على بعد أيام قليلة من موسم الإعلان عن نتائج امتحانات الباكالوريا تتضاعف لدى التلاميذ و أسرهم ليس حالات الترقب فحسب بل القلق و الخوف مما قد تفتحه هذه الشهادة على المصير المجهول، إذ غالبا ما يجدون أنفسهم أمام خيارات صعبة : إلى أية مؤسسة جامعية يتوجهون ؟ أية شعبة أو مسلك أو تخصص يختارون؟ أيهما الأفضل : كليات الاداب أم العلوم؟ حَيْرة تُعمقها أصلا التمثلات المترسخة في الأذهان التي تُصَور العلوم بمثابة المفتاح السحري للنجاح في الحياة و الأدب بالغير النافع. صورة تُزَكيها دوريا، هنا و هناك، بعض التصريحات السياسية الجافة ذات الايديولوجية التقْنُوِية. ما يزيد كذلك في هذا الارتباك : التناقضُ المُعَاش المُتَمتل في اعْتراف جل الثلاميذ بحبهم للأدب و شح المناصب المالية المعتمدة له، و في تذبذب عالم المقاولات الراغب في تشغيل الكفاءات الأدبية لكن دوما بأجور منخفضة. وأخيرا في معاينة الإنقراض التدريجي لبعض عمالقة الفكر الذين كانوا يشكلون قوة جذب الجامعات.
**********
تتفاقم حالات التردد عندنا في الوقت الذي تسثتمر فيه البلدان الصاعدة بكثافة في الميادين الادبية. في انجلترا و الولايات المتحدة الأمريكية ما يزال كثير من الطلبة يواصلون دراساتهم مثلا في "ماسترات" أدبية مُؤدى عنها و بأسعارَ باهظة. و أما فرنسا فتشكل استثناء حيث تبقى الشعب الادبية مُبَخسة، و ذلك على خلفية جدل بيزنطي يدور حول تعارض الاقسام التحضيرية مع الجامعة، و طبيعة المسالك الأدبية الإنتقائية اجتماعيا، الخ. مما يجعل الطلبة يديرون ظهرهم "للانسانيات". في سنة 2012، و من بين 334 ألف مسجل في الباكالوريا العامة بفرنسا، 17 % فضلوا الشعب الأدبية. و خلال 20 سنة فقدت الأخيرة أكثر من 28 % من كتلتها و 10% بالكاد من خريجي الأقسام التحضيرية الأدبية ولجوا مدرسة عليا. أرقام تضع الدولة أمام مفارقة صارخة : شباب مَوْهُوب بمستوى متميز من الكفاءة في التحليل و الدقة، الضرورية للمجال المهني، و انعدام الرغبة في تشغيلهم بسبب اختيارهم للشعب الأدبية، بينما غالبية الدول لا تفكر بنفس المنطق و لا تُمَيز بين العلمي و الأدبي.
**********
لابد من الإشارة هنا إلى كيفية تَشُكل هذه الخصوصية الفرنسية (التي ورثناها في المغرب) : منذ الجمهورية الرابعة (1946-1958) صارت الرياضيات هي مادة الإنتقاء في النظام التربوي الوطني. قبل ذلك، كانت الإنتقائية تتم عن طريق "اللغة اللاتينية و الإنسانيات" بالمفهوم الواسع. بخلاف انجلترا و أمريكا حيث بقيت فيهما "الإنسانيات" بمثابة المادة الانتقائية. حدث ذلك في زمن كانت فيه فرنسا رائدة التحديث أو "وطن المهندسين". و سرعان ما انْتَقلت عدوى "العِلْمَوِية" فيها إلى الأدب عبْر هيمنة البنيوية (و الشكلانية)، و التي بقدر ما انقدت الدراسات الادبية الجامعية في مرحلة كانت فيها على وشك الإندثار (1954-1964) بقدر ما أدخلتها إلى النفق المسدود. أي أن سيادتها المفرطة أدت الى تضخم النظري و انْكماش للأدب، كما وضح ذلك "تودوروف" في كتابه "الادب في خطر" (2007 ). يرى "تودوروف" أن الإنقلاب الذي أحدتثه الحركة البنيوية وقتذاك في الجامعة كانت له آثار سلبية على تدريس الأدب في الثانوي. هكذا سَتُسْتَبْدلُ دراسة موضوع الأدب (أي الواقع) بدراسة نظامه (أي بِنْيَتِه) بشكل مبالغ فيه، مِما ساهم في نفور الثلاميذ من مادة الأدب. في حين أن الغاية من الأدب ليست معرفة كيفية اشتغاله، و إنما فَهْمُ الإنسان لذَاته و للكون و إغناء تجربته الحسية و الجمالية.
