أحمد عصيد

انقطعت العديد من الأطراف منذ سنوات عن "الاحتفال" بذكرى "الظهير البربري" يوم 16 ماي من كل سنة، ويتعلق الأمر خاصة بحزب الاستقلال ومنبره جريدة العلم، وكذا بجريدة Le Matin أيام كان يديرها الراحل أحمد العلوي، وقد كان من العوامل الأساسية لنسيان الظهير انطلاق مسلسل "المصالحة الوطنية" في موضوع الهوية وتدبير التعددية اللغوية والثقافية، والتي يُؤرخ لها رسميا بتوقيع ظهير آخر من طرف الملك محمد السادس يوم 17 أكتوبر 2001، تم التنصيص فيه على أنّ "الأمازيغية مسؤولية وطنية لجميع المغاربة"، وعلى ضرورة "النهوض بها" في كل المجالات الحيوية.

إضافة إلى ارتباط تاريخ 16 ماي بواقعة جديدة هزت الوجدان المغربي، ومثلت جرحا لم تندمل بعد آثاره وهي الأحداث الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء يوم 16 ماي 2003، لقد كان "الوطنيون" والقوميون العرب والمحافظون الإسلاميون ينتظرون ـ حسب تصورهم للأمازيغية ـ أن يقوم الأمازيغ بتمزيق بلدهم وتهديد استقراره بناء على دعاوى "عرقية"، لكي يفاجئوا بأن العنصر الذي طالما اعتبروه جامعا للمغاربة وموحدا بينهم وهو الدين الإسلامي، هو الذي أصبح أداة يعتمدها البعض للتفجير والقيام بالعمليات الانتحارية التي وضعت البلد كله على فوهة بركان، وأصبحت مصدر تهديد لسلامة الأشخاص والممتلكات والمؤسسات.

كان الهدف من "الاحتفال" بذكرى الظهير كل سنة واضحا، من تجديد الشرعية التاريخية لأحزاب "الحركة الوطنية" التي تربط نشأتها بالتظاهر ضد تلك الوثيقة، ومن جهة أخرى تذكير من سُمّوا بـ"البربر" بالمؤامرة الاستعمارية التي يمثلها الظهير المعلوم، وثنيهم عن التفكير في أن لهم لغة خاصة أو ثقافة متميزة، واعتبار كل من دعا إلى ذلك راغبا في "إحياء الظهير"، هكذا جُعلت العربية لغة المغرب الوحيدة، وجُعلت الأمازيغية "مؤامرة استعمارية".

وبهذا يمكن القول إن الأمازيغ تضرّروا من "الظهير البربري" في مرحلة الاستقلال أكثر مما أضرّ بهم في مرحلة الحماية، ذلك أن هذه الأخيرة كانت مرحلة مواجهة ضد المستعمر، بينما أصبحت مرحلة الاستقلال مرحلة "ظلم ذوي القربى" الذي هو "أشدّ مضاضة" كما يقال.

ونظرا للترويض الإيديولوجي الذي تعرضت له النخب والجماهير خلال العقود المنصرمة، عبر تكريس الفكر الأوحد، فإن القراءة الفاسدة والمحض إيديولوجية للظهير المذكور، والتي لا علاقة لها بالوثيقة الأصلية، قد أثرت في وعي الكثيرين وخاصة بعد إدراج تلك القراءة في المقررات الدراسية، مما حجب عن الناس حقيقة هذه الوثيقة وسياقها التاريخي والملابسات المحيطة بها، وقد ساهم تغييب العديد من الوثائق في تكريس الفهم الخاطئ وترويج أكاذيب لا علاقة لها بالتاريخ الفعلي، وكل ذلك من أجل التحكم في خيوط ما بعد فترة الحماية، والاستحواذ على مراكز النفوذ والثروة ضدا على أغلبية المغاربة.
ورغم أن مشكل الأمازيغية قد تمت تسويته سياسيا وقانونيا مع دستور 2011، بالاعتراف بالأمازيغية هوية ولغة رسميتين، وبحذف عبارة "المغرب العربي" واعتماد الصيغ التي اقترحها الفاعلون الأمازيغيون وهي الاتحاد المغاربي والمغرب الكبير، مما يشير إلى قوة الخطاب الأمازيغي وانتصاره بانتزاع الاعتراف بعد خصام فكري وسياسي دام أزيد من نصف قرن، إلا أن القراءة الفاسدة والمغرضة لظهير 16 ماي 1930 المسمى بـ"الظهير البربري" ما زالت معتمدة لدى بعض السياسيين وبعض الكتاب، مما يشير إلى أن الاعتراف الفعلي والعملي بالأمازيغية لن يتحقق إلا بإعادة قراءة تاريخ المغرب بطريقة موضوعية علمية، واعتمادا على الوثائق المتوفرة، وبعيدا عن الصراع الإيديولوجي المرتبط بمرحلة الحماية.

