أحمد عصيد

تتعمق أزمة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة بالمغرب، وتزداد التوترات النابعة من الشعور بوجود خلل بنيوي يجعل النسق السياسي في حالة من الفساد التي يصعب معها إصلاح أي قطاع، بما يمكنه من الاشتغال الطبيعي و تحقيق الأهداف التي من أجلها وجد. 

و ترجع أزمة الثقة في المؤسسات بالدرجة الأولى إلى الإحباط الذي أصاب مختلف الفاعلين بعد عقود من التطور البطيء الذي يكاد يبدو في بعض الأحيان جمودا أو عودة إلى الوراء، وهي النتيجة الطبيعية لمرحلة انتقالية تمّ تمطيطها بشكل جعلها تتحول إلى متاهة عبثية.

من جهة أخرى أدّت الوضعية المتردية للسكان من الفئات الفقيرة إلى سحب الثقة من خطاب السلطة حول "محاربة الفقر" و" تقليص نسبة البطالة"، كما أن التسوية السياسية لدستور 2011 عوض أن تؤدّي إلى طرح السؤال الجذري حول أسباب العزوف الصاعق عن المشاركة في اللعبة الانتخابية، تمّ تشكيل حكومة يقودها حزب أظهر عداء واضحا لحركة الشارع المغربي، وفضل التقرب إلى السلطة من أجل ضمان مشاركته في الحكومة، وقد أظهرت التجربة أن همّ الحزب المذكور لا يتعدى الهيمنة داخل المؤسسات، خاصة وأن التدابير التي اتخذها حتى الآن تندرج كلها في إطار التضحية بمصالح المواطنين من أجل التوازنات المالية للحكومة. وهو ما أكدته العديد من المؤشرات التي من أبرزها الزيادة الفاضحة في أثمنة العديد من المواد الاستهلاكية، والعدول عن محاربة الفساد بل ومصادقة المفسدين ومشاركتهم، وهو ما فاقم أزمة الثقة في الحكومة والمؤسسات المختلفة، وضاعف من اليأس العام من كل إصلاح.

ينضاف إلى ما ذكرناه عدم إيلاء الحاكمين الأهمية المطلوبة لموضوع تفعيل الدستور الذي يعدّ أولوية الأولويات، وإصرارهم على الاستمرار في لعبة "السياسة الصغرى" سياسة الصراع من أجل الكراسي و المواقع البئيسة التي أسفرت عن مهازل يندى لها جبين الديمقراطية، وحولت السياسة إلى سمسرة ونصب وأعمال غير شريفة تراكم الأحقاد المجانية بدون أية مردودية ملموسة.

في هذا المناخ المليء بالريبة والقلق والترقب، لا ينتبه الناس إلى بعض المواقع المضيئة داخل المؤسسات، ولا يعيرون اهتماما لقلة قليلة من المخلصين الشرفاء الذين يبذلون في هذا القطاع أو ذلك جهودا جبارة من أجل العمل والإنتاج، وهو ما يجعل المواطنين لا يصدقون خطابات المسئولين حتى ولو كانت صحيحة، ولا يأبهون إلى الإحصائيات والمنجزات حتى ولو كانت واقعية وملموسة، إنها أزمة ثقة حقيقية لا يمكن أن تزول إلا بإصلاح بنيوي حقيقي يبدأ بالدستور، وينتهي بتغيير العقليات التي روضها الفساد العام، وهو أمر قد لا يتحقق ـ بعد توفر الإرادة السياسية ـ إلا على امتداد جيل أو جيلين.