يقال بأن خيرالكلام ما قل ودل ويرى المفكرون والعلماء والفلاسفة بأن الحجج والبراهين الكثيرة لا تجدي ولا تسمن ولا تغني في الإقناع إذا ظهرت الحقيقة جلية بما لا يستوجب الزيادة والثرترة والتعقيد بلا طاءل ولا زيادة فائدة. فشفرة الفيلسوف ويلايام أوكام تستعمل لتشطيب ما لا يزيد إلا تكلفا مصنوعا. ومن هذا المنطلق أود في هذه العجالة أن أذكر القراء الكرام بأن المخاض الذي يعيشه مغربنا الغالي والغني حاليا يتطلب ثورة علمية حقيقية في جميع أوجه الحياة وبالخصوص في المجال التربوي واللغات وأن الإرتجالية وعدم المهنية والإنتهازية التي تتحلى بها النخبة الساسية المسيطرة على مجريات الأمور في بلدنا أودت بنا إلى كوارث لا يقبلها من في نفسة ذرة من محبة المغاربة.
يعيش المغاربة في ظل دستور جديد وحكومة وبرلمان جديدين منذ خمس سنوات تقريبا، لكن التذمر من قرارات المنتخبين والقوانين والممارسات في الجهاز التنفيذي والإدارة العمومية شملت كل شرائح مجتمعنا إلى درجة أن كل المغاربة يحتجون باستمرار عدا النخبة المسيطرة على زمام الأمور لأن مصالحها المادية والمعنوية ونفوذها كلها معززة محفوظة وفي التنامي.
الدستور الذي منح لهذه النخب شرعية اتخاذ القرارات التي تخدم مصلحة المغاربة أصبح ستارا وغطاء ومبررا لتجاوزاتها والإخلال بمبادئه وروح عدالته وسعة الحقوق التي يضمنها لكافة المغاربة وضربت الحكومة الحالية عرض الحائط بتفعيل مقتضياته القانونية وشوهتها واختطفتها لخدمة مصالح شريحة محدودة من المجتمع المغربي بالرغم من منادات الشرائح الأخرى وانتقادات وكتابات المهتمين بالشأن العام على الصعيد الوطني وعلى صعيد الرأي العام العالمي.
لا داعي لذكر انشار الفساد والرشوة والزبونية والظلم والمراوغات والإقصاء والتهميش وعدم تكافئء الفرصة في التعيينات على المناصب وتكوين المجالس العليا بالرغم من توجيهات رئيس الدولة المستمرة المنصفة التي يتستر وراءها من يدعي طاعتها وتنفيذ أوامرها في خدمة أجنداتهم الخاصة والأنانية. والأدلة على هذا الأختطاف والإخلال بالتعليمات الملكية واضحة في إصدار الحكومة القائمة بمساندة المنتخبين في البرلمان عددا من القوانين لا ترقى إلى ما يطمحه المغاربة ولا تلبي رغباتهم وحاجياتهم سواء في الميادين التربوية والإقتصادية أو في الميادين الاجتماعية والثقافية والبيئية. وقد أنهكت قراراتها وقوانينها كاهل المغاربة وأفرغت جيوبهم وأرصدتهم البنكية بالزيادات المستمرة في الأسعار والخدمات وحتى في التوقيت (تغيير التوقيت 4 مرات في السنة وعلى الرأس والعين بشهر رمضان الكريم).
ليست هذه المجالات هي الوحيدة التي يتجلى فيها عجز وعدم مهنية وقدرة هذه الحكومة ومن يساندها من المنتخبين، فحتى في مجال هوية المغرب فإن أداءها لا يبشر بالخير ولم تقم بما يلزم وما يقتضيه الدستور فيما يتعلق باللغة الرسمية الثانية الذي اتبعت فيه مبدأ "كور واعط للاعور" بالرغم من أن المغاربة ليسوا عميان وبالرغم من أهمية حيوية وأولوية السياسة اللغوية ومطالب المهتمين بهذا الشأن الذي يجسد هويتنا جميعا في هذه الرقعة من المعمورة عبر التاريخ.
كان من الأجدر ومن التعقل قبل البث في حيثيات هذه الأمور بجدية وبطرق علمية وقبل تقديم أي مشروع قانوي وقبل إقحام من تسموا بالنشطاء والغيورين على اللغة الأمازيغية وثقافتها وقبل تفعيل القوانين المنظمة وتنزيلها بناءا على تبرير الإستيناس المدعى بآراء الفعاليات الاجتماعية ومشاركتها كان لا بد من تدارس هذه المسألة من قبل كل الفعاليات الاجتماعية والخبراء واللغويين والمربين وعلماء الاجتماع وكل الذين يهمهم الأمر، أعني الناطقين باللغة الأمازيغية والمحبين لهذا التراث الذي يميز مجتمعنا والذين يتمنون من المغاربة تعلم أحد روافد هذه اللغة العتيقة والجميلة الصامدة والتي ما تزال حية ترزق رغم محاولات محاربتها والإقلال من شأنها من قبل ذوي العقول المتحجرة عبر التاريخ.
