اسمحولي بداية أن أنطلق من الذاتي نحو الموضوعي، من حدث شخصي ضيق إلى تحليل موضوعي أوسع... من نقاش في موقع افتراضي إلى واقع تعليمي مزر يهدد مستقبل الأجيال القادمة.

يتعلّق الأمر بمنشور نشرته على موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" يقول بالحرف:
( رفض الشاب المصري سلام وتحية الإسرائيلي أمام الجمهور العريض، وأمام كاميرات العالم التي توثق للحدث...كان هذا الإسرائيلي ذكيا (وإن كان سلوكه عفويا) لأنه سوّق صورة طيبة عن أخلاقه وعن بلده الذي يحمل علمه، بينما كان المصري العربي المسلم غبيّا جدّا (وإن كان سلوكه عفويا كذلك) لأنه برهن على وضاعة أخلاقه وضيق روحه الرياضية ... لا تلوموا الشعوب التي تتعاطف مع إسرائيل ضدا على العرب والمسلمين، بل لوموا أنفسكم فأنتم من تصنعون صورتكم في مخيالهم").

سيكون عاديا بل وصحّيا جدّا أن يثير المنشور نقاشا واختلافا بين الأصدقاء والصديقات، على أن يطبعه الاحترام المتبادل والهدوء وتقبل اختلاف الرؤى ووجهات النظر، ولكن الغير عادي ولا الصحي ولا السليم البثة أن يهاجمك صديق حميم اشتركت معه ذكرى سنوات الدراسة الجامعية لا لشيء إلا لأنك بمنشورك هذا (في نظره) ضربت في مضمون آية تعتبر اليهود أشد الأمم كرها للمسلمين...ويقرّر حظرك على الحال وإعلان القطيعة التامة فقط لأنك لا تتفق معه إزاء قضية معينة، لا بل ليست قضية معينة كباقي القضايا؛ إذ كثيرة هي القضايا التي نختلف فيها دون أن ننتهي للقطيعة إلا الطابوهات الاجتماعية وعلى رأسها قضية الدين وما ارتبط بها من أسئلة واشكالات...

إن المشكلة الحقيقية التي أريد الخوض فيها (للتمثيل وليس للشخصنة) هي كون صديقي أستاذا لمادة علمية مهمة، وهو ما يجعلني أتساءل عن طبيعة القيم التي سيلقنها لتلاميذه، هل سيعلمهم قيم الحوار والتفتح وتقبل الاختلاف، أم سيدعوهم إلى الانغلاق والتشدد والقطيعة !!! خصوصا إذا استحضرنا طابع القدسية الذي يرتبط بقضايا الدين، وإذا استحضرنا مسألة الثواب الإلهي الذي يطمح إليه كثير من الأساتذة فيحوّلون حجرة الدرس إلى مساجد للوعظ والإرشاد الديني اعتقادا منهم أنهم يساهمون في التصدي لكل المؤامرات التي تحاك ضد الإسلام والتي يسوّق لها "أذناب الشياطين" من دعاة الحداثة الفكرية (مثلما وصفهم أحد الأئمة على منبر الجمعة). وقد يكون الدافع الديني للأستاذ أقوى بكثير من دافعه المهني، فلا يفوت فرصة إلا ويتحوّل إلى واعظ داخل حجرة الدرس بغض النظر عن المادة التي يدرّسها.

إن مشكلة التطرف الذي يحاصرنا لا تتعلق أبدا بمادة معينة يجب تنقيحها أو مراجعتها أو حتى إلغاؤها وإن كان ذلك ضروريا...المشكلة أعمق من ذلك بكثير، تتعلّق بالفاعل الأساسي في العملية التعليمية التعلّمية وهو الأستاذ، إنه يتحول إلى واعظ في جلّ المواد. وقد عايشت هذا وأنا تلميذ بمختلف الأسلاك، ولا شك أن كلّ من تتلمذ بالمدرسة العمومية المغربية يعي هذا الوضع جيّدا - (قد نقبل بهذه التجربة الذاتية في غياب دراسات تؤكد المعطى)- بل الأعجب أن العدوى وصلت إلى مادة الفلسفة التي تعنى أساسا بالحث على إعمال الفكر الإنساني في كل شيء، إذ بلغني أن أستاذة للفلسفة قالت لتلاميذها وهي تشرح لهم نص اسبينوزا "ما تديوش عليه راه كان ملحد غير كيخربق"...

