لماذا لم نر وزرائنا ومسؤولينا يتجولون في الأزقة والشوارع والدواوير يتفقدون أحوال البلاد والعباد قبل انطلاق الحملات الإنتخابية؟ ولماذا لا نراهم يأكلون ويشربون كما يأكل ويشرب عامة الشعب في أزقة مهمشة ومن أيدي أناس بسطاء يسعون وراء لقمة عيشهم بشرف كما رأيناهم يفعلون ذلك في حملاتهم الإنتخابية؟
أيحتاج المغاربة لرؤية تواضع الوزير والبرلماني ورجل الأعمال مع"مول الهندية" ومول"السيكوك" و الميكانيكي والمتسول يشرحون لهم ويبتسمون ليتعاطفوا معهم؟ ولماذا لا نرى لهم هذا التواضع وهذا القرب من هموم المواطنين وأوجاعه في باقي أيام السنة وطيلة مدة ولايتهم وانتذابهم؟
أهو تواضع أم استهتار واستحمار لعقول المواطنين؟.
جميل أن يتواضع سياسيونا وهذا هو الأساس في المسؤولية التي يجب أن تسود في أجهزة الدولة على المستووين المركزي والمحلي، وجميل كذلك أن نراهم يختلطون بعامة الشعب لدراسة مشاكلهم والتقصي على ما يعانونه وما ينتظرونه من دولتهم ومسؤوليهم ولكن ذلك لا يجب أن لا يقتصر ذلك على الوقت الذي تتهافت فيه الأحزاب ومرشحيها على المقاعد ويشعر آنذاك المواطنون بأن أصواتهم غالية وهي الدافع الأول والأخير لنزوح السياسيين نحوهم بهذف استمالتهم وجرهم للتصويت لفائذتهم لأن أصوات المغاربة هي من تحدد توزيع هذه المقاعد ويفوز من يفوز ويخسر من يخسر.
إنهم يرقصون، يغنون، يجوبون الشوارع والأزقة والدواوير ويأكلون في أماكن متواضعة لم يألفوا ولوجها ويقبلون وجوها بعثر الدهر والزمان ملامحها بسبب الأوضاع المزرية التي يعيشونها ويُشعرون الشعب بأنهم منه ومعه ولا يختلفون عن عامة الناس في شيء.
في عز الحملات الإنتخابية يتحول صوت المواطنين المغاربة وخصوصا المقصيين والمهمشين منهم لِمٓاس أثمن من لبن العصفور يتهافت عليه كل المتنافسين ولا يجدوا حرجا في تقبيل رؤوس المسنين وأيدي العجزة ومن يكبرهم سنا ويبتسمون ويضحكون مع الشباب ويشاركونهم يومياتهم لبضع ساعات وكأنهم منهم وإليهم والحقيقة غير ذلك. فبمجرد ما يقضي المرشح وطره ويستخلص أصواتا تخول له الوصول لهدفه يدير ظهره ويتنكر لذاك الشخص المتواضع الذي كان عليه وألفه المواطنون إبان الحملة الإنتخابية ويصبح ذاك الإنسان الذي لا يرضى حتى بمصافحة من لا يليق بمستواه ومركزه فما بالك بمشاركتهم الأكل والجلوس معهم في المقاهي الشعبية وركوب ما يركبون والنزول لمستواهم المعيشي المتواضع كما كان يفعل في حملاته الإنتخابية وتعود تلك المسافة التي كانت تفصل الطرفين لسابق عهدها، وهنا تُطرح إشكالية العلاقة الإجتماعية التي يفترض أن ينسجها المنتخب مع أهل دائرته لتطرح نفسها من جديد.
العلاقة إذن بين سياسيينا والمواطن المغربي علاقة مصالح لا أقل ولا أكثر ولا تثبت بأي شكل من الأشكال عمق ما يجب أن تتصف به الروابط التي يجب أن تكون بين السياسي والمواطن وخصوصا ذاك المواطن الذي همشته السياسات العمومية ولم تعره الدولة الإهتمام الذي يستحق في بلد رفع شعار المساواة وخدمة الشعب.
لقد أثبتت سوسيولوجيا الإنتخابات بأن المرشح في حملته الإنتخابية يظهر لدى عموم الناس بمظهر الصالح الودود المحب لعامة الناس الذي لا يختلف عنهم في شيء ويتشارك معهم في كل تفاصيل حياتهم ويعي جيدا ما يعانونه وفي أعماقه إحساس بالعجز أمامهم والرغبة في انتهاء الحملة وظهور النتائج ليهاجر لشخصيته القديمة المترفعة أو الجديدة بعد الإنتخابات ونسيان ما عاشه من تواضع مع المواطنين في أزقة ودروب وجبال ودواوير دائرته.
إنها انتهازية السياسي ونفاقه الذين لا يمكن لإنسان عاقل في عصر الوعي والحس الذين يتميز بهما العقل المغربي في الآونة الأخيرة أن يقبلها.
فالبون الشاسع والمسافة الكبيرة التي تفصل بين السياسي والمواطن المغربي لا يمكن أن يزول بممارسات السياسي التي يخون فيها أمانته ويدير ظهره لأبناء دائرته ويتكبر عليهم ولا يفي بوعوده التي قطعها على نفسه إبان الحملات الإنتخابية والغياب عن الساحة والظهور في المناسبات الإنتخابية فقط ولا يزج بنفسه في خانة الذين قال عنهم ملك البلاد في خطابه الأخير:"هناك بعض المنتخبين يظنون أن دورهم يقتصر على الترشح فقط وليس من أجل العمل وعندما يفوزون في الإنتخابات يختفون لخمس أو ست سنوات ولا يظهرون إلا مع الانتخابات الموالية".