عندما يتوعد الوزير حصاد الأساتذة المتدربين الذين تعرضوا للعنف الذي مس بسلامتهم البدنية وأمانهم الشخصي في انتهاك بين لأحكام الفصل 22 من الدستور الذي ينص بشكل واضح ولا لبس فيه على ما يلي:

"لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة.
لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية.
ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون".

فإنه في واقع الأمر يرد على الأصوات المواطنة، التي ناشدت ملك البلاد باعتباره رئيس الدولة وممثلها الأسمى الذي يسهر وفقا لأحكام الفصل 42 من دستور المملكة الذي وصف بدستور حقوق الإنسان على "احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة" وطلبت منه ضرورة التدخل العاجل من أجل رأب الصدع وحماية حقوق وحريات الأساتذة المعنفين ومعاقبة ومساءلة الجهة التي أساءت للصورة الحقوقية للمغرب وجعلت المغرب تحث مجهر القنوات الفضائية والصحافة الدولية..

ما حدث يوم أمس في البرلمان المغربي بغرفتيه، بين وزير الداخلية محمد حصاد الذي تحدث على أن التدخل الأمني في حق الأساتذة المتدربين قد تم بتنسيق مع رئيس الحكومة، وبين هذا الأخير، الذي رد عليه في الغرفة الثانية بالقسم بالله أنه لا علم له بما وقع يوم الخميس الأسود وهو الرجل الثاني في الدولة على المستوى البروتوكولي، مهزلة بكل ما للكلمة من معنى، تدل على أن هناك خلل كبير بين مؤسسات الدولة، وتدل على أن منطق العبث في تدبير أمور الدولة، انتصر على منطق المسؤولية الذي يقتضيه تدبير الشأن العام واستقرار البلد !!!

في ظل هذا الوضع غير الطبيعي، لم يعد أمام الملك محمد السادس، استنادا لصلاحياته الدستورية، أي سبب أو مانع يحول دون اتخاذه لقرار مناسب يضع حدا للعبث الذي جسدته تصريحات كل من وزيره السيادي التقنقراطي في الداخلية ورئيس الحكومة المنتخب الذي عينه طبقا لأحكام الفصل 47 من الدستور الجديد الذي كان مسبوقا بخطاب 09 مارس 2011 الذي نفس الاحتقان الاجتماعي.

المسؤول الأول يقول أن رئيس الحكومة على علم بقرار التدخل، والثاني يضع الأول في وجهه ويقسم بأغلظ الأيمان أمام ممثلي الأمة بأنه لا علم له بالتدخل وأن اتصاله بوزير الداخلية لم يحدث إلا بعد أن انتشر الخبر كما تنتشر النار في الهشيم في مواقع التواصل الاجتماعي وبعد أن أخذ أبعاد دولية...

ما دام أن الملك بموجب الفصل 42 من الدستور المشار إليه سالفا هو رئيس الدولة وممثلها الأسمى الذي يسهر على احترام الدستور وضمان حقوق وحريات المواطنين وصيانة الخيار الديمقراطي، فما الذي يحول دون تدخله ونحن نرى وزير الداخلية ورئيس الحكومة يدخلان في لعبة الاتهام والنفي أمام ممثلي الأمة؟ هل هناك من عبث مؤسساتي أكبر من هذا؟

وبالعودة إلى جواب وزير الداخلية على أسئلة السادة النواب الذين تقدموا بأسئلتهم في شأن التعنيف الذي تعرض له الأساتذة المتدربون يوم "الخميس الأسود"، قال الوزير الحصاد " "إن الأساتذة المتدربين كانوا ينوون التوجه للمدارس من أجل تحريض التلاميذ والأساتذة للتضامن معهم، وأنهم يخططون في إطار التصعيد إلى تنظيم مسيرات في عدد كبير من الأقاليم" !!!

ما معنى كانوا ينوون تحريض التلاميذ؟ وما معنى كانوا يخططون لتنظيم المسيرات؟ أين هو الفعل الجرمي؟ أين هي أركانه؟ أين هم ممثلو الأمة؟ لماذا لم يطلب برلماني الأصالة والمعاصرة وهبي تعقيبا على كلام وزير الداخلية وهو المحامي الذي يلم بالقانون والدستور والمواثيق الدولية؟ ماهو التعقيب القانوني والدستوري للبرلماني والأستاذ حسن طارق على جواب وزير الداخلية الذي مارس من خلاله التغليط على نواب الأمة ومن خلالهم على الشعب المغربي عندما اعتبر القمع منعا، لا سيما، وأنه من البرلمانيين الذين ساءلوا وزارة الداخلية عن تعنيف الأساتذة المتدربين الذين وصفهم الوزير بالطلبة استنادا لمرسومين لا يمكن تطبيقهما بأثر رجعي؟

وزير الداخلية محمد حصاد، أسقط مساء يوم أمس الثلاثاء 12 يناير 2016، الباب الثاني من دستور فاتح يوليوز، وبجوابه الذي أخلط فيه بين المنع والقمع، يكون قد وجه رسالة إلى الشعب المغربي مفادها أن زمن الحريات انتهى، وأنه لا معنى للفصل 22 من الدستور إذا كان هذا الفصل متعارضا في عمقه وفلسفته الحقوقية مع ثقافة وزارة الداخلية التي فسر ت القمع والعنف على أنه منع رغم أنه هناك فرق كبير بين المنع والقمع في معاجم كل لغات العالم!!!!

