أكبر خاسر من الاتفاق الإيراني الغربي الأخير هو بدون جدال النظام الرسمي العربي ممثلا في أنظمة دول الخليجي وأذيالها من الأنظمة العربية التي تتوسل صدقاتها. أما الاستياء الإسرائيلي من هذا الاتفاق، رغم حدته ورغم ما يجد له من مبررات بسبب قوة العداء القائم بين طهران وتل أبيب، إلا أن الإسرائيليين سيعرفون كيف يتقاضون مقابله من الغرب ومن واشنطن على وجه الخصوص، بممارسة المزيد من الابتزاز عليهم وتحميلهم عقدة ذنب أخرى تنضاف إلى عقدة "الهلوكوست" التي مازال الغرب يدفع ثمنها أضعافا مضاعفة.

أيتام هذا الاتفاق، هم بدون تردد، العرب، الذين أٌبعدوا من طاولة المفاوضات، وشعروا بالإهانة لما دعاهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما قبل أسابيع للاجتماع في "كامب ديفيد" للإخبار بما سيصبح أمرا واقعا، ألا وهو التطبيع الغربي مع إيران والذي سيكون لا محالة على حساب الكثير من مصالحهم مع الغرب.

لكن، قبل أن تلوم الأنظمة العربية الرسمية الغرب على اختياراته التي تمليها عليه مصالحه، كان عليهم أن يلوموا أنفسهم لأنهم هو من وضعوا أنفسهم في الموقف الخطأ الذي لا يحسدون عليه اليوم. فعند اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، قررت الأنظمة العربية الرسمية من الخليج إلى المحيط معاداة الثورة التي وجدت تعاطفا وسط الشعوب العربية في أكثر من بلد عربي. وبدون مقدمات وبلا مبررات، سوى مبرر حفاظ الأنظمة العربية آنذاك على عروشها، قررت من طرف واحد معاداة الثورة الإيرانية، ومعاداة المذهب الشيعي الذي يدين به معظم الإيرانيين، وانتهاء بمعاداة إيران وشعبها.

ومن يتذكر بدايات الثورة الإيرانية، فقد حاول منظروها من الملالي أن يقتربوا من العرب، عندما اختاروا اعتماد اللغة العربية لغة ثانية في بلادهم قبل اللغة الإنجليزية، ورفعوا فوق سفارة إسرائيل بطهران علم الدولة الفلسطينية بعدما حولوا مقرها إلى سفارة فلسطينية، سابقين في ذلك الكثير من الدول العربية التي لم تكن أنظمتها تسمح أو تجرأ على رفع علم فلسطين في شوارعها. وكان الرد العربي الرسمي العنيف على هذه الرسائل هو الحرب المجنونة التي شنها النظام العراقي بإيعاز من الغرب وبدعم مادي وعسكري من أنظمة عربية. كانت تلك الحرب بمثابة طعنة خنجر في ظهر الجار الفارسي، ومع أن الأنظمة العربية، خاصة الخليجية لم تكن تخفي دعمها المادي والعسكري لإرضاء جنون صدام حسين، فقد حافظ الإيرانيون على هدوء أعصابهم ولم يعلنوا الحرب ضد أية عاصمة من العواصم العربية التي كانت تدعم آلة الحرب الصَدَامية المجنونة. وطيلة أكثر من ثلاثة عقود هي عمر الثورة الإيرانية، لم يسجل تاريخ المنطقة أن إيران هاجمت أو احتلت بلدا عربيا، باستثناء خلافها مع دولة الإمارات العربية المتحدة حول ملكية حزر طنب الكبرى وطنب الصغرى الواقعة في عرض الخليج العربي حسب العرب أو الفارسي حسب الفرس.

وزير الخارجية الإيراني يحمل وثيقة الاتفاق النووي مع الغرب

العرب، وخاصة الأنظمة الخليجية وأذيالها في المنطقة العربية هي التي صنعت العداوة مع إيران خوفا على عروشها ورغبة في التقرب للغرب، فخلقت عداوة مجانية مع جار قوي مثل إيران، ولم تربح صداقة الغرب الذي لا تحركه سوى مصالحه. فهذه الأنظمة هي التي دفعت مجنونا اسمه صدام حسين إلى قتل أكثر من مليون عراقي وإيراني في حرب عبثية. ومع ذلك لم تلجأ إيران إلى مهاجمة أي نظام من هذه الأنظمة باستثناء مهاجمتها لناقلات نفط خليجية محملة بنفط عراقي في إطار حرب ناقلات النفط التي بدأها صدام صد ناقلات النفط الإيرانية. وعندما عض صدام حسين اليد العربية التي ساعدته في حربه العبثية تلك، واحتل الكويت كانت إيران من بين الدول التي أدانت ذلك الاحتلال. وحتى عندما تحالفت 33 دولة ضد نظام صدام حسين لإخراجه من الكويت رفضت إيران الدخول في ذلك الحلف ولم تنتهز الفرصة للانتقام من الشخص الذي قتل شعبها و قصف مدنها ودمر اقتصادها وسعى إلى إجهاض ثورتها في مهدها. وفي الحملة الثانية ضد العراق والتي انتهت باحتلاله، ظلت إيران على نفس موقفها، وكان من مكر التاريخ أن الطائرات التي أسقطت نظام صدام انطلقت من أراضي عربية، بينما لم يجد صدام مكانا آمنا يرسل إليه طائراته الحربية سوى إيران!

اليوم يحاول إعلام الدعاية الرسمية العربية أن يقنعنا بأن ما تعانيه المنطقة من فوضى هو بسبب إيران، فهل إيران هي من صنعت "داعش"؟ وهل إيران هي من أنقذت الدكتاتور اليمني علي عبد الله صالح ووفرت له المال والحصانة للهروب من محاسبة شعبه؟ وهل إيران هي من سعت إلى تسليح الثورة الشعبية السلمية السورية وتحويلها إلى حرب أهلية طائفية؟ وأخيرا هل ذنب إيران أنها خرجت منتصرة من الحرب في العراق رغم أنها لم تطلق فيها رصاصة واحدة؟ هل يجب أن نلومها لأنها صنعت لها حليفا قويا في لبنان اسمه "حزب الله" كان له الفضل في تحرير جزء كبير من بلاده من الاحتلال الإسرائيلي؟ وهل يحق لنا أن نؤاخذها على مناصرة شيعة اليمن في مواجهة أكبر حملة عسكرية مذهبية تقودها ضدهم أنظمة عربية فاشلة هاجسها الوحيد هو حماية عروشها؟

لا يوجد اليوم نظام عربي واحد له موقف ثابت ومبدئي ضد كل أشكال التطبيع أو الاعتراف بإسرائيل، كما لا يوجد اليوم نظام عربي واحد يدعم المقاومة في لبنان وفلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي كما يفعل ذلك علانية وبدون خوف النظام في طهران.

إيران والشعب الإيراني كانا وسيظلان صديقين للشعوب العربية، وكل انتصار لهما سيقوي موقف هذه الشعوب ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد الهيمنة الأمريكية وضد أنظمتها المستبدة التي صنعت فزاعة الخطر الإيراني لتبقى جاثمة على صدر شعوبها التي أتعبتها بحروب لا ناقة ولا جمل لها فيها. أما النظام الإيراني فكيفما كانت المؤاخذات عليه والانتقادات له فسيبقى شأنا إيرانيا داخليا، والشعب الإيراني الذي أسقط نظام الشاه قبل 36 سنة قادر على أن يسقط كل نظام لا يرضاه لنفسه.