وتعود أخطاء قراءة الظهير إلى خطاب "الحركة الوطنية" التي اعتمدت تأويلا سياسيا ارتبط برهانات ظرفية خلال الفترة الممتدة من 1930 إلى 1944،

فترة الانتقال المباشر من المطالبة بالإصلاحات إلى العمل السياسي في حزب منظم.
فما هي الأخطاء التي ارتكبها "الوطنيون" في قراءة الظهير ؟ وما هي الأسباب الثاوية وراء موقفهم الخاطئ الذي انعكس سلبا على تدبير التعددية المغربية بعد الاستقلال ؟
يمكن للقراء اعتمادا على فحص وثيقة الظهير وقراءتها بإمعان، أن ينتبهوا بأنفسهم إلى المعطيات التالية:

1) أنه لا يحمل إسم "الظهير البربري" وأن هذه التسمية تم اختراعها من طرف "الوطنيين".
2) أن الظهير يتعلق بإحداث محاكم القضاء العرفي في المناطق ذات العوائد البربرية، بينما زعم الوطنيون بأن الظهير يهدف إلى "تنصير البربر"، وبناء على هذا الزعم دعوا الناس إلى قراءة "اللطيف" والتظاهر، مع العلم بأن نص الظهير لا يتحدث مطلقا عن العقيدة والدين، وقد اعترف الراحل أبو بكر القادري بأنهم اختاروا هذه "الأكذوبة البيضاء" لكي يستجيب الناس إلى دعوتهم بالتظاهر وقراءة اللطيف، لأن استعمال الدين حسب قوله يمكن من تحريك العواطف وتجييش الناس. (أنظر حواره مع الأحداث المغربية في 30 دجنبر 2000). لكن المشكل أن هذه الأكذوبة لم تعد "بيضاء" عندما أدرجت في المقررات الدراسية وأصبحت تدرس للتلاميذ على أنها الحقيقة التاريخية، دون الأخذ بعين الاعتبار لمنطوق الوثيقة ومضمونها.

وقد ورد في رسالة السلطان محمد بن يوسف آنذاك والتي عاتب فيها عائلات "الوطنيين" على هذا التحريف لمضمون وثيقة الظهير الذي قام به أبناؤها :"وقد قامت شرذمة من صبيانكم الذين يكادون لم يبلغوا الحِلم وأشاعوا ولبئس ما صنعوا أن البرابر بموجب الظهير الشريف تنصروا وما ذروا عاقبة فعلهم الذميم وما تبصروا وموهوا بذلك على العامة وصاروا يدعونهم لعقد الاجتماعات بالمساجد" (رسالة مؤرخة في 13 ربيع النبوي الأنور عام 1349، نشرت بجريدة السعادة في 21 أكتوبر 1930) .

يتخذ الظهير في هذه النقطة طابعا أسطوريا في خطاب "الوطنيين"، حيث يظهر "البربر" كقوم مفعول بهم لا وعي لهم ولا اختيار، تماما مثل الدّمى، ويظهر "الوطنيين" بمثابة المنقذين لـ"البربر" من براثن التنصير ومكر الاستعمار، حيث لولا هذه العائلات التي تنتسب إلى العروبة لكان الأمازيغ قد غادروا الإسلام أفواجا. والمضحك في هذا الأمر أنّ التاريخ إن لم يخبرنا بأن أحدا من "البربر" تنصر، فإنه سجل أنّ الوحيد الذي اشتهر باعتناق المسيحية هو أحد أبناء عائلات "الوطنيين" من أهل فاس، وهو محمد بنعبد الجليل، وقد ألف العديد من الكتب في الدفاع عن المسيحية والردّ على المسلمين، ومنها كتابه الذي يحمل عنوان « L’islam et nous » .

