(*) عبد الحميد أمين ـ وأخيرا، تم اتخاذ قرار الإضراب العام الوطني الإنذاري، وتم تحديد تاريخ تنفيذه وهو يوم الأربعاء 29 أكتوبر 2014.

إن تنفيذ وإنجاح هذا القرار يشكل حدثا تاريخيا بامتياز، حيث لم تشهد بلادنا مثيلا لهاته الحركة النضالية الوحدوية منذ انتهاء عهد الحماية، نظرا لمشاركة كافة مكونات الحركة النقابية العمالية ما عدا النقابة الحكومية ذات التأثير الضعيف؛ لقد اتخذ القرار (من حيث التوقيت) من طرف قيادات التنسيق الثلاثي بين ا.م.ش، كدش وفدش. وتم تزكيته بتلقائية وحماس من طرف التوجه الديمقراطي، وانضم إليه كل من ا.ع.ش.م وفدش ــ الجناح الثاني.

وقد جاء هذا القرار ثلاثة سنوات بعد الزخم الذي عرفته حركة 20 فبراير المجيدة والتي كان للحركة النقابية العمالية المنظمة دورا متواضعا فيها، رغم أنها استفادت منها بشكل كبير من خلال التنازلات التي اضطرت الدولة إلى تقديمها لها في إطار اتفاقية 26 أبريل 2011 بغية تحييدها حتى لا تندمج بقوة في النضال العام ضد الفساد والاستبداد ومن أجل تشييد مغرب الديموقراطية بمقوماته الأساسية" الكرامة، الحرية، المساواة، العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان للجميع".

كما جاء هذا القرار كامتداد للنضالات التي قام بها التوجه الديمقراطي داخل الإتحاد المغربي للشغل من خلال الإضرابات والمسيرات الوطنية الثلاثة المنظمة بالرباط في فبراير 2012 وفبراير 2013 و فبراير 2014 وللنضالات الوحدوية المتجسدة في مسيرتي 27 ماي 2012 بالدار البيضاء و31 مارس 2013 بالرباط ــ المنظمتين من طرف مركزتي كدش وفدش والتي شارك فيها الاتحاد المغربي للشغل / التوجه الديمقراطي ــ وفي المسيرة الوطنية ليوم 06 أبريل 2014 بالدار البيضاء المنظمة من طرف ا.م.ش وكدش وفدش والتي شارك فيها كذلك التوجه الديمقراطي داخل ا.م.ش.
وجاء هذا القرار كنتيجة للعمل الوحدوي المتجسد في التنسيق ــ وإن ظل فوقيا لحد الآن ــ بين المركزيات النقابية الثلاث ا.م.ش وكدش وفدش والذي تم تثمينه بقوة من طرف التوجه اليمقراطي في ا.م.ش الذي سهر على وضعه في إطار واضح هو إطار الوحدة النضالية في أفق الوحدة النقابية التنظيمية المنشودة (مركزية نقابية واحدة لطبقة عاملة لها مصالح موحدة) وفي إطار النضال الوحدوي التصاعدي في أفق الإضراب العام الوطني ونادى بل وعمل على تقعيد التنسيق النقابي ليشمل التنسيق بين المناضلين/ات النقابيين والتنظيمات النقابية على مستوى سائر القطاعات المهنية والاتحادات المحلية.

كما جاء قرار إضراب 29 أكتوبر كتجسيد للشعار الذي رفعه التوجه الديمقراطي منذ أزيد من سنتين والمتجسد في النضال الوحدوي التصاعدي في أفق الإضراب العام الوطني.
إن قرار الإضراب العام الوطني الإنذاري قد اتخذ بموافقة الأجهزة التقريرية للمركزيات النقابية المشاركة فيه وحددت طبيعته في كونه إضراب لمدة 24 ساعة يشمل كافة المناطق والقطاعات (الوظيفة العمومية، الجماعات الترابية، المؤسسات والمقاولات العمومية والقطاع الخاص بكل شركاته ومهنه سواء تعلق الأمر بالصناعة أو المناجم أو الفلاحة أو النقل أو الخدمات أو التجارة.
 والآن ماذا بعد اتخاذ قرار الإضراب العام الوطني ليوم 29 أكتوبر؟

