علي أنوزلا ـ “البنعلية”، أو “Benalization”، هي أسلوب الحكم البوليسي في عهد الدكتاتور التونسي الهارب، الذي كان يغري الأنظمة السلطوية في المنطقة، ومن بينها النظام المغربي. فحتى قبل “ثورة الياسمين” في تونس بداية عام 2011، كان المغرب يسير بخطى حثيثة في تقليد نموذج النظام البوليسي في تونس، من خلال تدجين الأحزاب، وتكميم الحريات، وقمع الصحافة الحرة، ومطاردة الناشطين الحقوقيين، ومحاربة الفاعلين داخل المجتمع المدني، والتحكم في الاقتصاد.

كان “نموذج بنعلي” بمثابة وصفة ناجحة لإقامة مجتمعات يحكمها الخوف، وتسود فيها الأنانية والمصلحة الفردية على المصلحة الجماعية، ويسكن أهلها الشك حتى من أفعالهم وأقوالهم، ويهيمن عليهم هاجس التوجس من أقرب الناس إليهم حتى يظنون أن كل حركاتهم وسكناتهم محسوبة ومراقبة.

كانت وصفة هذا النموذج تبدو مغرية تتمثل في تحقيق معادلة سهلة وإن كانت مكلفة: الحفاظ على الاستقرار الداخلي بأي ثمن، والسعي وراء كسب الرضا والدعم الغربي مقابل أي خدمة يطلبها، مقابل سكوته عن انتهاكات حقوق الإنسان والتسلط السياسي والفساد الاقتصادي.

وبنى هذا النموذج “عقيدته” (هذا، إذا كانت له فعلا عقيدة) على محاربة الإسلاميين بدعوى “محاربة الإرهاب”، وفتح أسواق البلد للشركات الغربية ومنح هامش “مقيد” من الحرية للحديث عن حقوق المرأة والحقوق الفردية وحرية الفن وكل أشكال التعبير التي تدعم هذه الحقوق.

لكن في لحظة الثورة الشعبية التونسية التي أطلقت “الربيع العربي”، انهار النظام وانهار معه النموذج. وبدأ الديمقراطيون والتقدميون في المنطقة يتحدثون عن “التونسة”، كبديل عن “البنعلية” وللرد عليها، أي نقل تجربة “الثورة الشعبية التونسية” إلى واقع بلدانهم والمناداة بالقيم التي لخصتها شعاراتها واختزلتها عبارة: “الشعب يريد”.

لكن بعد مرور ثلاث سنوات عجاف من مرحلة الانتقال الديمقراطي في تونس، وما عرفته من انتكاسات، وبعد الانقلاب العسكري في مصر، بدعم من دول النفط العربي، على أول رئيس مدني منتخب، وعلى إثر الانهيارات الكبيرة للدول والأنظمة في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، عادت “البنعلية” لتطل من جديد برأسها على المنطقة. وهناك اليوم، عدة مؤشرات على أن هذا النموذج البوليسي السيء لم يمت، فهو مازال حيا يرزق تماما مثل صاحبه، الدكتاتور الهارب الذي يحميه النظام السعودي في أحد قصوره. وسنقف هنا عند مؤشرات إعادة بث الروح في هذا النموذج انطلاقا من الحالة المغربية.

“البنعلية” والمغرب

عندما وقف العاهل المغربي الملك محمد السادس، نهاية ماي (أيار) الماضي، أمام المجلس الوطني التأسيسي في تونس لإلقاء خطابه، أثار انتباه المراقبين آنذاك أنه لم يذكر قط كلمة “ثورة”، وهو ما اعتبره المراقبون بمثابة خطاب “انتصار” لمنطق الاستمرارية، استمرارية الاستبداد، على منطق الثورة التي حملت شعارات إسقاط الفساد والاستبداد.

