عن عمر ناهز 90 سنة رحل الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو عن عالمنا تاركا وراءه إرثا تاريخيا لا شك أنه سيظله تأثيره على كوبا وشعبها لسنوات قادمة، بعد أن حكمها بقبضة من حديد طيلة خمسة عقود من الزمن، قبضة "ديكتاتورية البروليتاريا" التي كرس لها حياته لتحقيقها مع رفيق دربه أرنيستون تشي جيفارا، من خلال قيامهم "بثورات" جابت مختلف أرجاء أمريكا اللاتينية ملهمين العالم بها كنموذج للتحرر في سنوات المد الشيوعي العالمي بقيادة الإتحاد السوفييتي سابقا.
رحل كاسترو الأسطورة، الذي ظل يصارع طواحين الرياح الرأسمالية، من أجل أن يعيش الفقراء وعموم الكادحين الحياة الكريمة والعيش الكريم بعد أن يقوم بتحويل مسار الصراع الحقيقي من صراع طبقي بئيس إلى صراع مع الطبيعة، الطبيعة التي صارعها الإنسان في سياق تطوره التاريخي قبل أن تنقض عليه البرجوازية، في انقلاب تاريخي لتستغله في تحقيق تراكم الرأسمال على حساب الطبيعة والطبقة العاملة وعموم الكادحين.
هكذا عاش كاسترو كما عاش جيفارا وآخرون أيام الزمن الشيوعي الجميل، زمن الشعارات والمواقف التي كان مسعاها تمكين الشعوب المطهدة المستغلة من الحرية والتحرر، لكن واقعها كان أشد وطئة من البرجوازية ونظامها الرأسمالي نفسها حيث ما إن تم السيطرة على هذه الشعوب في بعض دول العالم كأوروبا الشرقية وإفريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية، حتى بدأت تطبيق الديكتاتورية المشروعة والاضطهاد المشروع في حكم الشعوب باسم الحرية والتحرر.
إلا أن المسار التاريخي للدكتاتوريات العالمية كان مآلاها الزوال، كان مآلها أرشيف التاريخ، دكتاتوريات طالما تغنت بمواجهة البرجوازية المتعفنة والرأسمالية المتوحشة، متناسية أن الشعوب هي المقياس الأساسي للحرية، لأنها هي الباحثة عنها فإن لم تستطع العيش فيها، فإنها الأقل لن ترضى بالديكتاتورية كيفما كان شكلها حتى وإن كان باسمها.
"إن الإنسانية لا تطرح إلا تلك المشاكل التي تستطيع حلها"، هكذا قالها منظر الشيوعية كارل ماركس في أحد كتاباته، وربما أن البشرية كانت تطرح من بين مشاكلها إزالة الديكتاتوريات وإدخالها أرشيف التاريخ ربما أن البشرية طرحت بشكل ملح من بين مطلبها التحرر من الدكتاتوريات كيفما كان شكلها وفلسفلتها وإيديولوحياتها.
وفعلا انهارت الديكتاتوريات وسمت الشعوب عاليا، انهار الاتحاد السوفييتي ودخل ارشيف التاريخ من بابه الواسع وهاهي وريثته غير الشرعي روسيا تساند دكتاتورية نظام الأسد، بعد أن ساندت دكتاتورية القدافي وآخرين، كما ساند الاتنحاد السوفيتي سابقا دكتاتورية القائد كاسترو الذي دخل في هذه اللحظات التاريخ من بابه الواسع، بعد أن بدأت بوقت قريب معالم التحول في كوبا تتضح في الأفق بعد الانفتاح الذي عرفته مع الولايات المتحدة الأمريكية مع إدارة أوباما، والأكيد أن العالم لازال في انتظار من يدخل أرشيف التاريخ من بابه الواسع، والأكيد أن مقولة الرفيق كارل ماركس لازالت سارية المفعول في اتظار سقوط باقي الدكتاتوريات التي لازالت تقاوم والتي هي مع أرشيف التاريخ على موعد يتأجل.
" إن الإنسانية لا تطرح إلا تلك المشاكل التي تستطيع حلها "، فهل سقوط الديكتاتوريات الواحدة تلوى الأخرى سيؤدي بإعادة النظر في الايديولوجيات والأفكار الشمولية والمتطرفة التي يبدو أنه هناك من لا يزال سائرا في طريقها من أشباه زعماء وأحزاب سياسية التي مافتئت تمجد الأفكار الشمولية والمتطرفة باسم الشعوب من أجل تحرير الشعوب؟.
*عبد المنعم الصافي باحث في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية