خالد أوباعمر

أي قيمة قانونية بقيت للنظام الداخلي لمجلس النواب عندما يجلس رؤساء الفرق النيابية للاتفاق في الكواليس على ما يخالف قواعد هذا النظام فيما يتعلق بتفعيل مسطرة الغياب ضد البرلمانيين الذين لا يمتثلوا للقانون الذي يلزمهم بالحضور إلى قبة البرلمان؟

ما الذي تعنيه صفة الوضع الاعتباري لكل من الراضي والمنصوري وشباط ولشكر وغلاب، الذين تم استثنائهم من الخضوع لمقتضيات لقانون الداخلي فيما يتعلق بضبط غياب النواب البرلمانيين، عندما لم يقم رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي بالتشهير بأسمائهم كما فعل مع الآخرين؟

وما الذي تعنيه جملة " أنا أتحمل مسؤوليتي السياسية في هذا القرار" التي واجه بها رئيس مجلس النواب المحتجون، الذين قال عنهم رئيس الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية في مجلس النواب كما جاء في الصحافة، بأنهم لم ينضبطوا للقرار الذي اتفق عليه رؤساء الفرق النيابية، وقاموا بطعنهم من الخلف؟
لماذا لم يخضعوا القاعدة القانونية للاستثناء عند صياغة القانون الداخلي لمجلس النواب؟ هل يجوز الضحك على المغاربة بالصفة الاعتبارية لتكريس التمييز القانوني في التعاطي مع ممثلي الأمة الذين لا يحترمون وظيفتهم النيابية ولا ينضبطون؟

التصريحات المنسوبة لكل من رئيس الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية عبد الله بوانو، ورئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي تصريحات، غير مسؤولة، وفيها إجهاز على القانون الذي يؤطر عمل المجلس.

إذا كانت ظروف الراضي وشباط ولشكر وغلاب والمنصوري تحول دون حضورهم للبرلمان فعليهم أن يقدموا استقالتهم من المجلس ويقدمون اعتذار للناخبين الذين منحوهم ثقة تمثيلهم في البرلمان، وليس البحث عن مخارج سياسية مخالفة للقانون، من أجل تكريس ريع سياسي بمبررات واهية.
الراضي وغلاب والمنصوري كرؤساء سابقين لمجلس النواب كانوا يمارسون مهاهم بهذه الصفة بشكل مؤدى عنه. فهم في الأول والأخير لا يقدمون للدولة خدمات بالمجان، بل بالعكس، لقد كانت لهم رواتب وتعويضات وامتيازات محترمة مقابل المهام التي كانوا يقومون بها بتلك الصفة. ونفس الأمر ينطبق على أمناء الأحزاب السياسية أمثال شباط وإدريس لشكر.

وصول هذين الرجلين للأمانة العامة لأحزابهما وانشغالاتهما السياسية في هذه الأحزاب، لا تحول دون إخضاعهما للقانون، الذي ينبغي أن يسري على الجميع بدون استثناء، وإلاّ، فما الذي يمنعهما من تقديم استقالتهما، وترك الفرصة لمن يليهما في لائحة المرشحين لمجلس النواب، في الحلول محلهما، إذا كانت مسؤولياتهم الحزبية تحول دون انضباطهم النيابي .

دولة الحق والمؤسسات والقانون، لا ينبغي أن نفصل فيها بين المسؤولية والمحاسبة، وعندما يواجه رئيس مجلس النواب احتجاج البرلمانيين بمسؤوليته السياسية، فعليه أن يوضح للرأي العام، الأساس الدستوري والقانوني، الذي يعطيه حق تعطيل القانون، وتكريس التمييز بين البرلمانيين في الخضوع للقانون الذي ينظم عمل مجلس النواب؟
رئيس الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية، عبد الله بوانو، الذي انفجر اعلاميا على زملائه في العدالة والتنمية، واعتبر احتجاجهم على استثناء عدد من البرلمانيين من التشهير بأسمائهم بسبب عدم انضباطهم للحضور إلى مجلس النواب، عليه أن يحترم القانون الداخلي للمجلس، وعليه أيضا، أن يكون منسجما مع قناعاته السياسية التي يرددها دائما فيما يتعلق بالريع وربط المسؤولية بالمحاسبة وسمو القانون وعدم الكيل بمكيالين في التعاطي معه، بدل توجيه اللوم لزملائه البرلمانيين، ومعاتبتهم على مسائلتهم النيابية، لرئيس مجلس النواب حول هذه الفضيحة القانونية والأخلاقية والسياسية.