ومن أجل فهم أعمق لرسائل ذلك الخطاب، يجب التذكير بخطاب الملك بعد يوم واحد على انطلاق أكبر مسيرات احتجاجية عرفها المغرب بتأثير من ثورات “الربيع العربي”، يوم 20 فبراير 2011، عندما وصف مطالب المتظاهرين ومسيراتهم بـ “الديماغوجية” و”الارتجال”! ورغم أن الملك تراجع بعد ذلك في خطاب 9 مارس من نفس السنة الذي قدم فيه عدة وعود بالتنازل عن بعض سلطاته لمؤسسات منتخبة، إلا أنه سرعان ما عاد لينكص بأغلب تلك الوعود التي تم الالتفاف عليها بإصلاحات شكلية لم تغير الكثير من طبيعة النظام السلطوي في المغرب.

وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على “الربيع العربي”، وما عرفته الدول التي عاشت ثوراته من انتكاسات وتعثرات وفوضى وانهيارات، عاد منطق السلطوية ليهيمن من جديد، ومع هذا المنطق عادت “أحلام” إحياء نموذج “بنعلي” تراود السلطة في المغرب وعقلها الأمني. وسنرصد هنا محاولات استنساخ هذا النموذج السيء الذكر من خلال عدة وقائع شهدها المغرب مؤخرا:

• اعتقال ومحاكمة أصحاب الأصوات المعارضة، من نشطاء وفاعلين ومحامين وصحفيين وحقوقيين.

• اللجوء إلى الأساليب البوليسية المقيتة واللاأخلاقية من قبيل فبركة فضائح جنسية للمعارضين، والتجسس على المكالمات والمراسلات الشخصية، وتسريبها لمواقع إلكترونية مشبوهة، بغرض “الفضح”، و”تكميم الأفواه” بل وترهيب من تسول له نفسه أن يتجرأ على النقد وتحاوز الخطوط الحمراء.

• استمرار التضييق ومحاصرة أنشطة كل التنظيمات التي ترفض المشاركة في اللعبة السياسية بناء على قواعد التحكم التي تضعها السلطة. وخاصة جماعة “العدل والإحسان” ذات التوجه الإسلامي، وحزب “النهج الديمقراطي” ذا التوجه اليساري الماركسي اللينيني.

• الهجوم على تنظيمات المجتمع المدني، خاصة التنظيمات الحقوقية المستقلة التي تساهم في فضح انتهاكات السلطة في مجال حقوق الإنسان، مثل “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، و”العصبة المغربية لحقوق الإنسان”، والتنظيمات الحقوقية في إقليم الصحراء الغربية، التي لا تريد الدولة المغربية الاعتراف بشرعيتها.

• قمع الاحتجاجات والمظاهرات بدعوى أنه لم يتم الترخيص لأصحابها، في حين أن المغرب عرف عام 2011 مآت المظاهرات في أكثر من مدينة مغربية، كانت تخرج بصفة تلقائية وسلمية وبدون أي ترخيص من السلطة.

• منع تأسيس الأحزاب والمنظمات التي لا تثق السلطة في توجهات أصحابها. وذلك من خلال استمرار منع حزبي “الأمة” و”البديل الحضاري”، ذوي التوجه الإسلامي المعتدل، ورفض الترخيص مؤخرا لمنظمة “الحرية الآن” التي تعنى بالدفاع عن حرية الرأي والتعبير، وجمعية “الحقوق الرقمية”، التي تدافع عن حرية استعمال الإنترنيت، ورفض الترخيص لنقابة “الاتحاد المغربي للشغل/ التوجه الديمقراطي”.

• القضاء على كل أشكال الصحافة المستقلة من خلال المحاكمات والغرامات والاعتقال، وإجبار الصحفيين المستقلين على “الاستقالة” الطوعية أو “النفي” الطوعي خارج المغرب.

• القضاء على فضاء حرية الرأي والتعبير الحر، من خلال “ضبط” وسائل الإعلام الخاصة و”تطويع” خطوط تحريرها بواسطة “الرقابة الناعمة” عبر التحكم في مصادر وموارد الإعلانات (الإشهار).