ولعل من المعطيات الهامة التي تم تغييبها كذلك أن التبشير المسيحي بالمغرب لم يبدأ مع مقدم الفرنسيين، بل وُجد منذ فترات سابقة على القرن العشرين، حيث تواجدت العديد من البعثات بالمغرب منذ منتصف القرن 19، دون أن يتحدث عنها أو يأبه بها أحد.

3) أنّ من بين الأمور التي يتمّ إخفاؤها أنّ إدارة الحماية والمخزن المركزي قاما بإصدار الظهير الذي وقعه سلطان المغرب محمد بن يوسف، استجابة للقبائل الأمازيغية المقاومة نفسها التي اشترطت من أجل قبول "التهدئة" ووضع السلاح احترام قوانينها العرفية وتقاليدها العريقة، وعدم إلزامها بالخضوع للمحاكم "المخزنية" وشرائعها الظالمة، التي كانت تحاربها قبل مجيء الفرنسيين، حيث وقع السلطان عبد الحفيظ عقد الحماية عام 1912 وهو محاصر من طرف القبائل الأمازيغية التي أحاطت بالعاصمة فاس، وطالبت بخلع السلطان وبرفع الضرائب واعتماد نظام مؤسسة "أمغار" ومجالس التسيير الجماعية (أنظر وثيقة عبد الرحمان بن زيدان الذي كلف بمفاوضة القبائل المتمردة لفك الحصار عن فاس، منشورة بمجلة أبحاث العدد 31 – 32، السنة 1994 ص: 33).

ومن القبائل التي اشترطت إبقاءها على أعرافها والتي عبرت لإدارة الحماية عن رفضها للقضاء المخزني كونفدرالية قبائل آيت مكيلد التي استجاب لها السلطان مولاي يوسف بظهير 11 شتنبر 1914 والذي جاء فيه:" إن القبائل البربرية الموجودة بإيالتنا الشريفة تبقى شؤونها جارية على مقتضى قواعدها وعوائدها الخصوصية". وكذا قبائل آيت محمد بقيادة مرابط زاوية أحنصال التي اشترطت التوقيع على التزام مكتوب باحترام القوانين العرفية الأمازيغية عام 1922. وكذا المجاهد عسو باسلام زعيم المقاومة بآيت عطا الذي أصرّ على التمسك بأعراف منطقته وعدم إلحاقها بنفوذ الباشا الكلاوي وقضائه الجائر.

وهذا ما أكدته أيضا رسالة السلطان محمد بن يوسف إلى عائلات "الوطنيين" بعد شروعهم في نشاطهم السياسي حيث قال موضحا أسباب إصدار الظهير:"غير خفي أن للقبائل البربرية عوائد قديمة يرجعون إليها في حفظ النظام ويجرونها في ضبط الأحكام، وقد أقرهم عليها الملوك المتقدمون في أسلافنا المقدمين من قبلهم (...) وحيث أن ذلك من جملة الأنظمة المخزنية اقتضى نظرنا الشريف تجديد حكم الظهير المذكور لأن تجديده ضروري لإجراء العمل به بين الجمهور".

