المؤكد أن موضوعا في حجم هذا الموضوع يستلزم دراسة موضوعة ومستقلة، ومن المفيد أن تكون مدعمة بطرح منهجي مسنود بمفاهيم مضمرة، حتى تكون الإفادة أوسع وأعرض. وبما أن طبيعة المقال المكثف، والمضغوط، وبما في ذلك الحيز المكاني الذي يتيح هذا الأخير، تستلزم نظرة مقتضبة… فإنه قد بدا لما أن نثير الموضوع نفسه وإن بطريقة أوليّة لا أكثر حتى نسهم في لفت الانتباه إلى منظور آخر عادة ما لا نلتفت إليه أو بالأحرى لا نعي به في سياق النقاش الغالب بخصوص المثقفين وبالمغرب طبعا.

ومن المفهوم أن نطالب المثقفين بأداء أدوارهم، في مجتمعاتهم، بالنظر لظاهرة الغياب أو الاستقالة الجماعية التي راحت تلازم وجودهم وتعيينا من ناحية "الأدوار" التي من المفروض أن يضطلعوا بها... وذلك بدلا من "أخذ العصا من وسطها" موازاة مع التكيّف مع "الانتهازوية" الذكية والفائضة. ومن هذه الناحية لا حرج من النقد، وحتى النقد الجارح، ومن وجهات نظر مختلفة تنتظم في دوائر النقد الثقافي، من خلال محور "نقد المثقف"، لتتجاوز الدوائر ذاتها نحو دوائر التحليل السياسي، وللتجاوز كل ذلك نحو أحواش النقد العام.

وشخصيا نشرت مقالا كثيرة في هذا الموضوع، من المأمول أن تظهر في كتاب، مقالات تبحث في تمزقات المثقفين وخياناتهم وأمراضهم وشعبويتهم… وغير ذلك من الأعطاب والآفات والانكسارات…لكن دون أن نستقّر على طبيعة المقاربة التي تزيد من التشكيك الذي يبلغ حد كراهية هؤلاء. ونقد من النوع الأخير، وعلى النحو الذي لا يتمّ التميّيز فيه بين الأدوار والسياق، أو العاملين والبنيات، صار هو المعيار في التعاطي للمثقفين وحتى من قبل كتّـاب ومحلّلين… من الذين يفترض فيهم ألا يسقطوا في مثل هذه الكتابات والتحليلات ــ المتسرّعة ــ التي لا تتعاطى لموضوع المثقفين في سياقه الإجمالي؛ الضاغط والخانق.

يبدو جليا أننا نتعامى عن هذا السياق في نقد المثقفين وفي الهجوم عليهم وعلى نحو ما صار مألوفا ومكرورا في واقعنا الثقافي والسياسي، ولا سيما في ظل ما راح يتيحه "الإعلام الجديد" من هوامش للاعتراض. وبما أن السياسة هي "المدخل"، للتحويل المجتمعي الملموس، ومن زاوية نظر محدّدة طبعا، لنا أن نسأل ما الذي بإمكان المثقف فعله أمام "وحوش السياسة" ببلادنا وأمام "حشرات السياسة" التي لا تعرف من أين تخرج لك ومتى تخرج بالضبط؟ وبأي لغة بإمكانه الكلام بها مع هاته "البيلدوزورات" والمدفعيات الكلامية؟ وما الذي بإمكانه فعله مع أجيال متيبسة وعنيفة وغير مكترثة بالقراءة؟ وغير ذلك من الأسئلة الفاجعة إلى حد بعيد وذات الصلة بأشكال الاستكانة والتنميط على صعيد الاستجابة للموروث والحاضر. والقائمة، هنا، تطول إلى درجة لافتة إلى أبعد حد.

أعرف أنني قفزت، وقفزت كثيرا على أفكار كثيرة وضرورية، حتى أخلص إلى ضرورة ربط المثقف بمجال تحرّكه المتمثّـِل في إنتاج الأفكار ومزاولة النقد والمراجعة وتخليق البقية الباقية في هوامش الجدال والسجال… لكن دون أن نطلب منه أن يقوم بدور الملاكم الأشرس وبخاصة في سياق مثل سياقنا المجتمعي الخليط والشائه والجارف.

أنصفوا المثقفين؟