الحكم بالإعدام على الرئيس المصري الشرعي، محمد مرسي، وعلى مجموعة من قيادات الإخوان المسلمين، قسّم الناس إلى رأيين. من رأوا في هذه الأحكام بداية للقضاء على تنظيم الإخوان واستئصال فكرهم. وآخرون اعتبروا أحكام الجملة التي يصدرها قضاء فقد بوصلته تعبيراً عن مأزق حشر نظام الانقلاب نفسه داخله.

أعادت هذه الأحكام الغريبة وغير المسبوقة إلى الذاكرة الظروف الحرجة التي مرت بها الحركة الإسلامية التركية، منذ سبعينيات القرن الماضي، وما واجهته حكوماتها من انقلابات وما تعرض لها قادتها من اعتقالات ومحاكمات ومضايقات. وعلى الرغم من أنه لا قياس مع وجود فوارق موضوعية وتاريخية عديدة بين تجربتي الإسلام السياسي في تركيا والإخوان المسلمين في مصر، إلا أن حالة الرئيس المصري المعتقل، محمد مرسي، تتقاطع في كثير من مساراتها الشخصية والمأساوية مع ما عاشه رئيس الوزراء التركي السابق الإسلامي، نجم الدين أربكان، من محن ومضايقات.
كلا الرجلين كانا أول ممثلين للإسلام السياسي في بلادهما يصلان إلى أعلى هرم السلطة. كان أربكان رئيسا للوزراء ومرسي رئيسا للدولة. وكلاهما لم يدم حكمه أكثر من سنة، انتهى بانقلاب عسكري على الحكم المدني. وكلاهما تعرض للاعتقال أو الإقامة الجبرية والمحاكمة، وصدرت في حقه أحكام قاسية، بلغت مداها في حالة مرسي بالإعدام. وكلاهما تعرض حزبه للمنع والحل، وشنت على أتباعهما ما يشبه حرب إبادة جماعية، وصدرت قرارات وإجراءات صارمة، تستهدف استئصال التيار الإسلامي من جذوره ومحاصرته، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ما أدى إلى حالة عصيبة من الاضطراب السياسي والاحتقان الاجتماعي والتدهور الاقتصادي، عاشته تركيا في السابق، وتمر به مصر حاليا.
تولى نجم الدين أربكان، الزعيم التاريخي للحركة الإسلامية في تركيا، رئاسة حكومة ائتلافية عام 1996 قبل أن يرغم عام 1997 على الاستقالة، تحت ضغط الجيش، ويوضع تحت الإقامة الجبرية. أما مرسي فقد انتخب رئيسا لمصر عام 2012، قبل أن يسقطه الجيش عام 2013 ويعتقله ويحاكمه. وفي كلتا الحالتين التركية والمصرية، استُعمل القضاء لحل حزب أربكان "الرفاه"، بدعوى أنه مناهض لمبادئ العلمانية التي تقوم عليها الجمهورية التركية، كما حُل حزب مرسي "العدالة والحرية"، بحجة أنه لم يحترم شروط عمل الأحزاب السياسية، وتم تصنيف تنظيم "الإخوان المسلمين" الذي ينتمي له "إرهابيا".
في الحالتين، اعتبرت أحكام القضاء الذي كان يتصرف بأوامر من العسكر نهائية، وهناك من قرأ فيها نهاية للمستقبل السياسي للمدانين ولتنظيماتهم السياسية، على اعتبار أنها أقصت الحركة الإسلامية في تركيا وتنظيم الإخوان المسلمين في مصر من المشهدين السياسيين في تركيا ومصر.
لكن، هل قضت أحكام محاكم العسكر على مستقبل الحركة الإسلامية في تركيا؟ وهل ستقضي أحكام محاكم العسكر على مستقبل تنظيم "الإخوان المسلمين" في مصر؟
نستقرئ الجواب في الحالة الأولى من مسار الحركة الإسلامية في تركيا، فبعد الأزمة القاسية التي عاشتها تجربة أول زعيم حزب إسلامي، يصل إلى سدة السلطة في أنقرة، تفاعلت عوامل سياسية داخلية وخارجية عززت من موقع الإسلام السياسي في تركيا، لتعود الحركة الإسلامية، في صيغتها الجديدة، بزعامة شابة متمثلة في عبداللَّه غول ورجب طيب أردوغان، مؤسسي حزب العدالة والتنمية الحاكم اليوم في تركيا منذ زهاء عقد.
"لعل أهم حركة إسلامية في المنطقة العربية تحاول، اليوم، أن تحاكي التجربة التركية هي حزب "النهضة" التونسي"

فهل يعيد التاريخ نفسه في مصر، ويكرر إخوان مرسي تجربة إخوانهم في تركيا، وتخرج غدا من حرم تنظيم "الإخوان المسلمين" المحاصر والمقصي قيادة جديدة، تقود الأتباع نحو أرض الخلاص الموعودة؟ الجواب عن هذا التساؤل ستجيب عنه الأيام المقبلة، فقد علّمت التجربة "الإخوان المسلمين" في مصر كيف يتعايشون مع أقصى الأزمات، وتجاوزها بأقل الخسائر والأضرار، والخروج منها أكثر قوة وصلابة من السابق.
أهم الدروس التي تقدمها اليوم إعادة استقراء التجربة التركية للإسلام السياسي في المنطقة العربية، وفي مصر خصوصاً، هو منهج المرونة وتقديم التنازلات وإعادة ترتيب الأولويات، وتجنب الاصطدام بالسلطة والمجتمع، وسياسة النفس الطويل في وضع الاستراتيجيات وبلوغ الأهداف. ولعل أهم حركة إسلامية في المنطقة العربية تحاول، اليوم، أن تحاكي التجربة التركية هي حزب "النهضة" التونسي الذي كانت كتابات قادته مرجعاً لإسلاميي تركيا، فأصبحت تجربة الأتراك، اليوم، قدوة لأصحاب التنظير!
التسرع في استصدار الأحكام على فشل تجارب الإسلام السياسي في المنطقة العربية والجزم بنهاية تنظيماته وفكره تبقى مجرد أحكام مستعجلة، غير مبنية على استقراء التاريخ وحيثيات الواقع الذي يفاجئنا كل يوم بجديد. فالأكيد أن تجربة الإسلام السياسي في المنطقة العربية، على الرغم من كل الفشل الذي عرفته والمحن والمآسي التي تعيشها بلدانها، سواء تسببت فيها، أو اتخذت ذريعة لأسبابها، ما زالت لم تقل كلمتها الأخيرة.
من مفارقات التاريخ أنه سيأتي، اليوم، الذي يقف فيه أحد الجنرالات الأتراك ممن قادوا الانقلاب ضد أربكان، ليعترف أمام المحكمة بأن الانقلاب الذي قادته المؤسسة العسكرية ضد الحكومة المدنية ورئيسها كان خطأ فادحًا للقوات المسلحة التركية. ومثل هذا اليوم قد يأتي حتما في مصر، لينصف مرسي وإخوته.