• تمييع المشهد الإعلامي من خلال خلق صحف ومواقع إلكترونية متخصصة في “سب” و”قذف” و”شتم” كل صاحب رأي مخالف لرأي السلطة، والسعي إلى إلهاء الناس بالتفاهات من قبيل مواضيع الجرائم والجنس والحياة الخاصة للأشخاص…

• مزيد من التحكم في وسائل الإعلام العمومية، من خلال الاحتكار الكلي لهذه الوسائل من قنوات تلفزية وإذاعات، ووكالة أنباء، وتوظيفها لخدمة البروباغوندا الرسمية للنظام، وحرمان صاحب كل رأي مخالف للرأي الرسمي من استعمالها.

• محاربة كل تقارب بين الإسلاميين واليساريين والعلمانيين يكون هدفه تشكيل جبهة ديمقراطية لمواجهة استبداد السلطة وفسادها.

• الإمعان في تمييع الحياة السياسة، بواسطة تدجين الأحزاب السياسية، وتطويع قيادتها، وبث الفرقة داخل صفوفها، والتدخل في قراراتها، وخلق أحزاب سياسية هجينة تخدم أجندة السلطة وتستخدم موارد الدولة وتساهم في المزيد من الارتباك والخلط، لإفقاد الناس الثقة في العمل السياسي.

• استمرار تدجين النقابات، وتشتيتها، ودفعها إلى الابتعاد عن السياسة والانكفاء على الدفاع عن مصالح فئوية محدودة، والاهتمام بالمصالح الشخصية لقياداتها التي غالبا ما تنتهي إلى صراعات شخصية تؤدي إلى مزيد من التفتت داخل جسم نقابي مترهل.

• مع عودة هاجس “الإرهاب الإسلامي”، بتنا نشهد نوعا من التضخيم والمبالغة أحيانا في تصوير هذا الخطر، من خلال عدد العمليات التي تخص تفكيك خلايا إرهابية، وعدد الموقوفين ومخططاتهم، وذلك بهدف بث الرعب في النفوس لتبرير سياسة القبضة الأمنية المتشددة بدعوى “محاربة الإرهاب”.

• التحكم في القضاء، من خلال التدخل وتوجيه التعليمات، وهناك اليوم عدة مؤشرات وشهادات وبيانات صادرة حتى عن “نادي قضاة المغرب”، تتحدث صراحة عن كون القضاء في المغرب غير مستقل، وآخر هذه الشهادات الحكم الصادر الشهر الماضي عن محكمة أمريكية بولاية تكساس يطعن في استقلالية القضاء المغربي، ويورد شهادة لمستشار للعاهل المغربي يتحدث صراحة عن كون القضاة يتلقون تعليمات بالهاتف من وزارة العدل. كما يقر نفس الحكم بأن القضاة في المغرب يخافون من غضب الملك عندما يريدون البث في قضايا يكون أحد أفراد الأسرة الملكية طرفا فيها.

• وأخيرا، وهنا مربط الفرس، استمرار المزواجة ما بين السلطة والمال على أعلى مستويات هرم السلطة في المغرب، من خلال ضخ المزيد من الاستثمارات المباشرة في القطاعات المربحة، وخرق قواعد المنافسة التي تفرضها قوانين السوق الليبرالية، مما يساعد على تنامي الفساد وتفشيه على مستويات عليا.

نموذج يحمل أسباب موته داخل “أحشائه”

إن من يسعون اليوم جادين في المغرب إلى إعادة إحياء “مشروع” نقل نموذج “البنعلية” إلى المغرب، يغامرون بمستقبل البلاد، لأن هذا “النموذج”، يحمل في أحشائه أسباب موته. ألم يؤدي إجهاز نظام بنعلي على الوسطاء الاجتماعيين المستقلين من أحزاب سياسية ونقابات عمالية ووسائل إعلام ومنظمات غير حكومية، إلى التسريع بالانفجار الذي شهدته تونس في ثورة 14 يناير 2011؟

وما تقوم به السلطة اليوم في المغرب من خلال إعادة التحكم في المشهد السياسي وتدجين النقابات وضبط المجال الإعلامي ومراقبة أنشطة المجتمع المدني وتضييق هامش حرية الرأي والتعبير، هو بمثابة رفع لـ “صمامات الأمان” هذه التي تؤجل الانفجار.