يجب أن نفهم جليّا أن هذا الخطر مستشر بقوّة في مدرستنا العمومية ولا يتعلّق بحالات معزولة كصديقي هذا أو غيره، بل إن الحالات المعزولة في مدرستنا العمومية تتعلق بالجانب الآخر من الأساتذة المتنورين الذين يسعون لنشر قيم الانفتاح والتعايش وتلقينها لتلاميذهم، رغم أنهم يجابهون تيارا قويّا من المحافظين لديه كافة الوسائل والشروط التي تؤهله لنجاعة أفضل. وما أكثر الأساتذة المتنورين الذين صاروا منبوذين ومنبوذات في المؤسسات التي يشتغلون بها لأنهم اختاروا التنوير بدل التظليل، فوصل الأمر إلى تحريض تلاميذهم ضدّهم من طرف القوى المحافظة.

ولعل أكثر مفهوم يجري على لسان الأساتذة كلّما سمح لهم السياق بذلك هو مفهوم "العلمانية"، حتى صار كل التلاميذ من الابتدائي إلى الثانوي يفهمون العلمانية (فهما مشوّها بطبيعة الحال)، تجدهم يقحمون العلمانية في كل نقاش ديني ك"نقيض" للإسلام، ويكبرون ويكبر معهم كرههم، وقد يصيرون أطباء ولا زالوا يحملون معهم الفهم الخاطئ الذي درسوه "عشوائيا" في المدرسة. فناذرا ما يبحثون عن الحقيقة خارج حجرات الدرس، لأن معضلة مدارسنا أنها تدرسنا "الحقائق التاريخية المطلقة" وليس "معطيات معرفية نسبية"، إنهم يشكّلون عقول التلاميذ على مقاس معيّن عندما يشحنونه بالحقيقة التي لا تقبل مجرّد تساؤل حتى حول تفاصيلها فما بالك بماهيتها...

إن أهم خصيصة يتميّز بها الفكر الديني (المشوّه) - الذي لا يكف جلّ الأساتذة عن نشره (بمختلف تخصصاتهم) بهدف تحصيل الثواب – هي الدوغمائية، فالدوغمائي يقدم فكرة معينة على أنها حقيقة غير قابلة للتشكيك ولا النقاش، ولا يأتي بأي دليل منطقي أو تجريبي عليها ولا يمكن أن يضعها موضع تمحيص أبدا...هذا هو الفكر الجامد المتصلّب الذي ينتج العنف، لأن العنف ينتج عن اصطدام الرؤى وعن القطيعة التامة، فالفكر الدوغمائي ينتج الكراهية والكراهية تريق الدماء...
لقد ارتوت الأرض حتى تفتقت عيونها من سيول الدماء على طول البلدان الإسلامية بفعل الفكر الدوغمائي الإقصائي الذي يؤمن صاحبه أن الحقيقة في صفه هو فقط، وبأن كل المخالفين على خطأ وضلال، وبأنه واجب عليه الدفاع عن فكرته المقدسة بكل الوسائل حتّى وإن قُتِلَ أو قَتَلَ من أجل ذلك، وأكيد أن هذا الوضع ساهم في صنعه تعليمنا المعطوب بالأساس، وصحيح أننا لن نغيّر الماضي ولكن، هل نتطلع إلى مستقبل للتعايش والانفتاح والسلم ؟؟ أكيد أننا نتطلع لذلك، ولكننا لن ننجح أبدا بأساتذة شباب متصلّبون دوغمائيون يعيدون إنتاج نفس نمط الفكر التقليداني في تلاميذهم...بدل أن يحملوا مشعل التنوير ويساهموا في خلق وطن وعالم أفضل يسع الجميع بكل انتماءاتهم المختلفة.

رشيد لبيض باحث في سوسيولوجيا الأديان/ LAREPS بجامعة فاس