ما يسمى بالوضع الاعتباري للراضي والمنصوري وشباط وغلاب ولشكر ، بدعة سياسية، لا تستند على أي أساس دستوري أو قانوني يعطي لبوانو ولرئيس المجلس رشيد الطالبي العلمي حق التذرع بهما، وفيه أيضا مساس بأخلاقيات العمل النيابي والسياسي، الذي ينبغي أن يكون نبيلا وبعيدا عن ثقافة الكولسة.

منطق التوافق على خرق القانون سلوك يضر بمصداقية المؤسسات الدستورية ويعطي انطباع للمواطن المغربي بأن الجهاز التشريعي في الدولة لا يحترم القانون ويقوم بتعطيله خدمة لأهواء السياسيين الذين يفترض فيهم أن يكونوا حراس لهذا المعبد.

بعيدا عن هذه القضية/ الفضيحة نشرت الصحف الوطنية والمواقع الإلكترونية خبرا آخر يفيد بأن وزير الداخلية محمد حصاد وافق على مطلب الأحزاب السياسية الذي يقضي بإلغاء المقتضى القانوني الذي يمنع الجمع بين العضوية في البرلمان ورئاسة الجماعات المحلية، حيث أن هذا المقتضى سيظل ساريا فقط على الوزراء في الحكومة.

الخطير في الأمر حسب المعطيات المتوفرة، أن جميع الأحزاب، سواء تعلق الأمر بأحزاب المعارضة، أو أحزاب الأغلبية الحكومية، كانت ضد منع الجمع بين الصفتين، وهذا إن ذل على شيء، فإنما يدل على أن الأحزاب السياسية لا تنشد التغيير الذي ينشده المغاربة، ولها مسؤولية مباشرة وواضحة في تكريس الريع الانتخابي.

لماذا هذه اللهفة الحزبية على الجمع بين مهمتين في الوقت الذي يثبت الواقع أن الجمع بين المهمتين من أكبر المشاكل التي يتخبط فيها المغرب وتحول دون وجود حكامة في تدبير شؤون المغاربة نيابيا وعلى مستوى الجماعات المحلية؟ لماذا تصر هذه الأحزاب على تفويت فرص الإصلاح الحقيقي لأعطاب البلد؟ ما هو المقابل الذي ستأخذه وزارة الداخلية مقابل منح هذا الريع الانتخابي للأحزاب التي انتصرت لمصالح أعيانها دون أن تنتصر للمصلحة العامة للشعب المغربي؟

المؤشرات لا تبشر بأي تغيير في المستقبل ما دام أن الأحزاب لا زالت غير قادرة على التخلص من ثقافة الريع الذي تعتبره في وثائق مؤتمراتها الحزبية وفي مرافعاتها النيابية وفي ندواتها السياسية وفي لقاءاتها وحواراتها التلفزيونية وتصريحاتها الصحفية بأنه " الريع" يعد مظهرا من مظاهر الفساد المتفشي في الدولة والذي يحول دون وجود حكامة في تدبير الشأن العام وطنيا وجهويا ومحليا !!

عندما تصلح الأحزاب السياسية أعطابها ، وعندما تقلع عن عاداتها السيئة، أنداك، يمكن الحديث عن محاربة الفساد والاستبداد، ويمكن الترافع عن ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعن مسؤولية الدولة والمجتمع في بناء دولة الحق والقانون.