قبل أكثر من أسبوع نشر موقع الكتروني مغربي تقرير يصعب تصنيفه من حيث الجنس الصحفي الذي ينتمي إليه عن حالة الخوف الذي أصبح يتملك مواطنين مغاربة يقطنون في حي بوخالف بمدينة طنجة شمال المغرب بسبب تصرفات وسلوكيات المهاجرين الأفارقة الذين صورهم "التقرير الصحفي" كوحوش مفترسة تتربص بأمن وأمان المواطنين، وهو ما يطرح أكثر من استفهام حول مسؤولية الإعلام في تعزيز التفاهم ما بين الثقافات، وفي منع دعوات العنصرية والتحريض على الكراهية على أساس العرق أو الجنس أو الدين أو اللون؟

بدل الانحياز لرواية طرف واحد فإن مسؤولية الإعلام تقتضي تغطية الأخبار والقضايا المتعلقة بمختلف المجموعات بكل تجرد وموضوعية ونزاهة وإعطاء أعضائها فرصة للتكلم وإسماع صوتهم بطريقة تساهم في فهم قضاياهم وتعكس وجهات نظرهم.
لو كان الإعلام في المغرب يتصرف وفق هذا المبدأ لما رأينا المواطنين في مدينة فاس وسط المغرب يعتدون على مثلي ويوقعون عليه الجزاء في الشارع العام وكأننا نعيش في دولة الغاب التي لا وجود فيها للمؤسسات والقانون..

الاعتداء على المثلي أوالشاذ جنسيا في مدينة فاس كان مسبوقا بتجييش خطير ضد المثليين وصل إلى حد نشر صور بعضهم في قناة عمومية، وتنظيم مسيرة احتجاجية استفزازية ضد مثليين في الرباط ألقي عليهم القبض على خلفية تبادلهما للقبل في فضاء حسان الديني بعد واقعة تبادل القبل من طرف ناشطات فيمن اللّتان تم توقيفهما في مطار الرباط سلا وترحيلهما خارج المغرب دون إخضاعم للمسائلة القانونية التي خضع لها مثليي الرباط لتفادي ضغط المنظمات الحقوقية الدولية.

بعيدا عن المثلية والمثليين، وبالعودة إلى ما نشر خلال هذا الأسبوع في الصحافة المغربية عن ممارسات أفارقة حي بوخالف في طنجة، وما استتبع ذلك من قرارات وترتيبات أمنية، وصلت إلى حد قيام السلطات العمومية بتنفيذ عملية إخلائهم من المنازل التي كانوا يحتلونها بدون سند قانوني حسب الرواية الرسمية بعد انتهاء المهلة التي منحت لهم في بلاغ وزارة الداخلية، يبدو أن هناك أكثر من سبب لطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة المعالجة الإعلامية لوضعية الاحتلال السكني غير المشروع في حي بوخالف، وحول السند القانوني لتدخل السلطات ومباشرتها لعملية إخلاء المساكن من محتليها تحت إشراف النيابة العامة، بعيدا عن المسطرة القانونية والقضائية المعمول بها بخصوص إفراغ المحتلين الأفارقة لملك الغير بدون سند قانوني؟

المتفق عليه قانونا أنه من حق المالك الذي ثبت ملكه لرسم عقاري أن يرفع أمره إلى قاضي المستعجلات ليجعل حدا لكل تعد يمس بحقه و أن ذلك تدبير مؤقت مستعجل تحميه الميزة الخاصة للرسم العقاري الذي يلزم الجميع مضمونه، وفي مقابل ذلك، فإن كل شخص يقيم بعقار محفظ و يستعمره دون أن يكون مسجلا بالرسم العقاري يعتبر كمغتصب بدون حق و لا سند و يحق في هذه الحالة لصاحب الرسم العقاري أن يلتمس من قاضي المستعجلات إخلاءه.

لماذا لم يرفع المتضررون من احتلال الأفارقة لمساكنهم أمرهم إلى قاضي المستعجلات لوضع حد للتعدي الذي مس بحقوقهم؟ لماذا لم تتحرك السلطات المؤتمنة على تطبيق القانون وحماية النظام العام لحظة وقوع فعل الاحتلال المجرم قانونا؟ أين كانت السلطات المحلية؟ أين هي المقاربة الوقائية والإستباقية؟

ماهي خلفية الإحالة في بلاغ وزارة الداخلية على أن عملية الإخلاء ستتم تحت إشراف النيابة العامة " الفصل 40 ق م ج" بعد مضي 24 ساعة؟

يرى بعض الباحثين المغاربة أن الاجتهاد القضائي كان سباقا إلى إسناد حق النظر في طلبات الطرد للاحتلال بدون سند قانوني إلى القضاء الاستعجالي، ويعود سبب ذلك إلى الاقتناع بمبدأ حماية حق الملكية كحق دستوري، غير أنه بالنظر إلى كون هذه الدعوى تتميز بعنصر الاستعجال ، فقد تدارك المشرع هذا الفراغ، وقام بإسناد حق النظر في دعوى الإفراغ للاحتلال للقضاء الاستعجالي بنصوص خاصة.

