كتب عبد العلي حامي الدين مقالا بعنوان " هل التحكم بصدد التحول إلى الانفصال؟"، وهو المقال المنشور بجريدة " أخبار اليوم" يوم 17 يونيو،عدد1705 في نفس العدد الذي عنونت افتتاحيته ب" التزوير الناعم للانتخابات".

وبالنظر للتلازم الإعلامي الكائن بين مشروع جريدة توفيق بوعشرين من جهة، وبين مشروع قيادة البيجيدي في الحكم وإدارة الصراع السياسي من جهة أخرى،( أو ما يسمى في الخطاب الاخواني بالتدافع السياسي)، سنتوقف للرد على ما جاء في مقال حامي الدين من منزلقات واتهامات خطيرة مسنودة إعلاميا بالخط التحريري للجريدة والذي سبق في مناسبات عديدة أن " تورط" في ادعاءات مماثلة ، وهذا التلازم الإعلامي لا تفسره فقط افتتاحيات الجريدة المذكورة في علاقتها بالأداء الحكومي، بل أيضا في طبيعة المواقف المعلنة بصدد العديد من القضايا التي أثارت نقاشات وطنية واسعة، فتجندت الجريدة للدفاع عن أطروحات ومواقف الحزب الحاكم.
وفي هذا المقام ،حري بالذكر أن المقال المذكور يتساوق مع العديد من الافتتاحيات التي يوقعها هذه الأيام صاحب " أخبار اليوم" بغير قليل من الاندفاع، والحماس المفرط، والانخراط السياسي غير المسبوق ل" صحفي" يدعي الاستقلالية والحياد فيما هو مجند بكل حواسه دفاعا عن رئيس الحكومة، هذا "الكائن الفايسبوكي" الذي اكتشف فجأة عالم الانترنيت، فيقدمه صاحبنا في افتتاحيته (الثلاثاء 16 يونيو)على أنه" أكثر رجل سياسة مغربي يفهم التسويق السياسي" وأنه "صورة السياسي ابن الشعب" ،وهي صيغ وعبارات تتوزع بسخاء غير مسبوق، و تتردد باستمرار على أعمدة " أخبار اليوم" فتوزع فيها الجريدة صنوف المديح على" التجربة الحكومية المغربية النموذجية التي يقودها العدالة والتنمية"، وهي التجربة التي تقدمها الجريدة- كالعادة- بأنها تجربة مستهدفة من قبل العديد من الجهات والدوائر.
تماما كما هو الشأن هذا الصباح عند اكتشافي بأن رئيس حكومتنا " رجاوي في السياسة"( الخميس 18 يونيو) أي أنه أقرب- والعهدة على صاحب الجريدة- إلى الرئيس الأمريكي الأسبق " رونالد ريغان" الذي قال في مذكراته بعد أن أصابه المرض" أعرف أنني سأموت ، لكنني على يقين أن شمسا مشرقة ستسطع على أمريكا بعدي، وأن أزهارا وقوة وعدلا وثروة ستطل على هذه البلاد..". .وهكذا مثلا يقتضي الذكاء الإعلامي لصاحبنا بتشبيه المشروع البنكيراني ( أي خطة لعبه) بالمشروع الريغاني( هكذا) ، وبالنتيجة، سيكون المغاربة - من منظور " أخبار اليوم" في انتظار نتائج " المشروع الإصلاحي البنكيراني" إلى ما بعد وفاة رئيس الحكومة عملا بالقولة التي جاءت على لسان رولاند ريغان، والتي يسوقها صاحب " أخبار اليوم" دفاعا عن " الانتقال الديمقراطي" الذي تتهدده مخاطر عديدة من جراء " المؤامرات" التي تستهدف تجربة الإخوان بالمغرب. وقد سبق لصاحب" أخبار اليوم" أن أخبر المغاربة في افتتاحيته يوم السبت 09 ماي 2015 قائلا" إنهم يبتزون الحكم ليوقف المباراة" محذرا البلاد من الدخول في " مغامرات مجهولة".ويتساءل صاحب الجريدة" هل من مصلحة المغرب أن ينهي حياة حكومة بنكيران قبل أجلها القانوني سنة 2016؟.".ولأن صاحب الجريدة يعرف جيدا كيف تم إيصال البيجيدي إلى الحكم، وكيف " نفخ " فيه ليحكم- ( ربما دون علمه) وكيف صنعت له الأغلبية الأولى والثانية،وكيف لعب النظام ، والإعلام، الرسمي وغير الرسمي ، ورقة العدالة والتنمية في مرحلة " الخريف" العربي، فان تخوفات " أخبار اليوم" لا سند لها لأن من كان يهدد النظام حقيقة هو من كان يضع رجلا في ساحة التحرير ورجلا في ساحة البرلمان.هو من كان في عز الأزمة يقول خارج بلاده في المحافل الدولية ب" أن حزبه مضطهد"، وبأن " النار ما زالت تحت الرماد"...