 إذا كانت الطبقة العاملة وعموم الشغيلة مبتهجين لهذا القرار التاريخي الذي سيعيد لهم المبادرة بعد أن ظلوا منذ خفوت حركة 20 فبراير في نهاية 2011 عرضة للقرارات المعادية لحرياتهم ومكاسبهم وحقوقهم، فإن الباطرونا والقوى المخزنية وفي مقدمتها الحكومة الرجعية غير راضين على هذا القرار وهم يفكرون بدون شك في طريقة إجهاضه إما بالتراجع عن القرار وإما بتطبيقه بشكل جزئي وغير مؤثر عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بهدف إظهار لا جدوى الإضراب العام الوطني وإحباط الشغيلة.
ونحن نلاحظ منذ الآن أن الأوساط المعادية للإضراب تشن حملة ضده بدعوى أنه غير مبرر وأنه يمس السلم الاجتماعي متناسية الحرب الطبقية على الحريات والمكتسبات والحقوق التي تشنها الدولة خاصة منذ مطلع 2012. كما أن هذه الأوساط تحذر مما تسميه بعرقلة حرية العمل التي يعاقب عليها القانون الجنائي بموجب الفصل 288 المشؤوم؛ وهذه الأوساط تعتبر طبعا أن الإضراب والتعبئة لإنجاحه هما بمثابة عرقلة لحرية العمل! وهذه الأوساط تلوح كذلك بالاقتطاع من أجور المضربين وهو ما لم يعد يخيفهم إدراكا منهم أن ما يخسرونه بالاستسلام للقرارات العدوانية ضد مكاسبهم أكبر بكثير من قيمة الاقتطاعات بسبب الإضراب. ويكفي أن نذكر بالنسبة للموظفين أن الزيادة المرتقبة بـ 4 % في الاقتطاع من أجورهم لتمويل الصندوق المغربي للتقاعد تساوي أجرة 12 يوما من العمل!
 اعتبارا لما سبق، إن المطروح على القيادات النقابية المخلصة للطبقة العاملة وعلى عموم المناضلين/ات النقابيين هو العمل على تحصين قرار الإضراب العام الوطني الإنذاري وعلى إنجاحه.

إن تحصين قرار الإضراب العام الوطني يستوجب العمل على تنفيذه في التاريخ المحدد وبالحجم المطلوب وذلك مهما كان الأمر.
لقد اتخذ القرار بعد أن طالبت النقابات لمدة طويلة بالحوار الاجتماعي ولم تستجب الحكومة لهذا الطلب. إذن، إذا كان هناك من حوار فلن يقبل إلا بعد إنجاز الإضراب العام الوطني ليوم 29 أكتوبر.
لذا لا بد أن ننبه ونحذر من المناورات المخزنية والانتهازية الساعية إلى التراجع عن تطبيق قرار الإضراب العام الوطني في وقته وشكله وحجمه المحددين.
إن تحصين قرار الإضراب يستوجب الدخول بقوة في التعبئة لتنفيذ قرار الإضراب مما يساعد من جهة على إنجاحه ومن جهة أخرى على قطع الطريق أمام التراجع عن تطبيقه بدعوى مبادرات لآخر لحظة متمثلة في حوارات أو وساطات أو تحكيمات أو "تنازلات" حكومية أو قرارات عليا.
إن إنجاح الإضراب العام يستوجب أن يشمل الإضراب كافة المناطق والقطاعات وطيلة 24 ساعة وأن يتم شل الحركة الاقتصادية والإدارية طيلة هذه المدة حتى يدرك الجميع أن الطبقة العاملة هي القوة الأساسية في بلادنا وأنه لا مناص من الاستجابة لمطالبها الملحة. ويجب كذلك أن يمر الإضراب في أجواء سلمية ومسؤولة والتزام اليقظة والحذر من أتباع المخزن المسخرين لتعكير جو الإضراب.
فهل ننسى افتعال المخزن لأحداث عنيفة في نهاية يوم 20 فبراير 2011 وذلك لتخويف المواطنين/ات وثنيهم عن الخروج مجددا في إطار حركة 20 فبراير؟
 فما هي إذن متطلبات تحصين قرار الإضراب العام وإنجاحه؟
 إن القيادات النقابية مطالبة بلعب دورها في هذا المجال لأنها مسؤولة عن قيادة معركة 29 أكتوبر وسيحاسبها التاريخ إيجابا أو سلبا ارتكازا على أدائها وعلى نتائج المعركة.
 إن مسؤولية المناضلين/ات النقابيين وعموم المناضلين/ات المخلصين لمطامح الطبقة العاملة لا تقل عن مسؤولية القيادات النقابية. وهم مطالبون بالتعبئة الشاملة، ليل نهار لإنجاح المعركة بالتعاون والتنسيق المنظم فيما بينهم.
لقد نادى التوجه الديمقراطي داخل الاتحاد المغربي للشغل إلى خلق تنسيقيات دائمة بين المناضلين/ات النقابيين من مختلف النقابات والمناضلين/ات التقدميين الآخرين الغيورين على مصالح الطبقة العاملة تفعيلا لشعار تقعيد التنسيق النقابي الذي لا يجب أن يبقى محصورا في الأجهزة التنفيذية ولكن أن يمتد للتنظيمات القطاعية وللتنظيمات الموازية (الشباب، النساء العاملات، المتقاعدين/ات) وللاتحادات المحلية. وإن التعبئة لإنجاح الإضراب العام هي فرصة لا تعوض من أجل تشكيل هذه التنسيقيات النقابية القطاعية والمحلية.

