في آخر المطاف إلى بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحداثية العصرية التي يكون فيها القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة بدون أي تمييز بين عمر أو زيد.

حميد المهدوي لا أتصوره بوحمارة الصحافة الإلكترونية ولا أتخيله سليل ابن عرفة أو ما شابه ذلك. المهدوي صحفي مغربي شاب له أفكاره التي يؤمن بها وله طموحه الشخصي ومنظوره الخاص للمواطنة والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والصحافة الذي يمكن أن نتفق أو نختلف معه فيه .

لماذا نريد قمعه وإرهاقه بمتابعات قضائية متفرقة وبتهم مختلفة وهو في بداية مشواره الصحفي كرئيس تحرير موقع "بديل أنفو" الذي احتفل طاقمه بسنة ميلاده الأولى قبل شهر، وفي وقت لا زال النقاش الحقوقي ببلادنا حول تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة لم ينتهي بعد؟ لماذا كل هذا العبث؟ هل بلغ التضايق من موقع بديل، وهذه قناعة يقتسمها عدد من الحقوقيين المغاربة المتعاطفين مع تجربة بديل، إلى هذا الحد؟

ترفعوا قليلا عن السلوكيات التي تضر البلد ولا تفيده في شيء، وخذوا العبرة من تسامح ملك يرفض أن يتابع من يسئ له أمام القضاء مع العلم أن دستور المملكة الجديد يلزم المواطن بواجب احترامه، فما بالكم بالإساءة إليه. كفوا عن الإساءة إلى بلد قرر طي ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ودخل إلى تجربة العدالة الانتقالية من بابها الواسع في الوقت الذي أراد فيه البعض في إنجاح وئام مدني مغشوش. هل تريدون للمغرب أن يكون شبيها بدول الخليج؟ هل هذا هو التغيير الذي ينشده البعض؟

الصحفي حميد المهدوي شاب يحب بلده ويحترم مؤسسات بلاده وعندما يختار لموقعه الإلكتروني خطا تحريريا يتناسب وقناعاته الفكرية دون المساس بالمهنية والأخلاقيات في العمل الصحفي.. وعلى الذين يستهدفونه ترك الرجل يشتغل دون كوابح لأن الوطن أولى وأكبر من الجميع.

المهدوي يتعرض للتضييق، ولا شيء يبرر أخلاقيا في الظرفية الحالية "تقطار" الشمع الأحمر عليه. الكمال ليس من صفة البشر. كلنا نصيب ونخطئ، نحن بشر ولا أحد منا منزه عن الخطأ. ومن يستغل المتابعات القضائية في حق المهدوي بنشوة المغبون لدس السم في العسل  فهو في الحقيقة يستغل سذاجته ويضحك على نفسه لأن الأبيض أبيضا والأسود أسودا ولا يفرق الله بين الأبيض والأسود إلا بالتقوى. اتقوا الله في هذا الصحفي خيرا لكم.