علي أنوزلاـ معايير اختيار السفراء في المغرب غير معروفة، أما تعيينهم فيتم حسب دستور 2011 داخل المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك. وهو بالمناسبة مجلس شكلي، تتم خلاله قراءة القرارات الجاهزة والمصادقة عليها بالإجماع بإشارة بسيطة من الملك للمرور إلى النقطة التالية في جدول الأعمال المحدد سلفا، وسط صمت يشبه صمت المقابر، إذ لا مداولات ولا نقاش داخل هذا المجمع الذي تسكن حضوره الرهبة والخوف. أما عزل السفراء فيبقى قرارا ملكيا بامتياز، وسرا كبيرا من أسرار الدولة.
لحد الآن لا يعرف الرأي العام المغربي أسباب إعفاء سفير المغرب السابق بمدريد، وهو أحد القياديين في جبهة "البوليساريو"، فرض القصر تعيينه في مدريد رغم حساسية المنصب وحساسية الانتماء السابق للسفير الذي كان حتى الأمس القريب يدافع عن استقلال إقليم الصحراء الغربية أمام المسؤولين الأسبان فأصبح ممثلا للمغرب الذي يطالب بضم الإقليم المنازع عليه.

نفس الموقف سيتكرر مع سفير المغرب لدى الأمم المتحدة، عندما فوجئ الرأي العام المغربي بتعيين الملك لبديل له، بدون تقديم أية معلومة عن أسباب إعفائه. وطبعا فـ "خدام العرش" يلوذون بالصمت قبل وبعد تعيينهم وحتى بعد إعفائهم والتخلي عن "خدماتهم". فالقاعدة الذهبية عند كبار المسؤولين المغاربة تقول بأن المغضوب عليهم يمكن أن يعفى علنهم في أية لحظة، لكن شرط أن يلتزموا الصمت. هكذا كان حال سفير المغرب الحالي في روما، الذي عزل من منصبه في باريس بسبب خطأ جسيم لم يعرف حتى اليوم ما هو، فلاذ بالصمت حتى أعفي عنه ليعين من جديد في روما. وهناك الكثيرون يلوذون بالصمت إلى أن يغادروا الحياة وفي صدورهم غصة ممزوجة بحالة انتظار فرج لن يأتي.

سياق هذا المقال هو قرار التعيين الأخير لسفرين للمغرب لدى الأمم المتحدة في جنيف ونيويورك. سفير المغرب الجديد بالمقر الزجاجي للأمم المتحدة بنيويورك، الذي تمت فقط تزكية تنصيبه، لأنه التحق بمنصبه منذ عدة أشهر بقرار ملكي وبدون انتظار انعقاد مجلس وزاري، وبدون علم رئيس الحكومة الذي اطلع على الخبر عبر شاشة التلفزيون الرسمي. وتم ذلك في خرق سافر للدستور الذي ينص على أن يقوم رئيس الحكومة بتقديم اقتراحات للملك يتم التداول فيها داخل المجلس الوزاري قبل المصادقة عليها. أما التعيين الثاني فيتعلق بسفير المغرب لدى بعثة الأمم المتحدة بجنيف. وبالمناسبة فالمغرب من الدول القلائل التي تتوفر على سفيرين بسويسرا رغم مصاريفهما الباهضة، واحد بجنيف والآخر بالعاصمة بيرن، ناذرا ما تصل أخبار أنشطته إلى الرأي العام المغربي مثل جل السفراء المغاربة الذين غالبا ما يعينون كسفراء بحثا عن تقاعد مريح!

وبالعودة إلى سفير المغرب لدى بعثة الأمم المتحدة، فكل مؤهلاته أنه ينتمي إلى نفس الحزب الذي ينتمي إليه وزير الخارجية المغربية الحالي. ولو حاولنا البحث عن معايير تعيين السفراء المغاربة من خلال "بروفايلات" السفراء الحاليين، سنجد أن المعيار الأول هو القرب من القصر، نموذج سفيرة المغرب لدى بريطانيا، وهي بالمناسبة من العائلة الملكية. وسفيرة المغرب لدى البرتغال وشقيقها سفير المغرب لدى مدريد. أي إنه لا يوجد في المغرب من يمثله في شبه الجزيرة الإيربيرة سوى هذين الشقيقين، وكل ميزاتهما أنهما مقربين من العائلة الملكية. وهنا سفارات مغربية ظلت لعقود حكرا على مقربين من القصر: سفارتي المغرب في السويد وليبيا.

أما المعيار الثاني للتعيين فهو القرب من الأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها، أو تقديم خدمات لها فتكون السفارة عبارة عن مكافئة وليست استحقاقا. والمعيار الثالث هو التقرب من رئيس الدبلوماسية بكل أنواع الخدمات الممكنة من أجل نيل رضاه وعطفه. والعديد من سفارات المغرب اليوم في العام تعج بهذا النوع من الموظفين المتملقين من دبي إلى بوينس آيرس. ويبقى المعيار الرابع الذي لا يقل سوءا عن باقي المعايير، هو الانتماء الحزبي.

وفي هذه الحالة يكون التعيين في السفارة إما بحثا عن ترضيات وتوافقات حزبية داخلية أو بين أحزاب تتعارك على اقتسام "الكعكة"، أو لإسكات أصوات غاضبة أو إبعاد أخرى مزعجة، أو فقط كنوع من المكافئة على مجازات السلطة في مواقفها لدرجة المزايدة عليها في الكثير من الحالات. وآخر نماذج هذه التعيينات الحزبية هو سفارة المغرب في جنيف، لكن هناك العشرات من السفراء كل ميزاتهم أنهم ينتمون إلى أحزاب، وأغلبها بلا رصيد شعبي على أرض الواقع. ونماذج هذه التعيينات تمتد من جاكرتا إلى أوتاوا مرورا بعمان والقاهرة.. ومن بينهم من أصبحوا سفراء منسيين في مناصبهم.

لقد حولت هذه المعايير الدبلوماسية المغربي إلى قطاع ريع واسع لا يخضع المستفيدين منه لأية محاسبة أو مسائلة أثناء "خدمتهم"، أو بعد إعفائهم من مناصبهم. يحدث هذا في عصر أصبحت فيه الدبلوماسية تلعب دورا مهما في العلاقات الدولية، وحماية مصالح الدول. فالدبلوماسية علم له قواعده وفن له أسراره، وليست مجرد مصالح شخصية وريع يستفاد منه.