والسؤال هو أين كان "الوطنيون" في ذلك الوقت ؟ ولماذا لم يبدأوا تحركهم ضدّ السلطان وضدّ إدارة الحماية التي أصدرت ظهير القضاء العرفي في الواقع قبل 1930 بـ 16 سنة ؟
الواقع أن العائلات التي ستصبح "وطنية" بعد 1930 كانت منشغلة باقتسام الكعكة مع إدارة الحماية والاستفادة من السياسة الاستعمارية (سياسة الأعيان المدنيين) ولن تعمد إلى الاحتجاج إلا بعد ذهاب الماريشال ليوطي حليفها الكبير وتضرّر مصالحها. كتب جون واتربوري بهذا الصدد قائلا: " كل عقود الرخص أصبحت تمنح بصفة أوتوماتيكية إلى المستثمرين الفرنسيين، وضع هذا الواقع البرجوازية الوطنية المغربية في الهامش، و دفع بها إلى أن تمنح بدون تحفظ كل مساندتها المالية للحركة الوطنية"، ( أنظر "أمير المؤمنين الملكية والنخبة السياسية المغربية" ـ جون واتربوري ص 85، ترجمة عبد الغني أبو العزم ـ عبد الأحد السبتي ـ عبد اللطيف الفلق الطبعة الأولى 2004 ، مؤسسة الغني للنشر).

4) أن الظهير يتحدث عن "المناطق ذات العوائد البربرية" وليس عن "المناطق أو القبائل البربرية"، والمقصود جميع المناطق التي تستعمل فيها القوانين العرفية الأمازيغية، ومنها مناطق يسكنها ناطقون بالعربية، بحكم التمازج الذي وقع بين سكان المغرب في كل المناطق، وهو ما يفند فكرة أن الظهير يهدف إلى تقسيم المغرب على أساس عرقي بين عرب و"بربر"، فما يجهله الكثيرون حتى اليوم هو أن اختصاصات المحاكم العرفية في الظهير وضعت على أساس ترابي وليس إثني أو عرقي.

5) الإيهام بأن القوانين الأمازيغية والقضاء العرفي الأمازيغي صناعة استعمارية هدفها صدّ الأمازيغ عن اعتماد الشريعة الإسلامية التي يُعتقد أنهم كانوا يحتكمون إليها "وحدها"، مع العلم أن القوانين العرفية المذكورة عريقة لدى الأمازيغ واعتمدوها ـ مع اعتماد الشريعة جزئيا في مجال الأحوال الشخصية ـ قبل مجيء الفرنسيين وأنكرها عليهم الكثير من فقهاء المخزن المركزي، كما أنكرها سلاطين واعترف بها آخرون في ظهائر موقعة، كما اعتبرها الكثير من العلماء ومنهم المختار السوسي "غير مناقضة لروح الشريعة ومقاصدها". والحقيقة أن "الوطنيين" رفضوا مأسسة هذه القوانين العرفية والاعتراف بها من طرف السلطة المركزية لأنها تمثل ثقافة الأغلبية، بينما يشعرون هم بكونهم أقلية في المغرب، والدليل على ذلك ما كتبه صاحب النص التالي:"إنه إذا فصل العرب عن البربر يصير العرب في حكم الأقلية أمام ذلك التجييش المنظم، ولا شك أنه إذا ثبتت مقدمة الانفصال أن تثبت النتائج المذكورة، وإذ ذاك لا يبعد اليوم الذي يحلّ بنا فيه ما حلّ بأجدادنا في الأندلس"(عبد الله الجراري، شذرات تاريخيىة من 1900 إلى 1950، ص: 158) .

6) اعتبار الأعراف الأمازيغية "متوحشة وما أنزل الله بها من سلطان" التعبير للسيد المكي الناصري، بينما تظهر الحقيقة أن القوانين الأمازيغية عقلانية وإنسانية المنزع، فعوض قطع يد السارق أمام الملأ يحكمون عليه بالغرامة، وعوض قتل الجاني وسفك دمه يحكم عليه بالنفي، وعوض تحديد أساليب "تأديب المرأة" وضربها يتم تغريم الرجل الذي يعاملها بالعنف والضرب، وعوض حرمان المرأة من نتائج عملها يتم اقتسام الأموال المكتسبة بينها وبين الرجل بعد الطلاق، وعوض الشورى التي ليست ملزمة للحاكم الفرد يتم تسيير الشؤون المحلية جماعيا وبطريقة لا تسمح بالاستبداد الفردي، وعوض الحكم بشرائع أبدية يتم تعديل القوانين العرفية الوضعية وتغييرها في جمع عام يضمّ كل أهل القبيلة ينادى عليهم بـ"البرّاح" ليجتمعوا في مكان محدّد ويقوموا بتعديل القوانين التي ترى الجماعة أنها لم تعد تساير وضعية الناس ومصالحهم، فأين هو الطابع "المتوحش" للقوانين العرفية الأمازيغية ؟

