1 - عجيب أمر بعض أدعياء الديمقراطية و الحداثة في مغربنا العزيز ، فبقدر ما أنهم يملؤون الدنيا و يشغلون الناس حديثا عن حتمية بناء مجتمع ديمقراطي حداثي ، و " ينظمون " قصائد المدح و التبجيل و القداسة حول المواثيق و القوانين الكونية الداعية لاحترام مبادئ الإنسان ، و صون قيم التسامح و التعددية و الاعتراف بالآخر .. بقدر ما أنهم يدوسون دوسا على كل هذه اليافطات و الشعارات ، و ينزعون نزوعا نحو الاستئصال و التحكم و التعصب و الترهيب .. سبب نزول هذا الكلام تلك الزوبعة التي صاحبت عزم الشيخ محمد العريفي لزيارة المغرب ، من أجل إلقاء محاضرة حول موضوع " دور القرآن في بناء الإنسان " ، بمناسبة العام الهجري الجديد ، و قد تأكد أن الشيخ فضل تأجيل الزيارة إلى موعد آخر تفاديا لأي تصعيد أو اصطدام مع رافضي هذا النشاط الفكري ، المنظم من قبل حركة التوحيد و الإصلاح . خاصة و أن عددا غير قليل من النشطاء " الديمقراطيين " هددوا بنسف هذا اللقاء و إفشاله مهما كان " الثمن " ، على اعتبار أن الداعية الإسلامي محمد العريفي " يدعو " عبر وسائل الإعلام و المنتديات الواقعية و الافتراضية إلى العنف و الكراهية و الإرهاب ، و يساهم في نشر فتاوى دينية غير مطابقة لسماحة الدين الإسلامي المعتدل .
2 - و على الرغم من أن كاتب هذه الأسطر يعتبر أن عددا كبيرا من الأنشطة و القنوات و المواقع الدينية لا تقدم للمتلقي إضافة نوعية في فهم الكون و الذات و المجتمع ، و على الرغم من أنه غير مهتم بما فيه الكفاية بما يطرحه عدد كبير من الفقهاء السنة و الشيعة ، من " اجتهادات " و" أطروحات " في قضايا الدين و المجتمع و الإنسان .. إلا أنه آل على نفسه أن يكون مدافعا عن الديمقراطية و حرية الرأي و التعبير ، و إلى أبعد مدى ! فليس من الصواب أن نمنع شيخا أو مفكرا أو سينمائيا أو مطربا .. بصيغة المذكر و المؤنث من حقه في التواصل مع الآخر ، و إبداء موقفه كاملا و على الهواء مباشرة ، بعيدا عن المسلكيات البائدة من تضييق و تسفيه و تحريف ، و إلحاق التهم بمن لا نتفق مع " معتقداتهم " و رآهم الدينية و المدنية .
3 - لقد كنت أمني النفس أن يقلع " الحداثوييون " المغاربة عن عادتهم السيئة ، المتمثلة في العناد و الإنكار و الإقصاء ، بعد أن عرفوا حق المعرفة ( إثر استحقاقات وطنية عديدة ) حجمهم الطبيعي ، و وزنهم الواقعي ، بعيدا عن مفعول " المنشطات " غير المرئية ! و ينهمكوا في استقراء تجربتهم التي لم تتمكن من استمالة قلوب المواطنين ، و يمارسوا نقدا ذاتيا صادقا ل " منجزهم " السياسي و المجتمعي ، عسى أن يهتدوا إلى سبيل تصالحهم مع الشعب المغربي الذي عرف انعطافة مفصلية في مجال الوعي السياسي . فما ذا كان سيحدث لو أفسحوا المجال للسيد العريفي كي يلقي محاضرته في مناخ حضاري و سلمي ، و يناقشوه وجها لوجه في قضايا السياسة و الدين ، و يفندوا " ادعاءاته " ، و يدحضوا " مزاعمه " و يقوضوا بالبرهنة و الاستدلال ميولاته " الإرهابية " ، عوض انتهاج مسلك التحكم و المنع ، في زمن الانتفاضة التكنولوجية و الثورة المعلوماتية ، و هل يجوز " للديمقراطيين الحداثيين " أن يعودوا بنا إلى عصور الوصاية و التحريض ؟ أم أنهم يفتقرون افتقارا بالغ الخطورة ل " حكمة " تحيد بهم عن حافة الضياع ، و " ضمير " يتيح لهم الخروج من الغربة المجتمعية ، و يلقنهم أبجديات العيش مع " الآخر " ، و قبول الرأي و الرأي المخالف ! ؟