بديل – صلاح الدين عابر

لا يُمكنْ لِلْمرءْ أن يتحدث عن مدينة السردين دون أن يستحضر التلوث الصناعي في المدينة، لقد ارتبط ذهن سكان مدينة آسفي على الساحل الأطلسي بالتلوث أكثر من أي شيء أخر، فالكل هُنا في آسفي يتحدث عن المدينة إلا ويُذْكَرْ معها التلوث، لقد بات التلوث في آسفي شبحاً شرساً يُخيمُ على حياة السُكانْ و يَقُضْ مضاجع الناس ليلاً نهاراً.. كان زمن تتحدث الناس عن آسفي وحضارتها الشامخة، و شهرتها بالسمك و الخزف، في ذلك الوقت كانت اسفي تتصدر قائمة المُدن الأكثر إنتاجا، و احتل ميناء آسفي المرتبة الأولى عالمياً في مجال تصدير السمك.

التلوث الصناعي، الثالوث العاصف، المركب الكيماوي للفوسفاط و معمل الجبص و معمل الأسمنت، هذا المثلث الذي يُغطي المدينة شمالاً و جنوباً شرقاً و غرباً، سبب حِيرَةََ للمواطنين داقو درعاً من الاحتجاجات و الاستنكار ولا من يسمع صدى السُكان، رحل كل شيء، السردين أصبح مُجرد حلم و الثروة السمكية شدت رحالها منذ سنوات طويلة.

" يُريدوننا أن نحمل حقائبنا ونهجر هجرة جماعية، بسبب تلك الانبعاثات التي يُخلفها المركب الكيماوي كل يوم " هكذا يقول أحد المواطنين من مدينة آسفي إلتقاه موقع " بديل " يُقيم جنوب المدينة، المكان الأقرب لمركب كيماويات المغرب، يُضيف منفعلاً حينما فاتحه صحافي " بديل " موضوع التلوث " لقد دمر المكتب الشريف للفوسفاط حياتنا و صحتنا.. المواشي تموت و أرزاقنا تبخرت، حتى الحيوانات لم تسلم " .
ملوثات تُهدد بإبادة جماعية !

تُخلف أغلب انبعاتاث المركب الكيماوي للفوسفاط في المدينة، غاز ثاني أكسيد الكبريت نظراً لتخصيب مادة الكبريت وعدد من المشتقات الفوسفاط وإحراق مواد أخرى عالية السمية في المصنع الذي يبعد عن المنطقة الحضرية للمدينة بـ7كلمتر فقط، يقول الدكتور مجد جرعتلي يتصاعد الكبريت مع الدخان على شكل ثاني أكسيد الكبريت، وهو عديم اللون نفاذ وكريه الرائحة له أثار ضارة حيث يتحول في الهواء إلى حمض الكبريتيك نتيجة لتأكسده إلى ثالث أكسيد الكبريت وتفاعله مع بخار الماء. يُضيف الدكتور ذاته ولكل من ثاني أكسيد الكبريت وحمض الكبريتيك تأثيراً خطيرا بالجهاز التنفسي (التهاب القصبات الهوائية وضيق التنفس والآم في الصدر وتشنج الحبال الصوتية و تهيج العيون والجلد ..) كما يشارك في إحداث مشاكل بيئية منها الأمطار الحمضية .

الدكتور نفسه، يُضيف أن غاز كبريتيد الهيدروجين يُسبب نقصاً في الأوكسجين الذي يصل إلى الأنسجة وأعضاء الجسم ويحدث ضررا بالجهاز العصبي المركزي و اضطراب وصعوبة في التنفس والخمول وضعف القدرة على التفكير كما أنه يهيج الأغشية المخاطية للجهاز التنفسي وملتحمة العين.

فإذا كانت مدينة آسفي حسب هيئات مدنية محلية في المدينة تشهد انبعاثات أغلبها من غاز أول أكسيد الكربون و غاز ثاني أكسيد الكربون وعدد من المواد بعضها ذُكر سلفاً، والتي تُسبب هي الأخرى أمراض و يؤثر تأثيراً خطيراً على عمليات التنفس في الكائنات الحية بما فيها الإنسان ويتسبب في الشعور بالتعب و صعوبة التنفس و طنين في الأذن وفي حال زيادته فيؤدي ذلك إلى انخفاض في ضغط الدم ونقص في الرؤية والسمع ، وارتخاء في عضلات الجسم والإغماء ومن ثم الوفاة خلال ساعتين، فكيف ستكون صحة المواطنين الذين عاشوا إلى جانب هذا المصنع قرابة 50 سنة من الزمن ؟ !
إقلاع اقتصادي.. أم نكبة محلية ؟

يربط المسؤولون المحليون و بعض البرلمانيون في مدينة آسفي، المصانع القائمة بمُساهمتها الكبرى في الاقتصاد المحلي، و يُدافعون عليها من هذا المنظور، رغم علم أغلبهم بوضعية المدينة وهشاشة بنيتها التحتية و نسبة البطالة التي تنخر شبابها.
في سنة 2011، انتفض شباب مدينة آسفي نساءا و رجالاً ضد المكتب الشريف للفوسفاط لكي يُطالبونه بوضع حدّ للبطالة و تشغيلهم دون تمييز، و عبروا عن استيائهم من الوضع عبر طرق احتجاجية أدت فعلاً لشل الحركة الاقتصادية للمركب الشريف للفوسفاط لأيام محدودة عبر اعتراض القطارات التي تُحمل مشتقات الفوسفاط و الكبريت و الحافلات التي تنقل المستخدمين.