أمن المعقول أن ننتظر خمسة عشر سنة لتتاح لشبابنا فرصة تعلم اللغة الرسمية الثانية لبلدنا الغالي والغني؟ ما هذا إلا كمثل المقولة التي نرددها في ثقافتنا ولغتنا لمن يمهلنا بوعود قد لا تتحق وهي "سكوس ن أجوع أر كيح إلكم رمضان" بمعنى لا تقبل أيها الجوع حتى ياتي رمضان.
هل الحكومة والمنتخبون الجهة الوحيدة التي يقع عليها اللوم في هذة المهزلة والتخبط الذي انغمس فيه مغربنا؟ قد أجاب خطاب رئيس الدولة بمناسبة تخليد عيد العرش المجيد يوم أمس(30 جويي) على عدد من الأسئلة التي تؤرق قلوب المغاربة انطلاقا من الدستور بالاعتراف والتأكيد على الإلتزام بالقوانين حيث إن "القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه وملزمون بالإمنثال له" كما ورد في الفصل السادس. ولقد جسد الدستور هذه الإرادة في الفصل الثاني الذي ينص على أن السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالإستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها".
تنفيذ التعليمات الملكية صاحب الجلالة أمير المؤمنين رئيس الدولة المغربية (تسمية رسمية بعيدا عن 'التبلحس' كما قد يتوهم المغرضون) ونحن مقبلون على الإستحقاقات الإنتخابية لاختيار ممثلينا في البرلمان وتعيين أعضاء الحكومة المقبلة تضع على أكتاف الناخبين مسئولية جليلة. هذه المسئولية تحتم عدم تزكية أي شخص فاحت رائحته وظهرت للعيان أنيابه التمساحية وشهد له القاصي والداني بعدم الرحمة والمحبة لجميع المغاربة ويكون ولائه وارتباطه المشبوه بالإديولوجيات الخارجية التي لا تنبع من قيمنا ولا تعتبر عبقريتنا وشطارتنا في فهم ألاعيبهم وتقدر مكوناتنا وتعددنا الثقافي وتشوفنا لمستقبل زاهر.
إن المغاربة مدعوون بتحمل مسئولياتهم على اختياراتهم ويختاروا من الأحزاب تلك التي لم تتلطخ أياديها باسغلال ثقة المغاربة ويمنحوا لهم فرصة تجريب حظهم في تدبير شئوننا ويثبتوا صدق نواياهم وإخلاصهم في العمل كما تقتضيه التحديات المرحلية التي تواجه مجتمعنا. وتقتضي مسئولية الناخبين أيضا ان ياتوا بالوجوه الجديدة النزيهة التي تتفانى في خدمتنا جميعا ويحتم هذا عدم انتخاب كل الذين وكل اللواتي ساندوا هذه الحكومة في تمرير قراراتها وتعييناتها وقوانينها المجحفة من تشغيل القاصرين وتزويجهم واستيراد النفايات المسمومة والإقتراض وعطب صندوق المقاصة والتقاعد والعقود المبرمة لاستغلال ثرواتنا إلى غير ذلك وبالخصوص مسالة اللغة الرسمية الثانية التي همشت على الصعيد الرسمي في الإدارة العمومية وكاد يقتلها كل من لم يعترف بها كلغة رسمية لبلدنا الغالي والغني واستهان بأهميتها في تحديد هويتنا.