ونعتقد أن هذه التنسيقيات، وإن كانت تتكون أساسا من المناضلين/ات النقابيين، فيجب أن تكون مفتوحة لسائر المناضلين/ات التقدميين الغيورين على مصالح الطبقة العاملة من طالبات وطلبة تقدميين داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ومعطلين/ات من الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب والمجموعات الأخرى وحقوقيين /ات ومناضلي/ات الأحزاب والقوى السياسية التقدمية وشبيباتها، ومناضلين/ات تقدميين داخل الحركة النسائية والحركة الأمازيغية وغيرها.
 إن الحركة النقابية العمالية رغم القوة التي ستكتسبها من خلال العمل الوحدوي، خصوصا إذا ما تم تقعيده، ستظل غير قادرة لوحدها لإنجاح الإضراب العام الوطني بشكل كلي نظرا لضعف تواجدها في القطاع الخاص الصناعي والفلاحي والخدماتي وفي قطاع الأشغال العمومية والبناء وحتى في بعض المقاولات العمومية وكذا وسط الحرفيين والتجار الصغار والمتوسطين.

لذا لا بد من إشراك قوى أخرى للمساهمة في التعبئة لإنجاح الإضراب العام. ومن هنا ضرورة التوجه إلى التنظيمات السياسية التقدمية وشبيباتها، إلى تنظيمات المعطلين وفي مقدمتهم الجمعية الوطنية وإلى الفصائل الطلابية التقدمية وإلى النقابة الوطنية للتعليم العالي وإلى التنظيمات الحقوقية والنسائية والثقافية والجمعوية الأخرى لحثهم على المساهمة في التعبئة لإنجاح الإضراب العام كل من موقعه وحسب إمكانياته وعلاقاته بالشغيلة المدعوة للمشاركة في الإضراب العام.
لابد من التوجه كذلك إلى تنسيقيات حركة 20 فبراير لتلعب دورها الكامل في إنجاح الإضراب العام الوطني. إنها فرصة جديدة لتلاحمها مع الحركة النقابية العمالية. ألم تكن هذه الحركة وبشكل كبير وراء مكتسبات اتفاق 26 أبريل 2014؟ ألم يتم تجميد تفعيل هذا الاتفاق مع التراجع النسبي لحركة 20 فبراير التي مازالت رغم ذلك حية لم تمت رغم كيد الكائدين وقمع المخزنيين وشماتة المتخاذلين، وتراجع الانتهازيين.
ولا شك أن اليوم النضالي الوطني 44 الذي سينظم يوم الأحد 26 أكتوبر تحت شعار "كل الدعم للإضراب العام الوطني والحرية للمعتقلين السياسيين" سيكون مناسبة ليس فقط لطرح الأهداف والتقليدية للحركة ولكن كذلك للتعبئة الجماعية لإنجاح الإضراب العام الوطني.
 وماذا بعد الإضراب العام الوطني الإنذاري ليوم 29 أكتوبر
 لا يمكن الآن أن نتصور بدقة مدى نجاح الإضراب العام الوطني، وإن كنا ندرك أن المخزن سيبذل قصارى مجهوداته ليبقي زمام المبادرة في يده من خلال تمييعه أو العمل على تحجيم قوته بل وحتى الاستفادة من تأثيره.
لكن وهذا هو الأساس، إن المخزن ليس وحده في الساحة وهذه المرة هناك الإرادة العمالية القاعدية وهناك إرادة المناضلين/ات التقدميين وإرادة الشعب الرافض لتدهور أوضاعه المعيشية وللطغيان المخزني الذي تفاقم مع حكومة عبد الإله بنكيران.