وفي هذا الإطار، لقد اختلف الفقه القانوني في تحديد طبيعة دعوى الطرد للاحتلال؛ فجانب منه اعتبرها من الدعاوى الاستعجالية، وبالتالي فهي تدخل في ولاية قاضي المستعجلات الذي يجعل حدا لكل استيلاء غير مشروع يقع على ملكية الغير، فيما ذهب البعض الآخر إلى أن هذه الدعوى لا يمكن اعتبارها من صميم اختصاص قاضي المستعجلات إلا إذا ثبت قيام عنصر الاستعجال فيها طبقا للقواعد العامة الواردة في الفصل 149 من قانون المسطرة المدنية.

وقد جاء في منشور وزارة العدل رقم 283 المؤرخ في 02 مارس 1966 أن "قاضي المستعجلات يكون مختصا بصفة عامة كلما اكتسبت القضية صفة الاستعجال، و معنى هذا أنه لا يكون مختصا في حالة عدم قيام الاستعجال.."

السؤال المطروح في هذا السياق، لماذا لم يلجأ المتضررون من احتلال الأفارقة لمساكنهم من دون أي سند قانوني إلى قاضي المستعجلات، على الرغم من أن قضيتهم تكتسب صفة الاستعجال، وأن الشروط الموضوعية والشكلية المضمنة في الفصول 149 و 150 و 151 من قانون المسطرة المدنية متوافرة؟

كما هو معلوم حالات الاستعجال لا تدخل تحت حصر و لا يجمعها عدد خصوصا إذا علمنا أن كل هذه الحالات منها ما تولى المشرع تحديده بنصوص خاصة و تعرف بالحالات التي يفترض فيها توفر الاستعجال، و منها ما لم يتولى تحديده بنص خاص، بل ترك أمر استخلاصه من خلال القواعد العامة التي تحكم الاستعجال.

دعوى طرد المحتل بدون سند و لا قانون هي نوع من أنواع الحماية المدنية التي خصها المشرع للعقار و تبتدئ برفع دعوى سواء عرضت هذه الأخيرة أمام القضاء العادي أو أمام القضاء الاستعجالي بهدف طرد المحتل الذي استولى على عقار ليس له عليه حق يبرر بقاؤه فيه.

لماذا لم يتم سلوك المسطرة القضائية الاستعجالية قبل مباشرة عملية الإخلاء التي يستشف من خلال بلاغ وزارة الداخلية أن السلطات كانت مضطرة للجوء إليها؟ ماذا لو ثبت أن جزء من هؤلاء الأفارقة المفرغين والمرحلين قسرا من طنجة كانوا ضحية نصب واحتيال سماسرة الكراء كما أوردت ذلك بعض التحقيقات الصحفية؟

السرعة التي أنجزت بها عملية الإخلاء، والطريقة التي تم بواسطتها ترحيل المواطنين الأفارقة لوجهات مختلفة عبر حافلات للنقل خصصت لهذا الغرض، إضافة إلى الأسلوب العنصري التحريضي الذي اعتمدته بعض المواقع في تعاطيها مع المشكل خلال الأسبوع الأخير تحديدا، أمور تحتاج إلى توضيحات من طرف الحكومة المغربية، لا سيما، وأن المغرب لم يعد يشكل بالنسبة لجزء كبير من هؤلاء الأفارقة بلد عبور نحو الضفة الأوروبية، بل أصبح بالنسبة لهم بلد إقامة، وقد قامت الدولة المغربية بتسوية وضعية إقامة عدد لا بأس منهم في إطار مقاربة حقوقية تأخذ بعين الاعتبار أوضاعهم الإنسانية والاجتماعية، وتستحضر أيضا العمق الإفريقي في السياسة الخارجية للمغرب.

قبل أيام فقط قام الملك محمد السادس بجولة لعدد من الدول الإفريقية دشن فيها عدد من المشاريع وهو ما يؤكد العمق الحيوي والجيو استراتيجي والحضاري والثقافي والتنموي لإفريقيا في السياسة الخارجية للملك محمد السادس، وهو الأمر الذي يتطلب وجود نوع من التوازن في تدبير القضايا والمشاكل ذات البعد الإفريقي، في السياستين الخارجية والداخلية للملكة.