وبالمقابل، فان اتهام المعارضة بالقول " لقد لوح زعماء هذه الأحزاب أكثر من مرة بأنهم قد يتحولون من معارضة الحكومة إلى معارضة النظام إن هو لم يمدد لهم يد المساعدة.."، قول للبروبكاندا السياسية، تلتقي خلفياته مع ما صرح به حامي الدين في مقاله المنشور في " أخبار اليوم" عند اتهامه قياديا في حزب الأصالة والمعاصرة بالتحريض المباشر للتمرد على الدولة وتهديد العيش المشترك للمغاربة" ، فقط لأن هذا المسؤول الحزبي، عضو المكتب السياسي ، عبر عن مواقفه السياسية بخصوص ملف شائك يعرف تفاصيله كل المغاربة، وهو المتعلق بزراعة الكيف في المناطق الجبلية والريفية.وإذا كان حزب الأصالة والمعاصرة-حسب علمنا- قد عبر عن مواقفه بصدد هذا الملف داخل البرلمان بالدعوة إلى ضرورة وضع إطار قانوني لزراعة الكيف، وإطلاق سراح المتابعين في هذا الملف، والتعامل بشجاعة مع هذا الموضوع خارج كل الحسابات السياسوية الضيقة، والنظر للواقع دون حجب تفاصيله، فبالمقابل، ماذا قدمت الحكومة للمناطق الجبلية والريفية التي لا يعرف حامي الدين منعرجاتها وظروف العيش بها؟. وعوض أن تحسب لهذا المسؤول الحزبي شجاعته في تسمية ما يجري بمسميات الواقع، من رشوة واستغلال النفوذ والفساد( وهذه أمور معروفة) يذهب حامي الدين باعتبار ذلك " مقدمة لمطالب انفصالية في شمال المغرب، وذلك عبر بذور تقوية ثقافة حاقدة تجاه المدن وتجاه سكان الداخل"( هكذا).
إن الخلفيات الحقيقية لهذه الاتهامات وردت – في غفلة من صاحب المقال نفسه- عند اعترافه الضمني بأن رسالة العربي المحرشي تزعج الحزب الحاكم الذي لم يقدم شيئا لمناطق جبالة والريف، ولا يرى فيها الحزب الأغلبي إلا" تهديدا للسياسة الواعدة للبلاد" ولنموذجها في التحول الديمقراطي" ، وللانتخابات القادمة.
إن الانفصال الحقيقي هو عندما يختبئ السياسيون في مكاتبهم المكيفة بعيدا عن الشعب وقضاياه الحقيقية ويتفننون في صناعة الجمل الإنشائية.إن الانفصال الحقيقي هو أن نترك أهالينا في جبالة والريف في الفقر، والجوع، والحرمان ونتفنن في فبركة الاتهامات دفاعا عن المناصب والمنافع والكراسي. إن الانفصال الحقيقي هوالهروب من العدالة والخوف من قول الحقيقية، أيا كان نوعها ، وتبعاتها.