محمد لعبيدي

كانت متوقعاً اكتساح حزب "سيريزا" اليساري الاجتماعي للانتخابات اليونانية، التي جرت الاحدْ الماضي على أرضْ صاحب المدينة الفاضلة، لعدة أسباب وعوامل، كان أبرزها استفحال الازمة المالية داخل هذه البلاد من أوروبا الشرقية، الى حدود بلغت معها الديون المالية الى 177% من الناتج الداخلي الخام، وكما السياسية الاقتصادية التقشفية، التي كان لها وقع سلبي على القدرة الشرائية للمواطن اليوناني.

في المقابل وفي ساحة السياسية، ظلت أحزابْ دون غيْرها، تمسك بزمام الامور، ووعدت, ووعدت في أكثر من مناسبة بتغيير حالة البلاد نحو الافضل، وبعد أن استنفدت كافة وسائلها، كان لزاماً أن تتداعى شعبيتها، وبالتالي كان ممكناً سحقها، انتخابياً، وهذا ما حدث بضبط أي أن حزب اليسار الاجتماعي "سيريزا"، قد ملأ الفراغ الذي خلفته الاحزاب التقليدية اليونانية وراءها، وبالتالي فان ما حققه هذا الحزب كان نتيجة لظروف الداخلية للبلاد، وخصوصا في شقها المتعلقْ بالاقتصاد.

من ناحية ثانية أي تداعيات اكتساح "سيريزا" للانتخابات اليونانية، أن أحدث ضجة كبيرة، في أواسط سياسية وصحفية، التي أهدرت مداداً كثيراً، وتنبأت بصعود النجم اليساري، وخاصة الراديكالي في سماء الدول الاوروبية، وهناك من ربط كذلك ما حققه حزب "سيريزا"، بما تعيشه اسبانيا مع حزب يساري هو الآخر يدعى "بوديموس"، قد نتفق في شيء واحد أن للحزبين نفس الارضية السياسية، لكن هل للحزبين معاً نفس الظروف، هذا ما ستكشف عنه الايام القادمة.

في حوار له مع جريدة "لوموند" الفرنسية، أكد المؤرخ الفرنسي "جاك جوليار Jacques Julliard " بأنه من المستبعد حقاً، أن تتأثر الساحة السياسية الفرنسية بعوامل خارجية، كتلك التي تشهدها اليونان حاليا، وأكد أن ما سيحدد الخريطة السياسية في فرنسا، هي الانتخابات التشريعية الجزئية، ستشهدها منطقة "مونتبيليهMontbéliard" الاحد القادم، وفي جوابه كذلك على تداعيات نتائج الانتخابات اليونانية على اليسار الفرنسي، أكد أن الظروف ، التي تعيشها اليونان، ليس كتلك التي تعيشها فرنسا، كما أن سياسية التقشف الفرنسية لم تؤثر سلبا على مستوى معيشة الفرنسية.

ومن جهة الثالثة اذ تحدثنا عن اليسار المغربي، وتداعيات الاكتساح الانتخابي ل "سيريزا"، فهذا الربط من جهة ربما بيد الكل البعد، عن المنطق السياسي، حيث أنه في المغرب، لدينا يساران، يسار يوصف بالمعتدل، يتقرب من السلطة "المخزن"، ويسعى بشتى الوسائل لخدمتها، ويسار آخر أكثر تقوقعاً على ذاته، لازال يدور في فلك "الحلم الثوري" و "الجنة الاشتراكية"، غير أن يسارا المغرب وجهان لعملة واحدة، عملة عنوانها "ما السبيل الى الكعكة؟".

وصعود اليسار الاجتماعي في اليونان، وظهور حزب "بوديموس" في اسبانيا، يحيلنا بالضرورة على ما عاشته أغلب دول الربيع الديمقراطي العربية والاسلامية، التي انتهت في الاخير، بصعود الاسلاميين للحكم، نتيجة لفقدان الثقة في أغلب مكونات المشهد السياسي العربي والاسلامي قبل الربيع، اذ حملتها الشعوب مسؤولية، استفحال الاستبداد السياسي، ووضع يدها في أيدي أنظمة، لم نكتشف وجهها البشع، الا بعد سقوطها (تونس، مصر، ليبيا ...).