نزلة عهر وفحش، هبت دفعة واحدة، مثل نزلة برد عابرة، من فيلم الرذيلة، إلى استعراض العري والرذيلة، إلى اقتراف الفحشاء والرذيلة، بالقبل والحركات الساقطة، في أكرم مكان لدى المغاربة، مسجد حسان، حيث العظمة التاريخية للمعمار المغربي الأصيل، المخلد للمجد السياسي المغربي، في عهد الملوك الذين نفذوا في العالم، ودانت لهم أمم الأرض في عهودهم، وحيث يرقد الملك محمد الخامس، مؤسس المملكة الحديثة للمغرب، بعد اندحار الاستعمار، الملك الذي أجمع المغاربة على حبه.

إنه الهجوم القاذف القاصف لقيم الشعب المغربي، المعتدي على شرفه وكرامته ونخوته، وإنه التدنيس الوقح، لطهارة الفضاء الإعلامي، الذي يغشى البيوت المغربية، وتتحلق حول مشاهده العوائل المغربية، وتجرأت قناة دوزيم، من خلاله على انتهاك حرمة وكرامة الأسرة المغربية، وامتهان القيم المغربية المشتركة، دون تروّ، أو تحوّط، أو مراعاة لما يباح ولما لا يباح.
عاصفة الفجور تلك، التي استهدفت الحياء العام، لا تحتاج إلى إرهاق الذهن، كي يستنتج ويتحسس أن هناك أمر يُبيّت بليل، وشر يراد لهذه البلاد.
وإذا افترضنا حسن الظن، فقد يكون آل عيوش، وسدنة موازين، ورعاة قناة دوزيم، وشواذ باحة مسجد حسان، أدوات غير واعية بالمخاطر المهددة للأمن القيمي للمغاربة، وقد يكونون ضحايا مستغفلين، مسخرين لتخريب حصون البلاد الحامية لأصالتها، تلك الأصالة التي هي سر وجود وكينونة المغرب، وبقائه ممتدا عبر الأحقاب الطويلة، المتوالية عزا وسؤددا واستئسادا.
لكن كيد الكائدين لهذا البلد، الذين يمكرون بالليل والنهار، ارتدّت مكائدهم على نحورهم، خيبة وحسرة، وباؤوا بالهزيمة والخسران، وقد رأوا شعب الأسود ينتفض سخطا ولعنة على حالات المسخ، من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، ويهيج إنكارا واستياءا، لقد أيقظوا غيرة المغاربة على العرض والشرف والطهارة.
وصورة الأطفال، التي انتشرت مأخوذة من النقل العابث لقناة دوزيم، وهم ينظرون إلى حركات المسخ والعري والفحش، المستعرَض على منصة "موازين"، بالنظرات الشزراء الرافضة، كانت صورة تعبيرية رمزية، للضمير الجمعي المغربي، بما يتلظى به من غيرة وإباء، كانت الإيحاءات بها، ترشح من وميض عيون الأطفال الأطهار بفطرة الله التي فطر الناس عليها.
الذين يتوهمون وهم على أرائكهم، في عواصم الغرب، أنهم قادرون على سلخ الشعب المغربي من هويته الإسلامية، وكرامته المتأصلة، وشكيمته المغربية، إنما هم خاسئون، وسيحملون فوق ظهورهم أوهامهم، أوزارا، نكدا وخسارا، وهم ينفقون الآن أموالهم، ويصرفون جهودهم، فسيصرفونها وينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون.
هذه الصخرة الجلمود العاتية، التي اقتُدّ منها المغرب المسلم، الشامخة على ملتقى البحرين، المتوسط والأطلسي، المنتصبة ثغرا غربيا للعالم الإسلامي، على تخوم الغرب الاستعماري، ستظل صخرة راسية راسخة، تتحطم عليها أمواج عدوان المتربصين الحاقدين على إسلام وعروبة مغرب الأمازيغ الأحرار، المغرب الثغر، الذي منه خرج الأبطال الأمازيغ، الشِّداد الغلاظ، لِدَكّ حصون الأمبراطورية الصليبية الأوروبية المعادية للإسلام، في ملاحم الانتصارات التاريخية، الزلاقة والأرك وغيرها.