**********
في السنوات الاخيرة (ال 80-90) حدث نوع من ردة الفعل المضادة "للتضخم النظري" عَم المجال الأدبي كتعبير عن رفض النزعة "العِلْمَوِية"التي لم تَعُدْ على تناغم تام مع متطلبات المجتمع الحالي. و بدأت الجامعة في التململ عبر تغيير أنظمتها و توجهاتها بالانفتاح على محيطها الاقتصادي و العمل على تسهيل ولوج مُرْتادِيها إلى سوق الشغل. رغم الخلط المَايزالُ قائم بين التكوين في"المهنة" و "الحقول المعرفية" (مثلا، الجغرافيا هي "حقل معرفي" و أما المهنة "فأستاذ باحث في الجغرافيا"، و هي أمور متقاربة لكنها مختلفة)، إلا أن الكفاءات المكتسبة في تلك التكوينات تُعتَبر أساسية لِلتمَوْقُع في عالم اليوم المُعَوْلم. فالتكوين في "ماستر"–"الادب القديم" معناه التمكن من اللغة، و الفهم البسيط لما يُقال أو يُكتب.
الجامعة هي أيضا بصدد تجاوز مسألة التقابل العقيم بين الأدب و العلوم. فطلبة المعاهد العليا (مؤسسات جد نخبوية) يتمتعون بثقافة انسانية هائلة. ثم إن تلقين الأدبيين التدريجي بعض العلوم أصبح، اليوم، متاحا و مقبولا. و علينا ألا ننسى أن أغلب العلوم الإنسانية تلجأ للرياضيات للقيام بدراسات كمية لمواضيع و ظواهر معقدة تتطلب مقاربات متعددة. و هذه القدرة على المرور باستمرار و بيسر من العلوم الى الأدب و الإرتكاز على ثقافة إنسانية صلبة هي ما تشكل اليوم غنى الجامعات.
**********
و الدرس الأدبي في حد ذاته يُتيح اكتساب مهارات عقلية و معرفية مهمة بالإمكان استغلالها في المقاولة، مثل الدقة و الصرامة و الترابط المنطقي و الإقناع و اختيار الكلمة المناسبة الفعالة و سهولة الولوج الى حقل معجمي واسع لتسمية الأشياء (مقاولات الاتصال و الخدمات و التجارة الإلكترونية و الإشهار، و الأبناك، الخ.). بالإضافة إلى ما تُنَميه ممارسة التمارين التحليلية و التركيبية و المقارنات من ملكات و قدرات أخرى، هي نفسها الموجودة في العلوم، مما يخلق عقولا نافعة قابلة للتشغيل. و أخيرا، ممارسة الإبداع و التخيل الذي ينشأ من اكتساب الأدوات الأسلوبية، و كلنا يعلم العلاقة الوثيقة بين العلم و التخيل، إذ لولاه لما وصلت البشرية إلى اكتشافات و نظريات جديدة. و ثمة جانب مهم في التخيل يهيئ المرء لتفكيك كل المعتقدات و الخطابات التي تطرح نفسها كحقائق مطلقة و ذلك بالدعوة إلى ممارسة الشك الحَذِرِ إزاءها. و هي مزية خارقة في عالمنا المعقد بصراعاته الرمزية، تجعلنا نَسْتَكْشِفُنَا كَمُساهِمين في مسؤولية إعطاء معنى للكون. أي ممارسة قدرتنا في بناء المعنى إلى جانب الاخرين.
