إنه لأمر صادم، بل أكثر، فهي فضيحة كبيرة تؤجج الغضب، وتفوق الاحتمال، هذا أقل ما يمكن أن نُوَصّف به موضوع الروبورطاج الذي نشره موقع “بديل.أنفوا” عن كلميمة، القلعة الصغيرة بنواحي الراشيدية.

روبورطاج يكشف المستور ويرفع الحجاب عن وجه آخر لـ”أجمل بلد في العالم”، وجه مجذوم يحاول المسؤولون جاهدين التعتيم عليه بدل مداواته.

كلميمة، قلعة بلا ماء شروب، بلا مستوصف صحي، حيث أن أقرب مستشفى لها يقع على بُعد عشرات الكيلمترات.

قلعة لا يتوفر سكانها، الذين يفوق عددهم الألفين، على مرحاض واحد!! وبالتالي فهم محكومون بأن يقضوا حاجاتهم في الهواء الطلق، مع كل ما قد يترتب عن ذلك من عواقب صحية وبيئية، والسبب هو أن قنوات الصرف الصحي “مخنوقة” منذ عقود..

كلميمة، أكبر هاجس يقض مضجع سكانها.. هو أن يتساقط المطر!! فكل زخة مطرية تعني انهيار مساكنهم المتهالكة، منازلهم ذات الجدران والسقوف المشقوقة المتصدعة. لذلك هم يسارعون للاحتماء بالمسجد عند أولى قطرات الغيث، وهذا لا يكون سهلا، إذ يلزمهم انتظار الموافقة ليتمكنوا من ولوجه!!

لكن، أين هي السلطات والمنتخبون ومبادرة التنمية البشرية.. من كل هذا؟

منهم المسجلون في نادي الغائبين، ومنهم الكذابون الذين يشبهون مقتلعي الأسنان في الأسواق القروية، مسهبون بل “كرماء” جدا في وعودهم الكاذبة.

إننا من خلال إثارة النقط الأساسية التي وردت في روبورطاج زميلنا صحفي موقع “بديل.انفو”، إنما نريد أن نجعل من هوان سكان كلميمة إهانة أكثر، نريد أن نرفع صوت المطالب المشروعة لهؤلاء المنسيين، هؤلاء الملاعين، المستضعفين في الأرض الذين يصرخون بصوت عال وواضح من أجل حقهم في عيش كريم، حقهم في صون كرامتهم.

في نفس الأثناء، لكن في الرباط، يتفنن المسؤولون في السخرية من تقرير الخارجية الأمريكية الذي يرصد وضعية حقوق الإنسان بالمغرب. ليس من ضير طبعا في حال تضمن التقرير أخطاء أن يتم الاحتجاج عليه ودحضه الأخطاء الواردة فيه، لكن ليس من الحكمة في السياسة قطع شعرة معاوية.

يقول المثل المغربي “كول وقيس” !!

يظن “الخبراء الاستراتيجيون المغاربة” أن بوسعهم التمرد على الولايات المتحدة الأمريكية بما أن الإدارة الحالية تستعد للرحيل، متأكدين من وصول هيلاري كلينتون إلى البيت الأبيض، فهيلاري، في اعتقادهم، صديقة للمغرب. لكن، هل علينا تذكير هؤلاء “الخبراء”، ذوي “الكعيات” الشهيرة (جزيرة ليلى- قضية أمينة حيدر- كريستوفرروس- التدخل في اليمن وسوريا وإيران…)، بأنه، مع القوى الكبرى، ليس ثمة أصدقاء، بل ثمة مصالح، وبأنه “من الحزم سوء الظن” كما قالت العرب؟

هؤلاء “الخبراء” ينتمون إلى فئة ترى عود التبن في الضفة المقابلة، لكنها لا ترى القضيب الذي يكاد يعمي أعينها!!

إن حالة سكان كلميمة ليست حالة وحيدة معزولة، بل هناك العشرات والعشرات الذين يعيشون نفس الحرمان والظلم والإحباط. مهمشين، منسيين، محجوبين عن المشهد، يتم نحث وتكييف وجودهم حسب مزاج المسؤولين، هم هكذا آلاف من المواطنات والمواطنين يتعرضون إلى ما لا يحصى وما لا يُعرف من خروقات فضحها تقرير الخارجية الأمريكية وتقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش والجمعية المغربية لحقوق الإنسان… ومع ذلك فهذه التقارير على أهميتها تبقى قاصرة عن ملامسة حجم وطبيعة ما يتعرض له هؤلاء الناس من ضرب لحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسي. وهي الانتهاكات التي تتحمل فيه الدولة والأحزاب السياسية والمنتخبون كل المسؤولية.

في الوقت نفسه الذي تم فيه تداول هذا الروبورطاج، كان مهرجان “موازين” يهدر بالموسيقى والصخب، مهرجان كلفته اليوم تزيد عن 75 مليون درهم، أي 7 ملايير وخمسمائة مليون سنتيما..

سيقول البعض إن الدولة لم تعد تمول هذا المهرجان، سواء بشكل مباشر أو عن طريق مؤسسات عمومية أو شبه عمومية، لكن التمويل الأساسي لنسخة هذه السنة من “موازين” تقدمه قنوات التلفزيون العمومية الثلاث في المغرب، وهذه الأخيرة تتلقى تمويلها من الدولة، أو بمعنى أدق: من المغاربة دافعي الضرائب!!

في هذا السياق، تساهم جهات مانحة أخرى “تلقائيا” في تمويل هذا المهرجان، اقتناعا منها بأن المهرجان يحظى بعطف من الملك شخصيا ودعم من مستشاريه المقربين.. فهل كان “موازين” ليستمر على هذا المستوى لولا هذه العطف وهذا الدعم؟

من جهة أخرى، ماذا عن المطالب التي عبر عنها بشجاعة سكان هذه القلعة الصغيرة (كلميمة)، هل سيتم الاستماع إليهم وتلبية مطالبهم يا ترى، أم ستتم معاقبتهم لتجاسرهم على فضح المآسي التي يعيشونها؟

في انتظار معرفة هذا، وجب التذكير بأن الفنانة الأمريكية ويتني هيوستن كانت قد تلقت مبلغ 7,5 مليون درهم أي 750 مليون سنتيم لقاء مشاركتها في “موازين”.. مبلغ لشخص واحد، كان كفيلا بتحويل كلميمة (وربما عشرات “الكلميمات” مثلها) إلى جنة !!

“آش خاصك آ عريان كلميمة؟”

“فلوس موازين آ مولاي”

في روما القديمة كان الجواب: “خبز وسيرك”

وفي الرباط الحديثة: “موازين وجذبة”.