على الوزير محمد حصاد أن يعلم أن وزارة الداخلية لم تمنع الأساتذة المتدربون، بل قمعتهم، وأسالت دمائهم، وتسببت في كسر عظامهم، وأدخلت البعض منهم للمصحات لإجراء عمليات جراحية على تلك الكسور، وهناك تقارير حقوقية تحدثت عن إصابات بليغة وجسيمة في حق العشرات من الأساتذة..

هناك فرق كبير السيد وزير الداخلية بين المنع والقمع، ولو قال لكم رئيس الحكومة امنعوهم من التظاهر، فمن غير الجائز قمعهم بتلك القسوة والشدة، كما لو أنهم قطيع من "الحمير والبغال"، لا مواطنة ولا حقوق دستورية يضمنها ويحميها لهم ملك البلاد، وفقا لنصوص دستور فاتح يوليوز 2011 الجديد الذي تم الترويج له كدستور لحقوق الإنسان..

منطق الهراوة، منطق يتنافى مع كل القوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تمنع منعا كليا المساس بالأمان الشخصي والسلامة البدنية للبشر إلاّ في الحالات القسوة التي تقتضيها الضرورة الأمنية، كأن تتعرض السلطات الأمنية على سبيل المثال لا الحصر، للرشق بالحجارة، أو لهجوم مسلح أو ما شابه ذلك، أو تكون في حالة الدفاع الشرعي عن النفس، وليس عندما تكون في مواجهة أمام فئة متضررة من قوانين حكومية تحتج على مطالب تراها عالة ومشروعة بشعارات سلمية.

الطريقة التي تدخلت بها قوات الأمن في حق الأساتذة المتدربين يوم الخميس الأسود، لا تقتضيها أي ضرورة غير ضرورة ترهيب المجتمع، ولا تناسب فيها بين الفعل ورد الفعل، وبلاغ وزارة الداخلية وتصريحات الوزير حصاد فيهما الكثير من المغالطات للتملص من المسؤولية !!!!

وزارة الداخلية كما أشار لذلك الأستاذ محمد الساسي في كتابه " تفاصيل سياسية" عطب كبير في المملكة والنخبة السياسية الممثلة اليوم في البرلمان انكشف جبنها السياسي والتمثيلي أمام الوزير حصاد الذي تفنن في ممارسة البولميك وأفلح في تمرير ما رغبت وزارة الداخلية في تمريره من مغالطات بدون أي تعقيب أو ملاحظة، لا سيما، وأنه في آخر مداخلته هدد الأساتذة المتدربين إن هم خرجوا للتظاهر ضد المرسومين!!!

لقد تأكد بما لا يدع أي مجال للشك، أن وزارة الداخلية هي أم الوزارات بالفعل، وهي أداة الحكم الحقيقية التي لا تنال منها أي جهة كانت في المملكة، سواء تعلق الأمر بالبرلمان، أو الحكومة، أو المجتمع المدني، أو الأحزاب السياسية، وهذا أمر طبيعي جدا، لأن وزارة الداخلية هي الوزارة التي تملك خيوط وأوراق اللعبة السياسية في المملكة.

إنها وزارة السيادة التي يعين وزيرها التقنقراطي من طرف ملك البلاد، دون أن يكون موضوع اعتراض من أي جهة كانت، بما في ذلك الحزب السياسي الذي يفوز بالانتخابات التشريعية ويعين منه رئيس الحكومة الذي يقدم تشكيلته الحكومة للملك، باستثناء اعتراض الأستاذ "امحمد بوسته" على وزير داخلية الحسن الثاني إدريس البصري في بداية التسعينيات، للتملص من مسؤولية رئاسة الحكومة، كما ذهب إلى ذلك الصحفي خالد الجامعي في حوار له مع الصحفي حميد مهدوي بموقع بديل وهو الأمر الذي نفاه الأمين العام السابق لحزب الاستقلال..

من المفارقات الغريبة العجيبة، أن الكلام الذي قاله حصاد بمجلس النواب مساء يوم أمس الثلاثاء بخصوص تعنيف الأساتذة المتدربين، قاله الرجل بكل أريحية وهدوء، وفي مجلس المستشارين حيث كان يتكلم رئيس الحكومة في نفس الموضوع، كان الضجيج سيد الموقف ورأينا كيف أن هذا الأخير رفعت في وجهه لافتات منددة بما وقع للأساتذة!!!!

بكل صدق، سلوك الأحزاب السياسية والنقابات داخل البرلمان بغرفتيه يحتاج إلى تحليل نفسي، لأنه عندما يكون المتحدث هو وزير الداخلية، الكل ينصت للرجل في خشوع إلى أن ينهي كلامه، وإذا رفع السيد الوزير صوته عاليا وبدا من خلال ملامح وجهه أنه منزعج وغاضب، يسود صمت رهيب في القاعة، ولا أحد يعقب على كلامه، حتى وإن كان سيادته يخلط الحابل بالنابل في كلامه...