شباب المدينة العاطلون عن العمل، وما أكثرهم، يرون أن المركب الشريف للفوسفاط يقوم بتشغيل المواطنين الذين ينزحون من خارج المدينة لا أبناء البلاد، و أن المدينة لا تستفيد بأي شكل من الاشكال من ما تجنيه هذه المصانع من أموال على ظهر صحة سكانها.

طبقاً للإحصائيات الرسمية، فإن مدينة آسفي و منطقة بنكرير تقعان في منطقة بها ثاني أدنى نصيب للفرد من الناتج المحلي الإجمالي، و أعلى نسبة للفقر، و أوسع تفاوت للدخل، حقوقيون يصفونها بـ" مدينة الفقراء " !

"ما قدو فيل زادوه فيلة”

لعلا المثل المغربي التقليدي الشهير يكاد يكون مُعبراً على خطة المكتب الوطني للكهرباء بقراره توطين مشروع محطة حرارية تعمل على الفحم الحجري ( من أخطر المواد التي باتت محظورة دولياً ) في ضواحي المدينة " بعد 10 كلمترا " عن المدينة، هذا القرار الذي خلف احتجاجات عارمة أواخر الأسابيع الماضية في المدينة، تأسست على اثر ذلك شبكة الدفاع عن البيئة وضد مشروع المحطة الحرارية، الشبكة التي تضم عدد من الهيئات الحقوقية و السياسية.

" الفحم الحجري " فاجعة الكبرى :

تُناضل اليوم حكومات عدد من الدول من أجل الحدّ من العمل بالفحم الحجري، فمؤخرا قرر الرئيس الأمريكي بارك أوباما توديع بشكل نهائي شيء أسمه الفحم الحجري، وتعرف مصر احتجاجات ضد الفحم الحجري، و بخصوص ذلك قال الدكتور محمـد صوان أستاذ الطاقة النووية بجامعة وسكانسن، أن الفحم الحجري كارثة تعود بنا إلى العصور الوسطى و آثاره البيئية تفوق عشرات المحطات النووية، باعتباره مصدرًا شديد التلوث ويسبب ظاهرة السحب الضبابية و الإحتباس الحراري.

وأضاف محـمد صوان في حواراً أجرته معه " جريدة المصريون " أن العالم كله يتحول الآن من استخدام الفحم إلى مصادر أخرى من الوقود لإنتاج الطاقة، لأن الفحم ينتج عنه معدلات عالية من التلوث، فأكبر معدلات للتلوث تأتي من محطات الفحم، فنجد أن مقدار التلوث الناتج عن محطات الفحم ضعف نسبة التلوث الناتجة عن محطات الغاز، كما أنه يفوق التلوث الناتج عن المحطات الشمسية والنووية والرياح والمياه 20 مرة، بالإضافة إلى الانبعاثات الناتجة عن محطة الفحم من المدخنة أو النفايات تؤدى للتعرض لكمية أكبر من الإشعاع النووي قد تصل إلى 100 مرة، عما يتعرض له ساكن بجوار محطة نووية تعمل بالمواصفات، لأن الفحم يحتوى على شوائب مشعة ولا يخضع للرقابة النووية كالمحطات النووية.

فكيف سيتقبل سكان مدينة آسفي، محطة حرارية تعمل على الفحم الحجري، و مدينتهم تُلعلع فيها سلفاً أخطر المواد السامة و القاتلة، من الذي يا تُرى يخطط في الخفاء لإعادة كارثة " فوكشيما " إلى الوجود، هكذا تساءل جلال عزب العرب و هو أحد المهتمين بالوضع البيئي في المدينة.
وكانت الوزارة المنتدبة لدى وزير الطاقة و المعادن والماء و البيئة المكلفة بالبيئة، أشارت في تقريرها السنوي الأخير حول تلوث الهواء في المغرب، أن مدينة آسفي تُعاني من انبعاتاث المصانع، حوالي مائتان و عشرة ألف طن من ثاني أكسيد الكبريت سُجلت في عام 1996 و أن 90 في المائة منها تنتجها وحدات إنتاج الكبريت في المنطقة.

و أضاف التقرير، أن هذا التلوث في تصاعد مهول كانت بدايته منذ سنوات تسعينيات، و هو يشمل مدينتي آسفي و الجديدة، إضافة لمخلفات النقل التي بلغت 5% من ثاني أكسيد الكبريت، 15% من أكسيد النيتروجين و الجسيمات الحمولة.