تعتقد الأغلبية الساحقة من "المؤسسات" و"الأحزاب" في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنها وحدها تمتلك كل الحقائق، وأن غيرها من الأفراد والتنظيمات على خطإ إلى أن يؤمنوا بحقائقها، ما يدلّ على أن بنياتها الفكرية والتنظيمية شبه أصولية. فإذا كان كل فَقِيه يزعم أنه يُجسِّد الحقيقة المطلقة ويَجُبُّ ما قبله وما بعده، فأغلب "الأحزاب الوطنية واليسارية والطائفية والقبلية" تقول الشيء نفسه على طريقتها.

فلا وجود للآخر في نظرها إلا بقدر ما يؤمن بما تقوله، مما جعلها "أحزابا" لا تختلف في شيء عن الجماعات الدينية المنغلقة. أضف إلى ذلك أن العلاقات التنظيمية بين أعضاء "الحزب" وأجهزته لا تختلف عن العلاقات بين شيوخ الطوائف الدينية ومُريديهم... بهذا المعنى، صارت "الأحزاب" في منطقتنا أحزابا شبه أصولية شكلا وجوهرا، ما نجمت عنه آفات كبيرة في ثقافة مجتمعاتنا وفي علاقات الأفراد والجماعات والمثقفين في ما بينهم... وهذا ما أصاب العمل السياسي بعاهات خطيرة...

والحق أن الحزب يجب أن يكون ملتقى لجميع الأفكار وكل الأشخاص بصرف النظر عن مشاربهم وتنوعهم، إذ بدون ذلك سيكون مجرد جماعة دينية سياسية منغلقة على ذاتها وتحارب غيرها. فالعمل السياسي عمل شراكة مفتوح في وجه المنتمي للحزب وغير المتحزب على السواء. لكن زعامات الأحزاب عندنا غير مؤهلة لإدراك ذلك ولا تقدر على إنجازه، كما أن القوى التي تتحكم فيها من خارج تنظيماتها ترفض ذلك. إنها فقط أدوات لا إرادة لها، بل هي مجرد كرة بين أقدام هذه القوى... أضف إلى ذلك أنها مأخوذة فقط بشهوة الحصول على كراسي في ما يسمَّى بـ "المؤسسات المنتخبة" و"الحكومة" حتى لو اقتضى منها ذلك استخدام أساليب لا أخلاقية وغير مشروعة...
والدليل على ذلك أنها لم تعد تتحدث عن إصلاح المجتمع والدولة، حيث دخلت زعامات "الأغلبية" و"المعارضة" في المغرب، مثلا، في صراع الدِّيكة الكاذب بدل صراع الأفكار والمشاريع، فانحط النقاش وكشف أننا لا نتوفر على برلمان ولا على حكومة، ولا على مؤسسات. فلا فرق بين ما يسمى بـزعامات "الأغلبية والمعارضة" عندنا، فهما تخدمان مشروع القوى التي صنعتهما، حيث تكتفي كل واحدة منهما بلعب الأدوار التي أوكلها إليها أسيادها في مسرحية عبثية من كتابة وإخراج هؤلاء بغية تضليل الشعب والرأي العام الدولي. فقد عملت "الحكومة" على خنق الشعب المغربي على جميع الأصعدة، كما لجأت بعض زعامات ما يسمى بـ "المعارضة" إلى شقِّ صفوف التنظيمات النقابية للحيلولة دون حدوث نضالات اجتماعية... وبذلك ساعدت "المعارضة" "الحكومة" على ضرب مختلف حقوق الشعب المغربي التزاما منهما بتعليمات بعض القوى الخارجية...
في صلة بما سبق، يطرحُ البعض سؤالا مشروعا، هو: ما أسباب ضعف تأثير المثقفين في مجتمعاتنا؟ يبدو لي أن ذلك راجع إلى عدم اعتراف النظام الاجتماعي والمجتمع بالمثقف بكونه صاحب سلطة رمزية تؤهله للفعل في المجتمع، ومفكرا مستقلا وباحثا بحرية عن الحقيقة... وما دام الأمر كذلك، لا يجب انتظار أن يكون للمثقف أي تأثير في منطقتنا. فالمثقف لا يؤثر ما لم تقبل به السلطة باعتباره جزءا من المؤسسة الرسمية رغم معارضته لها.
يجب ألا ننسى موقف الرئيس " شارل دوغول" عندما ضبط رجال الأمن الفرنسي في نهاية الستينيات الفيلسوف "ج. ب. سارتر" وهو يبيع جريدة يسارية، وأرادوا اعتقاله، فطلبوا من الرئيس " شارل دوغول" ترخيصا، فردَّ هذا الأخـير قـائلا: هل تـريدون مني أن أعتـقل "فولتير"؟! إنني لن أوافق على ذلك. ويعني هذا أن المؤسسة الرسمية الفرنسية تنظر إلى المثقف بكونه جزءا منها رغم معارضته لها، مما جعل رئيسها يحترمه.
إذا كان للمثقف الغربي وجود في المؤسسة الرسمية، فالمثقف العربي مرفوض من قِبَل كل المؤسسات السياسية والمجتمعية في منطقتنا، لأنها مجرد تنظيمات قَبَلِية وطائفية تفرض طبيعتها ذلك. وهذا ما يفسر عدم توفرنا على مؤسسة ديمقراطية تعترف بالمثقف الحرّ، بل إن المؤسسات الرسمية والحزبية عندنا ترغب فقط في مثقفين موظَّفين. والمثقف الذي يكونُ مُسخَّرا تنتفي فيه صفة المثقف بالمعنى الحقيقي للكلمة في عصرنا، لأنه يكون منعدم الإرادة والحرية، في حين لا يكون المرء مثقفا ما لم يكن حرا، لأنَّ الحرية شرط أساسي للبحث والإبداع والابتكار وإنتاج المعرفة بشكل مستمر...