7) تقديم الظهير على أنه "سياسة بربرية" لفرنسا، وإخفاء جميع المعطيات المتعلقة بالمستويات الأخرى المتعلقة بالسياسة الاستعمارية وخاصة منها السياسة الفرنسية المسماة La politique des égards وهي سياسة تحالف مع الأعيان والعائلات المدينية من أجل تأهيلها عبر التعليم لتولي مناصب الترأس والسلطة والتسيير، وهي السياسة التي استفادت منها تلك العائلات التي ستصبح "وطنية" ابتداء فقط من 1930، مع العلم أنها سكتت عن جميع الظهائر الاستعمارية الخطيرة التي وضعتها إدارة الحماية منذ 1913. وقد صرح ليوطي متحدثا عن هذه العائلات المستفيدة قائلا:"إن الحظ ساعد هذه الإيالة بأن وفر لها نخبة نيرة متميزة بأصولها وممارستها التقليدية والوراثية للسلطة، وكذا تعاطيها للتجارة وللأعمال، إضافة لميولها للدراسة والتقدم، ونرجو الله ألا يحرمنا من مساعدتها النفيسة التي نقدر مدى قيمتها" (أنظر "الظهير البربري في الكتب المدرسي" محمد منيب، نقلا عن كتاب "ليوطي، جوان ومحمد الخامس نهاية الحماية" Guy de Lanoe ص 185). ويدعم هذا التصريح ويؤكده ما صرح به محمد بلعربي العلوي ـ قاضي فاس آنذاك ـ في خطبة ألقاها أمام الحاكم الفرنسي سنة 1924، والمنشورة بجريدة السعادة، حيث قال مادحا الاستعمار الفرنسي:"رأيت العنصرين الفرنسي والعربي وقد كشف لهما العلم عن سوء تفاهمهما وبين لهما أن طريق التعارف والتعاون غير طريق الاعتقاد والتدين فاتحدت المصالح وإن اختلفت الأديان ودعا واجب الجوار إلى المعاملة بالمجاملة والإحسان فعاش الجميع في ظل الأمن الوارف وفي حجر النعماء السابغة (...) قال بعض أساطين الإسلام لا يكون العالم عالما إلا إذا عرف مع لغته إحدى لغات ثلاث جعل في طليعتها ومقدمتها اللغة الفرنسية" وختم من سيصبح "شيخ الإسلام" خطبته قائلا: "نرفع غاية امتناننا واعترافنا بالجميل لذلك الرجل العظيم الساهر على صالح البلاد سعادة الماريشال ليوطي وسائر رجاله العظام ومعاونيه الكرام"(أنظر جريدة السعادة في 17 محرم 1345 الموافق لـ 19 غشت 1924).