ومهما يكن من أمر: فإما أن يسفر الإضراب عن تحقيق المطالب الملحة للشغيلة، وهذا شيء مهم سيشجع على المزيد من النضال مستقبلا وفي ظل وحدة نضالية تتقوى باستمرار، وإما أن تواصل الحكومة تعنتها في انسجام مع المخططات الإمبريالية المتجسدة في إملاءات صندوق النقد الدولي، وهنا لابد أن نستحضر بأن إضراب 29 أكتوبر هو إضراب إنذاري وسيكون له ما بعده من نضالات عمالية وشعبية وطنية تصعيدية اعتبارا للمقولة الرائعة "ما لا يؤخذ بالنضال، ينتزع بالمزيد من النضال".
 إن الأجواء النضالية التي تعيشها والطبقة العاملة تتطلب تعزيز الوحدة النضالية في أفق الوحدة النقابية التنظيمية المنشودة؛ وهذا ما يستوجب بدوره تصحيح الأوضاع التنظيمية داخل كل مركزية نقابية على حدى على قاعدة المبادئ التنظيمية الأصيلة المتجسدة في الجماهيرية والوحدة والديمقراطية والاستقلالية والتضامن والتقدمية ووفقا للشعار الخالد: "خدمة الطبقة العاملة وليس استخدامها". وبكل تأكيد لا يمكن الدعوة للوحدة النقابية مع خلق شروط الانقسام والتشتت!
ولابد من الإشارة هنا بالخصوص للوضع التنظيمي داخل مركزيتنا النقابية الاتحاد المغربي للشغل والذي نتج عن المخطط الاستئصالي للتوجه الديمقراطي داخله والذي انطلق في 05 مارس 2012 مؤديا إلى تقسيم عدد من الجامعات الوطنية الأساسية والاتحاد النقابي للموظفين والاتحادات المحلية والجهوية والتنظيمات الموازية.
ونحن نعتبر أن مصلحة الإتحاد المغربي للشغل ككل ومصلحة مجمل الحركة النقابية العمالية تقتضي التراجع عن هذا المخطط الاستئصالي ومعالجة مخلفاته السلبية على قاعدة:
ــ احترام القانون الأساسي للاتحاد المغربي للشغل ونتائج مؤتمره العاشر الأدبية والتنظيمية.
ــ فتح المقرات أمام جميع مناضلي/ات مركزيتنا.
ــ إلغاء قرارات الطرد التعسفي من المركزية لعدد من الأطر النقابية.
ــ إعادة توحيد التنظيمات القطاعية والاتحادات المحلية المقسمة نتيجة لخطة الاستئصال.
ــ العمل على دمقرطة وتخليق العمل النقابي.

 وأخيرا لا بد من الإشارة إلى رمزية تزامن الإضراب العام الوطني مع اليوم الوطني للمختطف وللذكرى 49 لاختطاف القائد السياسي التقدمي المهدي بن بركة في 29 أكتوبر 1965 والذكرى 42 لاختطاف المناضل النقابي التقدمي المنتمي للاتحاد المغربي للشغل الحسين المانوزي في 29 أكتوبر 1972.
إن هذا الإضراب هو طبعا مناسبة لاستذكار أرواح مناضلي الشعب المغربي الذين اختطفوا وعذبوا واستشهدوا نتيجة معارضتهم للطغيان المخزني وكذا للمطالبة بكشف الحقيقة الكاملة عن سائر المختطفين ببلادنا ومتابعة المسؤولين عن الاختطافات واتخاذ الإجراءات لجعل حد نهائي للاختطاف ببلادنا.
وإننا بدون شك بعد مشاركتنا الحماسية في الإضراب الوطني ليوم 29 أكتوبر سنشارك كذلك في التظاهرات والأنشطة لإحياء يوم المختطف مبرزين بذلك أن النضال النقابي من أجل حقوق الشغيلة والنضال الحقوقي جزء من مسيرة واحدة، مسيرة الشعب المغربي نحو الديمقراطية والتحرر من الاستغلال.

(*) عبد الحميد أمين

عضو الأمانة الوطنية للاتحاد المغربي للشغل
المنبثقة عن مؤتمره العاشر (دجنبر 2010)
ومناضل في التوجه الديمقراطي داخل الاتحاد