محمد بوبكري

لا جدال في أن الأحزاب السياسية تلعب دورا أساسيا في حياة المجتمعات الديمقراطية، حيث تُقاس فعاليتها بقدرتها على تطوير مشروع مجتمعي يستجيب لمتطلبات المجتمع ويمكِّن من القدرة على تأطير المجتمع وتأهيله لبناء مؤسسات ديمقراطية تفسح له المجال لأعضائه للمشاركة في صنع حياتهم.

 

لا تخرج الأحزاب السياسية الفعلية إلى الوجود صدفة، ولا تتأسس لحل مشاكل شخصية أو تحقيق أهداف شخصية، بل تنشأ للتعبير عن أوضاع مجتمعية معينة وتطوير مشاريع لتغييرها، كما أنها تبرز في سياق تاريخي يطبعه الصراع الفكري والاجتماعي... وبذلك فهي تستجيب لظرف تاريخي معين، ما يمكِّنها من الحصول على قاعدة مجتمعية معينة، حيثُ ترى الأخيرة أن هذه الأحزاب تعبر عن تطلعاتها، فتنخرط فيها عملا على إنجاز مشروعها. هكذا لا يمكن أن تكون الأحزاب فعلية وفعالة ما لم تعبر عن نبض المجتمع وأوجاعه وآلامه، وتعمل على بناء ذاتها عبر التفكير والفعل المستمرين المفضيين إلى التطور المستدام الذي يحفظ لها وجودها...

لكن يبدو لي اليوم أن الأحزاب في المغرب لم تعد اليوم تمتلك قيادات ولا أطرا مؤهلة لتطوير رؤى وخيارات وطنية، إذ لا تهتم بالوطن وقضاياه، ولا تفكر وتعمل لتجاوز معيقات التحديث والبناء الديمقراطي، وتهتم في المقابل بمصالحها الخاصة لا غير. ويعود هذا إلى انحدار المستوى الفكري لـ "النخب السياسية" وافتقادها لاستقلال قرارها... وهذا ما جعل بعض الملاحظين يرون أنها ليست أحزابا بالمفهوم الحديث، كما أنها غير متجذرة في تربة المجتمع، ولا تمتلك القدرة على التطور والاستمرار...

توجد في بلادنا أحزاب "متعددة" بلا مضمون أو فعالية حقيقية، إذ أصبحت تقوم على رؤى وتصورات قوى من خارجها أكثر مما تقوم على اتجاه أو فكر سياسي أو قاعدة اجتماعية تعبر عنها، ما جعل دورها يقتصر فقط على تجميل المشهد السياسي بـ "تعددية حزبية" زائفة تهيمن عليها تلك القوى لتتخذ باسمها ما شاءت من المواقف والقرارات...

إضافة إلى ذلك، تتشابه الأحزاب في بلادنا فكرا وممارسة. لكن عندما يستعصي التمييز بينها، فإن هذا يطرح أكثر من سؤال حول قدرة هذه "التنظيمات السياسية"على تطوير خطاب يحمل مشروعا مجتمعيا يمكِّن من التعبئة للحصول على تمثيلية مجتمعية تُكسبها شرعية اتخاذ قرارات كبرى باسم المواطنين. نتيجة ذلك أصبحت هذه الأحزاب مجرد فضاء لقضاء المآرب الخاصة لما يسمى بـ "النخب السياسية".

ويدل عجز الزعامات عن تطوير مشروع مجتمعي تدير على أساسه سياساتها عن أنها تشتغل بأساليب عشوائية. وهذا ما جعل الحزب في مجتمعنا يفتقر إلى إستراتيجية تجعله أكثر قوة، فظل ضعيفا يتأثر بما تفعله القوى الأخرى في علاقاتها معه، إذ ليست لديه آلية التأثير فيها. وعندما يحصر الحزب حركته في إطار ردِّ الفعل، ويدير سياسته على قاعدة "كلّ يَوم مُدبِّرُه حَكيمٌ"، دون أن يمتلك رؤية مستقبلية، أو يُعدَّ خيارات وسيناريوهات متعددة للتعامل مع ما يفرضه عليه تطور الأحداث... فإنه يخلق الفراغ الفكري والتنظيمي، ويسهِّل على استراتيجيات الآخرين أن تقتحم هذا الفراغ، وتمنح لنفسها أدوارا فيه، فتحتل الحزب ذاته، وتعرقله من داخله وخارجه...

تقتضي الممارسة السياسية وضوح الرؤية والهدف، وامتلاك خطة وآليات لبلوغ هذا الهدف... ويُعد ذلك ضرورة أساسية للمواطن حتى يقتنع بالحزب، فيمنحه ثقته ورضاه، ويدعم مشروعاته وخططه، وبالتالي يصبح شرعيا. وبدون ذلك، ستستغل القوى الأخرى غياب الرؤية لديه، وانعدام الفكر الاستراتيجي لديه، فتُغَلِّب مصالحها على مصالحه...
ويتجسد خواء الزعامات في ما تعرفه جلسات "البرلمان" في المغرب من سقوط وانحطاط، وكأنه جيء بالأغلبية والمعارضة معا لتزييف وعي المغاربة وصرفهم عن مشكلات البلاد والمخاطر المحدقة بها... فمن ينقد الوطن من هذه الكارثة؟!
لقد طالت هذه الممارسات مختلف أنشطة الزعامات السياسية، وتم تعمُّد إقصاء المثقفين وأصحاب الخبرة والعلم والتخصص، ما حال دون تطوير أي رؤية تمكن من طرح أسئلة إشكالية تنمّ عن وعي بمشاكل البلاد والقدرة على تجاوزها... هكذا تصدَّر المشهد السياسي أشخاص غير قادرين على مواجهة قضايا ذات أبعاد وطنية وإستراتيجية، لا يعلمون عنها شيئاً. لكن لا يمكن إدارة الشأن العام بالفراغ الفكري ومن باب الهواية، أو بتكليف ما اتَّفقَ من الأشخاص للاضطلاع بشؤونه...
نتيجة ذلك، أصبحنا لا نعيش في التاريخ، ولا نحيا حياة واقعية، بل تحولنا إلى مجرد ألفاظ أو كلمات أو تعابير بدون معنى...