يعني هذا كله أن سياسة الاستعمار سلبية عندما تكون لصالح الأمازيغ، إيجابية عندما تكون لصالح الأرستقراطية العربية الأندلسية.
8) كانت العائلات التي سينطلق أبناؤها في "العمل الوطني" مع صدور ظهير 16 ماي 1930 حليفة للمخزن المركزي وبالتالي حليفة لإدارة الحماية، وهذا واضح تمام الوضوح في كتابات محمد بلحسن الوزاني، فمعاهدة الحماية تقتضي قيام الجيوش الفرنسية بتهدئة القبائل المتمردة لصالح السلطان والمخزن، وطبيعي أن الأعيان والعائلات الأرستقراطية المدينية الحليفة التقليدية للمخزن، لم تكن تشاركه في المصالح الاقتصادية فقط بل وفي "الهوية" كذلك، حيث كانت تعتبر المخزن "عربيا شريفا" كما كانت تعتبر نفسها أيضا عربية الأرومة، ولا تنظر بتعاطف كبير إلى من كانت تسميهم "البربر"، ما أكده Gilles LAFUENTE بقوله" من البديهي أن مصير "إخوانهم" البرابر لم يكن يشغل إلا نسبة قليلة من اهتماماتهم، هذا إضافة إلى أنّ هؤلاء الشباب الفاسيون كانوا يشعرون نحو "الشلوح" باحتقار لا شك فيه". (أنظر La politique Berbère de la France et le nationalisme Marocain, p185, L’Harmattan France 1999. )
وطبيعي أن ترسيم أعراف الأمازيغ وثقافتهم في ظل بناء الدولة المركزية الحديثة خلال فترة الحماية سيكون مثار اعتراض من طرف هذه العائلات التي تعتبر نفسها في حكم الأقلية.
وقد يستغرب الكثيرون إذا علموا بأن من أوائل المبادرين إلى التظاهر ضد ظهير 16 ماي 1930 عائلات الأعيان و"المحميين" والمتجنسين الذين كانوا يضعون فوق أبواب منازلهم أعلام الدول الغربية التي يعيشون تحت حمايتها، والذين ساهموا بشكل كبير في إضعاف الاقتصاد المغربي لصالح الأطماع الأجنبية، يقول محمد كنبيب في كتابه "المحميون:"إن حاملي الباسبور الذين انتقد الفقهاء بشدة سلوكاتهم التي ساهمت بحظ وفير في تحطيم قواعد الدولة المغربية الإسلامية كانوا أول من تظاهر ضدّ الظهير".(أنظر Mohamed Kenbib, Les protégés, contribution à l’histoire contemporaine du Maroc, p 330)

ويفسر الدكتور عبد الله العروي موقف أبناء الأعيان والعائلات المدينية ضدّ الظهير بقوله:"استغرب بعض الدارسين أن يكون أكثر من تزعم الحركة الوطنية المغربية ينحدرون من الطبقة الميسورة التي انتفعت كثيرا من الحماية الأجنبية، لكن الأمر يبدو طبيعيا إذا وضع في سياق الطموح والنوازع، فحزب الموالين للوضع القائم (الحماية في هذه الحال) كان مكتظا ولم يعد فيه مكان لمتطفل، أو كان فيه مكان ضيق لعدد محدود من أبناء الشرفاء والعلماء والتجار، ماذا يفعل الآخرون وهم كذلك من الأعيان ؟ الالتحاق بالحزب الناشئ: الحركة الوطنية"(أنظر عبد الله العروي، من ديوان السياسة، ص14).
خاتمة:
ما هو الدرس الذي يمكن أن نستفيده من كل هذا ؟ إنه الدرس التالي:
أن تاريخ المغرب لا يمكن قراءته من منظور حزب سياسي أو تيار مجتمعي أو عاطفة دينية أو عرقية، أو وفق الحاجات الظرفية للسلطة، بل من منطلق الوثائق والشواهد المتوفرة، ووفق حاجات الواقع المتجددة.

وإذا كان المغاربة قد عاشوا صراعات كثيرة في ظروف سابقة لم تعد موجودة، فلا حاجة إلى استعادتها في سياق جديد يحمل من بذور المستقبل أكثر مما يعكس من ترسبات الماضي، لقد اختار المغاربة نموذج الدولة الوطنية المركزية في سياق سابق، وتبين لهم بعد عقود أنها لم تعد تستوعب قضاياهم وتطورات مجتمعهم، فشرعوا في تعديلها وفتحها على التعددية في كل المجالات بما في ذلك تعددية الجهات والمناطق، وهي تعددية في ظل الوحدة الجامعة التي لا يمكن التفريط فيها، مما يشير إلى البدء في الانطلاق نحو نموذج جديد للدولة ، وهي دولة الجهات ثم الدولة الفدرالية، قد يبدو هذا للكثيرين بعيدا، لكنه في الواقع قريب وممكن، ولكنه في جميع الأحوال لا يعني العودة إلى الوراء.

أما أسطورة "الظهير البربري" فهي أشبه بالبطارية التي تم استنفاذها في أغراض سابقة، والتي ما زال البعض يحاول أن ينفخ فيها من روحه، مما يجعله ينفخ في رماد.