وعلى ضوء ما تقدم وما قد تفرزه إستحقاقات 7 أكتوبر المقبل من نتائج، فرئيس الحكومة المقبل ومعظم أعضاء حكومته ملزمون بالدستور وبالقانون أن يهتموا ويتقنوا اللغتين الرسميتن لبلدنا ليحافظوا على هويتنا المميزة وليتمكنوا من التواصل مع المواطنين بلغاتهم الأم ويساهموا مساهمة جادة في تحقيق الأهداف المنصوص عليها في الدستور وفي القرارالملكي الذي أنشأ المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية من أجل تدوين كتابة الأمازيغية ليسهل تدريسها وتعلمها وانتشارها وضمان تكافؤ الفرص أمام جميع أطفال بلادنا في اكتساب العلم والمعرفة والمساعد على تقوية الوحدة الوطنية. وكل هذه الأهداف ما زالت في مهب الريح لأن الحكومة وكثير من البرلمانيين والمفسدين في الإدارات العمومية لم يتحملوا مسئولياتهم بجدية ولم يفيدوأ إلا أنفسهم وترييش أعشاشهم وأعشاش ذويهم. فكم وزير وكم برلماني وكم مسئول كبير أبدى رغبته في تعلم إحدى روافد اللغة الأمازيغية، اللغة الرسمية الثانية لبلدنا الغالي والغني ومن تلقاء نفسه؟
ونظرا لأهمية تطبيق مقتضيات الدستور وتنفيذ توجيهات رئيس الدولة، فإنه حان الوقت ليأخد المغاربة زمام الأمور في أيديهم بجدية ويقوموا بانتخاب المخلصين والمحبين لجميع المغاربة وثقافاتهم ويطالبوا من جميع المسئولين، كل حسب مهامه ومنطقة عمله، الإلمام باللغتين الرسمييتين ويكون اتقانها شرطا من شروط الإلتحاق بالوظائف العمومية كما في بعض البلدان التي تحترم حقوق مواطنيها اللغوية والثقافية. لقد خاطب رئيس الوزراء الكندي وحتى الرئيس أوباما شريحة من مواطنيهما باللغة العربية وهي ليست لغة رسمية في بلديهما. لكن كما يقال: فاقد الشي لا يعطيه ولكن أيضا رواتب المسئولين لخدمة المواطنين تأتي من الضرائب التي يدفعها المواطنون. فرئيس الحكومة بديهي أن يتقن على الأقل أحد روافد اللغة الأمازيغية (تاشلحيت أو تامزيغت أو تاريفيت)، بالإضافة، طبعا، إلى اللغة العربية الجميلة فمنصبه يهم كل المغاربة ويتوقع منه أن يهمه كل المغاربة ويخدم مصالح كل المغاربة وهناك شكوك في قدرته على ذلك إن لم يكن ملما باللغة الرسمية الثانية التي يعتز بها كثير من المواطنين.
قد يتذرع البعض بأن الدستور ينص على صلاحية رئيس الدولة، من بين صلاحياته الدستورية، تعيين رئيس الحكومة من "الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها"، كما جاء في الفصل 47. وعلى هذا الأساس عين السيد بنكيران على وطيفة رئاسة الحكومة وهو لا يجيد أحد روافد اللغة الرسمية الثانية على علمي، لكن هذا النص لا يلزم رئيس الدولة بتعيين الأمين العام للحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب. النص واضح وضوح الشمس كل ما يقوله هو : يعين الملك رئيس الحكومة من(حرف جر، نضع خطا عريضا تحته) الحزب السياسي الذي تصدر.....
أملنا إذن كبير أن يختار الملك رئيس الحكومة المقبلة من بين أعضاء الحزب الذي يتصدر الإنتخابت والذي يلم باللغتين الرسميتين ولو لم يكن أمين الحزب الفائز. والأمل أكبر إذا استبعد الناخبون كل المفسدين وكل الذين تمتعوا من قبل بالتوظيف الوزاري في الحكومات السابقة، ألم يأخذوا أكثر من حقهم ويتمتعون بتقاعد محترم لا يحلم به غيرهم في البلدان الاخرى؟ أنقنط إذن من عبقرية اختيار المغاربة لممثليهم ولمن يثقون فيه لتدبير شئونهم؟ وعي الناخب المغربي لا يستهان به وهو قادر على إنزال العقاب على الأحزاب التي تعبث بمصالحه وقضت وترها من الحكم ولم تترك إلا أثرا سيئا والتذمر في النفوس فلا يعاد مثل هؤلاء لمراكز المسئولية فقد حان وقت دور غيرهم ليبلوا بلاءا أحسن مما جاء به الإنتهازيون الذين فرملوا تقدم المغرب لان، الشعب يريد إسقاط المفسدين الذين يكدرون صفو عيشه.
وكأنني بخطاب العرش يشير إلى : "ولا تزر وازرة وزة أخرى"، فتندموا ولا تلوموا إلا أنفسكم. هذه فرصة أخرى لاختيار الشخص المناسب للمكان المناسب والقضاء على الفساد والإستغلال. أنقنط من عبقرية المغاربة في تدبير شئونهم؟ حاشا من اليأس في قدراتهم.
*باحث وأستاذ العلوم الاجتماعية، اكادير، المغرب الآمن