على النقيض من ذلك، عندما يكون المتحدث هو الرجل الثاني في المملكة من الناحية البروتوكولية، تهتز القاعة، وتمتلئ ضجيجا رغم أنه رئيسا للحكومة ويتمتع بصلاحيات دستورية كبرى وله مكانة دستورية تفوق بكثير مكانة الوزير الذي يخضع لسلطته وفق أحكام الدستور. هذه ملاحظة أساسية وليست دفاعا عن رئيس للحكومة يتنازل عن صلاحياته الدستورية ولا يقوى على مواجهة من يفهم بالتماسيح والعفاريت بكل رجولة سياسية.

وارتباطا بتصريحات السيد وزير الداخلية التي تم تمريرها من داخل مؤسسة البرلمان بخصوص قضية الأساتذة المتدربين، ولا سيما، اتهامه المبطن لجماعة العدل والإحسان التي لم يتم تسميتها بالاسم حتى في بلاغ في وزارة الداخلية، يمكن القول في هذا الإطار، أن عبارة "راكم كتعرفوهم" التي رد بها وزير الداخلية على البرلمانيين عندما سألوه داخل القاعة عن الجهة التي يقصدها عندما أومأ في كلامه لجماعة العدل والإحسان، دليل قاطع على أن وزارة الداخلية لا تمتلك أدلة مادية ملموسة تدين الجماعة وتورطها في تصعيد الأساتذة وهذه فضيحة ما بعدها فضيحة.

المسؤولية السياسية والأمنية تقتضي من الوزير حصاد أن يتكلم لغة شفافة عند تشخيص المشكلة وتحديد المسؤوليات عوض اللجوء إلى لغة الإيماء التي تخلط الأمور وتزيد من التباسها وغموضها.

المغاربة من حقهم معرفة ماهية الحجج التي يملكها وزير الداخلية محمد حصاد في مواجهة من يتهمهم بالتحريض على التصعيد ضد الحكومة، لأن اتهام جماعة معينة دون ذكرها بالاسم شيء غير مقبول ويضع الوزارة في مأزق كبير أمام الرأي العام الوطني والدولي.

تمكين المواطنين من المعلومة حق دستوري منصوص عليه بشكل صريح في الفصل 27 من الدستور الحالي. لهذا عوض التعامل مع المغاربة بمنطق خلط الأوراق، كان حريا بالسيد وزير الداخلية في إطار المسؤولية السياسية للحكومة أمام الشعب تقديم المعطيات بشكل واضح ولا لبس فيه.

مهما كانت طبيعة الاختلاف مع جماعة الشيخ ياسين، اديلوجية أو فكرية أو سياسية، فجماعة العدل والإحسان، تظل جماعة مغربية ينتسب إليها آلاف المواطنين مغاربة الذين يحمي الدستور حقوقهم وحرياتهم. كما أن إقحامهم في أي قضية معينة يلزم الداخلية بتقديم إثباتات حتى يكون الرأي العام على بينة من أمره..

لما كان الأطباء يحتجون في الشارع ضد الحكومة تم ترويج أخبار تفيد أن للجماعة يد في ذلك، وتكرر الأمر في طنجة عندما خرج الآلاف يحتجون ضد فساد شركة أمنديس، وكأن المنتسبين لجماعة العدل والإحسان، لا حق لهم في الاحتجاج داخل الأطباء أو الأساتذة أو المعطلين أو المواطنين. ما هكذا يدار الصراع بين الدولة والجماعة !!

وزير الداخلية، لم يقدم ولا دليل واحد يدين من أسماهم بالمنظمات المحرضة، لأنه يدرك أن من خرج يحتج هم الأساتذة المتدربون، واحتجاجهم كان ضد مرسومين تريد الحكومة تطبيق أحكامهما بأثر رجعي رغم أن هناك قاعدة قانونية ودستورية تنص على أن القوانين لا تطبق بأثر رجعي !!!

أمام هذا الوضع على ملك البلاد وفقا للصلاحيات الدستورية الكبرى التي يتمتع بها بموجب الدستور أن يتدخل لرأب الصدع الحكومي وقطع الطريق على من أسماهم الوزير حصاد بالمنظمات التي ألفت الركوب على الحراك الاجتماعي حفاظا على السلم الاجتماعي للبلد وعلى صورته الحقوقية التي تعرضت مند يوم الخميس الأسود لخدوش كبرى بعد أن اتخذت القضية أبعاد دولية من خلال القنوات الفضائية والصحافية الدولية التي دخلت على خط الحدث المأساوي الذي بات يفرض على الجميع " دولة، أحزاب، مجتمع مدني" العمل سوية على إخراج توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ذات الصلة بموضوع الحكامة الأمنية من الرف وتنزيلها على أرض الواقع لأن موضوع الحكامة لم يعد إشكالا بل تحول إلى انشغال مجتمعي كبير جدا في ظل تنامي موجة العنف الرسمي..