محمد بوبكري

لقد تأكد اليوم فشل الأحزاب السياسية في الاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة، وأصبحت غير قادرة على اجتذابها إلى عالم السياسة والحياة العامة من أبواب مختلفة، فصار بإمكان حركة الاحتجاج الاجتماعي اعتماد وسائل الاتصال الحديثة لتجاوز الأطر التنظيمية الرخوة للأحزاب. لذلك، لم يعد ممكنا إهمال هذه الظاهرة عند الحديث عن دور الأحزاب وأهميتها ومستقبلها، حيث تجاوزها تطور الأحداث، وأصبح من الصعب اليوم الحديث عن قدرتها على المساهمة بفعالية في إحداث انتقال ديمقراطي في بلادنا.

 

إذا نظرنا إلى ظروف نشأة الأحزاب الديمقراطية في المجتمعات الغربية، وجدنا أن الديمقراطية لم تنجم تلقائيا عن تعددية حزبية فحسب، بل نتجت عن وجود مسبق لثقافتها وقيمها في تلك المجتمعات، وما رافق ذلك من تراكم خبرة الممارسة السياسية لدى النخب والمجتمع في آن.
فلقد ظهرت الأحزاب السياسية بالمعنى الحديث نتيجة عصر النهضة الأوروبية في سياق ثقافة عقلانية ونهضة اقتصادية واجتماعية، إذ ارتبطت تلك النشأة مباشرة بالانتقال من المجتمعات القائمة على الاقتصاد التقليدي (الإقطاعي والزراعي والريعي) إلى الاقتصاد الحديث الذي غيَّر طبيعة هذه المجتمعات جذريا. كما أدى نمو الطبقة الوسطى واتساع قاعدتها في تلك الحقبة إلى تبلورها في شكل أحزاب. نشأت الأحزاب في البداية داخل البرلمانات التي ظهرت قبل الأحزاب، وتم السعي بعد ذلك إلى جعل تلك المجالس لا تقتصر فقط على تمثيلية طبقة النبلاء، بل تمثل باقي الفئات الاجتماعية الأخرى. أما الّأحزاب التي نشأت خارج البرلمانات، فقد تشكلت من المنظمات المدنية (النقابات، والجمعيات الثقافية، والاتحادات الصناعية والتجارية وغيرها).
بذلك، تكون نشأة الأحزاب في المجتمعات الغربية نشأة طبيعية، غير مصطنعة أو شكلية. ورغم ذلك فقد ظهرت أحيانا أحزاب ذات تأثير سلبي على الحياة السياسية والتطور الديمقراطي في أوروبا، كالأحزاب الشمولية (الفاشية والنازية وغيرها...).
لكن ظروف نشأة الأحزاب في بلادنا مختلفة عن نظيرتها في الغرب، حيث تم زرع أحزابنا في بيئة تقليدية لم تستكمل بعد مقومات التحديث... فعندما نلقي نظرة على الحقل الحزبي في المغرب نجد أن ما يسمى بـ "الأحزاب الوطنية" تعاني عجزا في تحديث ذاتها ودمقرطتها، حيث تطغى عليها النزعة التقليدية ولا تختلف عن السلطة ومختلف التنظيمات التقليدية من حيث تفكيرها وبنيتها وعلاقاتها الداخلية... لأنها عجزت عن ممارسة قطيعة مع الفكر القبلي والطائفي. نعم، كافح قياديون وطنيون مستنيرون من أجل بناء أحزاب حديثة وديمقراطية تتمتع باستقلال قرارها السياسي... لكن ما أن اختفت هذه القيادات حتى قامت قوى نافذة من خارج هذه الأحزاب باستقطاب بعض زعاماتها تدريجيا للحيلولة دون تطويرها لمشروع يُمَكِّنها من أن تكون لها امتدادات مجتمعية واسعة تؤهلها لمنافستها... كما عملت هذه القوى على توفير ما يكفي من الشروط لكي يتزعم هذه الأحزاب أشخاص فارغون فكريا ولا أخلاق لهم، فأصبحنا اليوم أمام زعامات منحرفة عن التاريخ النضالي لأحزابها، لا تمتلك مشروعا ولا تستطيع تطوير فكرة واحدة،وبالأحرى أن تقوى على التّأطير، ففقدت الأحزاب امتداداتها في المجتمع...
