يوسف فالح

يتداول مؤخرا في المواقع الاجتماعية أشرطة تلاميذ و هم في الأقسام يعبرون عن انفلات الضبط و يسقطون شرعية أساتذتهم و أغلبيتهم تود تلقين تكوينات لهم يصنعوا بها مستقبلا يحفظ ماء الوجه ، ينسون مشاغلهم الأسرية و الشخصية ، و تجاذباتهم مع الأعلى هرمية منهم ، ينسون ترقياتهم و انتقالاتهم المنسية جانبا ، ليضحوا بالغالي و النفيس من أوقاتهم ، ليحاولوا قدر المستطاع أن يعلموا أجيال تتلوها أخرى تشكل باستمرار كينونة العباد و مستقبل البلاد و تحسم في مساراته بشكل مباشر و غير مباشر ، يواضبون و يقدمون كل شيء ، ليسمع بعضهم كلاما ساقطا في الصفوف الخلفية من القسم ، أو يسمع أهازيج الجماهير الكروية تأدى بشكل جماعي ، أو ملاسنات مع أطفال و مراهقين الذين غلبت عليهم تربية الشارع قبل البيت و المدرسة ، ليكون المعلم و الأستاذ طبيب نفسي و معلما تربوي و مصلح اجتماعي في آن واحد، منذ متى و المعلم و الأستاذ يموقع في حضيض المنظومية التعليمية هكذا و في بلدان أخرى يتربع على عروش برامجها السياسية و الحكومية و ليس حتى على مستوى السياسات القطاعية ؟ منذ متى و هو تائه بين المخططات الترقيعية و الاستعجالية و الإصلاحية و توصيات مجالس من هنا و هناك ؟ ماذا تنتظرون من هذا الشرخ و انفصاماته الممزقة ؟ ماذا يحصله بعد أجر الله تعالى و أجر رديء تدقون به آخر مسمار في نعش التعليم العمومي ؟ أين نحن من كل هذا ؟

 

الشيء الذي نتفق عليه جميعا أن منظومتنا تمر بوضعية حرجة ، و كل الامتنان لهؤلاء المعلين و الأساتذة و لضميرهم المهني الذي لا يكل ، و خصوصا العاملين في العالم القروي الذي لازال يحفظ ماء الوجه لهذا الإنسان و يقدر تضحياته و يقاوم بقساوة جغرافياته الصعبة ، و يربي أبناء العباد ، بمكانة متميزة له في البلاد ، فيهم من إلى الآخر يكمل المشوار ، و فيهم من يلقنك أبجديات الحوار و فيهم من يحسسك بخطورة العزل و الحصار ، هنا يحضرني أساتذة أجلاء ، صنعوا شخصيات لهذا الوطن ، و دافعوا من أجل ذلك ، لن أنسى ذلك اليوم في القسم الخامس ، كنا في حصة دراسية مترقبين زيارة وزير التربية الوطنية أنذاك كان لحبيب المالكي ، لن ننسى صرامة المعلم حسن بوتو عندما حذرنا أمن النظر خارج عتبات القسم و أن من حاول القيام بذلك سينال نصيبه من العقاب بعد رحيل السيد الوزير ، لكني سرقت بعضا من اللقطات لذلك ، و كانت المرة الأولى التي أرى فيها الوزير ، دون أن يلاحظ الأستاذ ذلك ، هذه الزيارة كانت بعد تنسيق أساتذة المدرسة يتربعهم الأستاذ الساحي الحسين و السيدة المديرة رقية غانمي ، أساتذة كان و لا يزال يضرب لهم ألف حساب و حساب داخل القسم و خارجه ، بمثابرتهم بعزيمتهم بيقينهم في ملكات الأطفال قبل أن يكون ا تلاميذ .
إنه لمن الصعب اختزال ذلك الشعور و وصف ذاك الإحساس ، و من المستحيل أن ترد الجميل بالمباشر ، إن لم تحاول أن تعكس صورتهم أنت وحدك ،كسفير لهم في المجتمع ، كواحد يعكس تربيتهم فيك بتلاوينهم المختلفة و بعقلياتهم المتنوعة و بتعليمهم المتمكن من إيصال الأشياء بمناهج ناجحة ، فينا العامل و الفلاح ، المقاول و العاطل ، المثقف و الإمام ، و الجندي و المعلم ...هؤلاء هم من يصنع الأوطان و يصنفونه خلية من الإيمان ، هؤلاء من يفعل كل شيء ، فرفقا بهم لأنهم هم من وضعوكم في تلك الأماكن لتكونوا مفخرة بعدها لهم ، أرجوكم لا تخذلوهم .