إنهم يريدون لمغرب الأمجاد التاريخية، أن يصبح مطرحا للفجور والمجون والعري والخلاعة والفسوق والمروق، حتى يكَسِّروا أَنَفَة المغاربة، الذين حطموا أضلاع ثلاث امبراطوريات استعمارية، ومهدوا لدفنها في مزابل التاريخ، الأمبراطورية البرتغالية، التي لقيت حتفها في معركة وادي المخازن الأسطورية، معركة الملوك الثلاثة، أيام المجاهدين السعديين الأشراف، ثم الأمبراطورية الاستعمارية الإسبانية، التي سلمها المجاهد عبد الكريم الخطابي شهادة الوفاة، في معركة أنوال الخالدة، والتي تعلمت منها الشعوب المضطهدة، في آسيا وفي أمريكا اللاتينية وفي أدغال أفريقيا، كيف يذيقون أمبرياليات الاستعمار الغربي، مرارة الهزائم بأسلحة الإرادة والعزيمة والاعتزاز بالنفس، تلك الأسلحة التي كان يُصَنّعها الخطابي في جبال وأودية الريف، ويصدرها لحركات التحرر العالمية، مدرسة لحرب العصابات، ثم الأمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، التي مرغتها المقاومة الباسلة وجيش التحرير، في وحل الإذلال، وأذاقت عساكرها حمى الرعب، في ظرف زمني قصير، ما بين 1952 و1955، فأسقطت هيبتها في أفريقيا وآسيا.
هذا المغرب الأسد، الذي هؤلاء رجاله الضراغيم الكواسر، يريدون له أن تتحول نساؤه إلى بغايا وعرايا ومتهتكات، وتتحول فتياته إلى طُرَّب وغُنَّج وعواهر، ورقيق أبيض في سوق النخاسة الداعرة، حتى يزرعوا في نفوس الرجال الخنوع والانكفاء، وينتزعوا من قلوبهم الشهامة والإباء، فينبطحون ذلا ومسكنة وصَغارا.
إن هؤلاء الذين يخططون من على أرائكهم في عواصم الغرب، الذي لم يتعاف من نزعته الاستعمارية، يذكرون جيدا، كيف أن المؤامرة على هوية المغاربة وأصالتهم سنة 1930، مؤامرة الظهير البربري، الذي أريد به التفريق بين الشعب الواحد، باقتلاع القبائل الأمازيغية من روابطها الإسلامية، إن هذه المؤامرة كانت سببا في اندلاع الحركة الوطنية، التي طردت الاستعمار، وأنجبت المغرب الحر الجديد.
ويذكرون جيدا، كيف أنه وبعد استقلال المغرب، وفي سنوات الخمسينيات والستينيات، كيف أُمطِرَت أجيال الاستقلال بأطنان من الثقافة الانحلالية الهدامة لعقيدة الأمة، والناشرة للإلحاد والتحلل من الدين والأخلاق، فخرجت الحركة الإسلامية في السبعينيات، طوفانا جارفا لمؤامرات الهدم الديني والأخلاقي.
واليوم يجربون من جديد، بالهجوم على فضائل الحياء والعفة والطهارة والأنوثة البتول، بنشر رذائل التفسخ والتهتك والشذوذ، فليتفرجوا بأم أعينهم على براكين الغيرة والغضب لمحارم الله تفور من قلوب المغاربة، نساءا ورجالا وأطفالا، حكاما ومحكومين، شعبا وحكومة ومعارضة، فحمدا لله، أن بلاد الأسود لا زالت يقظة فطنة نابهة، تغار على المساس بأعراض المغربيات الحرائر، وتتصدى لانتهاك حرمات الله، حتى وإن تراءى لأعداء الهوية والأصالة والدين، أن أجيال الشبيبة المغربية أصبحت فريسة سائغة للابتلاع، ولكنها صحوة الفضيلة والغيرة والعفة، تهب ثرة، مجلجلة تكنس آثار فيلم المجون، ومهرجان الخلاعة، وحركات الشذوذ، وتدنيس المساجد.