بشكل مثير، وبخطى ثابتة، تواصل السلطات المغربية عبر أجهزتها ومؤسساتها هجومها على الصحافة وخاصة الإلكترونية منها، غير آبهة بالاحتجاجات والانتقادات الإعلامية والحقوقية الوطنية والدولية المنددة بالتراجعات التي يشهدها المغرب على مستوى حرية التعبير والصحافة والإعلام، وضاربة عرض الحائط بكل الالتزامات الرسمية والنصوص الدستورية الضامنة لهذه الحقوق، وضدا على حرية التعبير وقانون الصحافة وضدا على المواثيق والعهود الدولية التي تكفل تلك الحقوق..

فبعد مجموعة من المضايقات والمحاكمات التي يتعرض لها زملاء ينتمون لمختلف التلاوين الإعلامية، هاهي السلطات تكشف مجددا عن وجهها القبيح والبشع، حيث في ظرف قصير برزت مجموعة كبيرة من المضايقات والمحاكمات والاعتقالات وبشكل أقوى هاته المرة على الساحة الإعلامية وسط ذهول الفاعلين والمهتمين، فهل هذا يعني أن السلطات وصلت لمرحلة السرعة النهائية بعدما حرقت كل المراحل في سياق الردة التي يشهدها المغرب بعد المكاسب الهشة التي تحققت إبان حراك الشباب سنتي 2011 و 2012، لوضع حد للهامش الكبير من الحرية الذي فرضته مواقع إلكترونية محددة، والتي تعيش تحدي المحافظة على هذا المكسب الغالي ؟.

فأمام استمرار حجب موقع "لكم" في صيغته الأولى، واستمرار اعتقال الصحفي مصطفى الحسناوي، والحكم الذي صدر في حق عبد الصمد الزياني مدير "جورنال الريف"، وطرد صحفية ب"وكالة المغرب العربي للأنباء" دون أن تكون لذلك أسباب واضحة، وبعد أن رفضت السلطات في سلوك غريب منح الصحفي علي المرابط شهادة سكنى لتجديد أوراق هويته، وبعد تغريم موقع "كود" 50 مليون كتعويض لفائدة محمد منير الماجدي الكاتب الخاص للملك، وجر عدد معتبر من الصحفيين الإلكترونيين أمام القضاء،ها هي المحاكم المغربية تسابق الزمن كما تشير إلى ذلك كل الدلائل من أجل وضع حد لمسيرة "بديل" الإعلامية .

ما سبق يؤكد بوضوح أن المربع الصانع للقرار ببلدنا منزعج من الإعلام الإلكتروني، ولم يعد يحتمل استمرار خطوطه التحريرية المنتقدة والمنحازة للهموم والأولويات الحقيقة للمغاربة خاصة وأنه في المدة الأخيرة اقترب من مواضيع وملفات بالنسبة للحكام خط أحمر، هذا إذا علمنا أن السلطة عملت على استمالة العديد من الأقلام ورموز الإعلام الإلكتروني، وهي تريد أن تقول بهذه الخطوات أن على الجميع الدخول لخيمتها وإلا فالعصا هو الأسلوب المنتظر .

لكن أين وزير الاتصال مصطفى الخلفي المنتمي لحزب العدالة والتنمية من كل ما يجري ؟ الرجل يا سادة يعيش خارج زمانه، فهو لا زال يعتبر على أن المغرب ينعم بالحرية، وأن إعلامه يعيش أزهى أيامه، مستعينا بقاموس من المفردات والمصلحات الفضفاضة التي تجعل المتتبع الرزين يتساءل باستمرار، ألهذه الدرجة يجعل الكرسي الوثير الجالس عليه يصمت عن كل هاته الانتهاكات ؟ حتى أنني في آخر لقاء حضرته بحضور الوزير كنت أقول، هل فعلا وزيرنا يعيش بيننا أم أنه نزل لتوه من مركبة فضائية أتت به من كوكب آخر؟

هذا يعني أن الخلفي لا يعرف أصلا ما الذي يخطط ويحاك ضد الصحافة الإلكترونية، لكن وهذا هو الغريب، يخرج في كل مرة ليدافع عن اختيارات لا يشارك فيها أصلا وكلنا يتذكر كيف خرج بمعيته زميله في الحكومة وزير العدل والحريات يدافع عن اعتقال علي أنوزلا، ليتضح في ما بعد أن الملف برمته فارغ، وأن الهدف كان هو إيقاف مسيرة موقعه الإلكتروني الذي استقطب ما يكفي من الزوار والقراء كانت ستجعله يتسيد ساحة الإعلام الإلكتروني خاصة وأنه أصبح معتمدا لدى معظم المتتبعين من داخل وخارج المغرب .

إبان حراك الشباب لم تكن تجرأ السلطة على اللعب المباشر مع الصحافة الإلكترونية، وكانت تلجأ إلى أساليب أخرى أقل تكلفة، منها إنشاء مواقع إلكترونية مقربة منها مهمتها الأساسية مواجهة كل المنتقدين من إعلاميين وحقوقيين وسياسيين ونقابيين وعلماء.. لكنها اليوم وبعد أن تراجع إن لم أقل انطفأت شعلة الحراك فإنها فضلت اللعب المباشر قد يكون مفيدا لها لكنه سيكون مكلفا من الناحية الإعلامية والحقيقية وعلى مستوى سمعة المغرب الدولية، فحذار من الاستمرار في هذا النهج المخيب.

عبد الله أفتات
*رئيس الاتحاد المغربي للصحافة الإلكترونية
[email protected]