**********
في مقال له (بجريدة "لوموند" 2013 ) يسوق "ماران ذي فيري" Marin De Viry (كاتب و مستشار أعمال) ملاحظتين حول قضية ملائمة الأدبيين لسوق الشغل :
-الملاحظة الاولى تتعلق بالقوة التعبيرية : في المقاولات التي تَعَامَلَ معها يَحْصُلُ دوما وَضْعُ سَقْف مُعَين مُرْتَبطِ بامتلاك القدرة على التعبير وَجَبَ تَوَفرُهُ لدى العمال. فعند انتقاء المترشحين لمجلس التدبير او للوظائف الكبرى يَقَعُ فَرْق تُحَددُهُ القدرة على التعبير. فالمزية التنافسية التي تتيحها اللغة تبيح التمَيزَ. و للأمر في عالم المال و الأعمال تأثير بالغ يُعايَنُ مثلا في التنافسية التي يبيحها التمكن من اللغة الانجليزية الأدبية العميقة ( ليست البسيطة Business English)....

-الملاحظة الثانية تَخُص التمييز بين الواقع و التربية الوطنية : في الواقع المَعِيش هناك تزايد مطرد للمبادرات المنبثقة من المقاولات أو كبريات مدارس التجارة الرامية الى إدماج الأدبيين في سوق العمل. لقد أدركوا أخيرا تَوَفر هؤلاء على ملكات فكرية عديدة يُمْكن توظيفها في المقاولة. لهذا شرعت المدارس العليا للتجارة و التدبير في توسيع مباريات الولوج إليها لتشمل طلبة الاقسام التحضيرية الادبية. اليوم، قرابة 40% منهم يلجون المدارس العليا للتجارة. و خلال الخمس سنوات الأخيرة (في فرنسا)، حصدت الأقسام التحضيرية الأدبية النسب العليا في عدد المسجلين الجدد فيها. و هناك طلب مُتَنام على الأدبيين من طرف أرباب العمل. و هي علامة على أن عالم المقاولة عاد للاهتمام بمزايا الأدب.
**********
يحذر الخبراء من مسألتين :
1- المَهْنَنَةُ المفرطة للتكوينات التي ربما قد تشكل خطرا على الشباب، في حين تقتضي المصلحة توسيع المجال لإعطائهم مزيدا من الاذوات لمزاولة أكثر من مهنة على التوالي. و هنا تبدو الدراسات التي يَحْصُل فيها المَزْجُ بين الأدب و ثقافة المقاولة الأفضل و الأكثر ملائمة.

2-تجنب أخطاء التوجيه : بما أن الشعب الأدبية مُبَخسة في الثانوي فانه لا يلتحق بها في الجامعة من يَجبُ من الطلبة. فَجُل المنتمين للمسالك الأدبية مسجلون فيها صدفة او خطأ، و يجدون أنفسهم في وضع مأساوي، لعدم قدرتهم على التكيف و المتابعة. و بالتالي الحصول على تكوين أو ديبلوم. كما أن التفاوتات الاجتماعية تعمق الفرق بين من يتمتع بثقافة واسعة (الطبقة المتوسطة) و من تعترضهم مشاكل في اللغة، وصعوبات في فهم النصوص (الفقراء). لأن الجامعة مفتوحة في وجه الجميع و تتطلب استقلالية أكبر بالنسبة للمعرفة. و كثيرا ما نجد في المرحلة الأولى من كليات الاداب طلبة حاصلين على باكالوريا مهنية أو علمية في الشعب الأدبية لأنها الوحيدة التي قبِلتْ بِهِم. من جهة اخرى، نجد الطلبة الأفضل تكوينا في الأدب مسجلين في المسالك الإقتصادية، بِبَاكالوريا "علمية" (فقط لكونها شهادة انتقائية). و من هنا الضياع الكبير. و الحقيقة أنه يلزم تهيئة الثلاميذ مسبقا في الثانوي و ضمن المدارس التحضيرية حيث التتبع و التوجيه المستمر. و هذا مشكل عام متعلق بتنظيم التعليم العالي.