يدل ذلك على أن سلوك هذه القوى يروم الحيلولة دون المأسسة ويعكس عدم امتلاكها لمشروع ديمقراطي...
أما الأحزاب التي لا علاقة لها بـ"الحركة الوطنية"، فلا تزيد عن كونها تصب في خانة الكثرة العددية دون التنظيم الحزبي القوي ولا المعنى السياسي الذي يمكن الاهتمام به.
وأما ما يُعرف بأحزاب الإسلام السياسي، فهي طائفية، ما جعلها أبعد ما تكون فكرا وتنظيما عن التنظيمات الحزبية الحديثة، ولا تختلف زعاماتها في شيء عن زعامات الأحزاب الأخرى، حيث تعمل من أجل تحقيق أهداف القوى المتحكمة فيها من خارج أحزابها، الأمر الذي يفسر استمرارهما في تعميق تردي أحوال المجتمع مؤسسيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
والنتيجة هي غياب أي مؤشر الآن يدل على وجود مشروع ديمقراطي داخل المجتمع، وعجز نخب السلطة والأحزاب عن تطوير أي مشروع.
لهذه الأسباب، قد يتجاوز المجتمع التنظيمات السياسية الحالية، إذ يؤكد ظهور حركة" 20 فبراير"فشل الأحزاب والدولة في الإصلاح وعدم قدرتهما على تدبير الشأن العام وعجزهما عن تأطير المجتمع. وإذا استمرت الأمور على حالها، فمن المحتمل جدا أن تخرج من رحم المجتمع حركات اجتماعية أخرى تسعى إلى تجاوز السلطة والأحزاب معا... وقد بدأنا نلاحظ عزوف أغلب المواطنين عن التسجيل في اللوائح الانتحابية، ما يؤشر على أن نسبة مقاطعة الانتخابات ستكون أكثر ارتفاعا من سابقتها. وإذا تجاوزت نسبة المقاطعة 80%، فستكون "المؤسسات"المنبثقة عنها غير شرعية، إذ لا يمكن للقوى النافذة أن تستولي على المجالس والجماعات والبرلمان والحكومة بأقلية قليلة جدا تشتري أصوات الضعفاء. فقد تصدر عن المجتمع ردود فعل تُحدث شرخا بين السلطة والأحزاب من جهة، والمجتمع من جهة أخرى، فيتعذر تدبير شؤون مجتمع تقاطع أغلبيته العملية السياسية برمتها.
نتيجة ذلك، ربما يعرف مجتمعنا أشكال عنف قد تتطور إلى طوفان يجرف كل شيء، فلا يعود هناك مجال لإصلاحات ولا تغييرات ديمقراطية، ما قد يسقطنا في صراعات عرقية وطائفية دموية يمكن أن تأتي على الأخضر واليابس عبر تفتيت الوحدة الوطنية...
خلاصة. القول إنه لا يمكن لأي دولة أن تستمر بدون مأسسة المجتمع، إذ بدون ذلك فإنها لن تكون مُمَأسسة هي ذاتها، وتفقد القاعدة التي تنهض عليها والتي بدونها لن تقوم إلا على الفراغ... إضافة إلى ذلك، يكون التغيير بمشروع يُحدث تحولات على كافة المستويات بأسلوب سلمي وحضاري وليس بالعصبية والعنف الطائفيين والقبليين والعمالة للخارج، كما لا يمكن أن يتحقق باعتماد نفس المبادئ والأساليب التقليدية التي ينهض عليها الوضع القائم وتستعملها السلطة مع أنها لم تعد مجدية في زمن الثورة المعلوماتية والعولمة وأصبحت تشكل خطرا على الجميع لأنها تمكن القوى الخارجية من تنفيذ مخططاتها من داخلنا ضد بلدنا...