بديل ـ صلاح الدين عابر

آسفي  مدينة على ساحل المحيط الأطلسي التي لطالما اشتهرت بالخزف و السمك وتاريخ البحري العميق، ظلت اليوم مدينة خاوية على عرشها، تائهة في مجدها، مثل سيدة جميلة كبرت فجأة،  فوجدت نفسها وحيدة لا أحداً يُغازلها او يهتم بها.. بات يبدو أن كل تلك الخطابات من طرف مسؤولي المدينة، و البرامج التنموية، ماهي إلا كذبة موسمية تتجدد على مدار السنة، بعدما عجزت السلطات و المنتخبون المحليون و البرلمانيون، عن الحفاظ على المآثر التاريخية للمدينة التي نخرها الاهتراء وأصبحت تتساقط يوما بعد الأخر، وظهرت في الآن ذاته المؤسسة الثقافية تعيش على وقع التهرب، بعدما ظل مسؤولو هذه الأخيرة يتوعدون بحل الفضيحة التراثية.

فضيحة مسؤولي آسفي الثقافية، وصلت إلى القنوات العمومية البرتغالية، بكون أن الأسوار التي تعرضت للإهتراء، هي ذات الحقبة التاريخية البرتغالية، والتي يعود أغلبها إلى الاستعمار البرتغالي. فقصر البحر الذي يوجد في مواجهة المحيط الأطلسي الذي يطل على البحر وعلى ميناء الصيد البحري أسس من طرف البرتغال في القرن 16 من أجل حماية المدخل الشمالي للميناء ومقر اقامة عامل المدينة، وهو ما يفسر وجود العديد من المدافع الحربية به وعلى أبراجه. وقد أعيد ترميم هذا القصر في عام 1963 وقلعة "القشلة" التي تطل على المدينة القديمة وقصر البحر أسست من طرف البرتغال من أجل حماية المدينة. الإعلام البرتغالي، تساءل عن الإهمال الذي يطال هذه التحف، فمندوبية الثقافة في المدينة، كل اهتمامها اليوم هو تنظيم مهرجانات البذخ التي لا تقيس في الشأن الثقافي شيء، و على مايبدو أن الأمر يتعلق بوعي ثقافي غائب و خبرة في تدبير المجال، بل لأزيد من ستة سنوات ظلت هذه الأسوار التراثية و الأبراج تتساقط على عرشها، أمام عيون المسؤولين و السلطات و المجلس البلدي.

نشطاء يتساءلون ..

نشر عدد من نشطاء المدينة، صور الأبراج المهترئة، يحذرون من نهايتها بشكل عام، و وصفوا الأمر بالفساد الذي ينخر الثقافة و التراث، مُعتبرين أن المسؤولين مجرد كسالى، وكتب أحد النشطاء على الفيسبوك ” لماذا لا يتم ترميم هذه المآثر هل ينتظر مسؤولونا المبجلون أن يعود البرتغاليون القدامى من أجل أن يرمموها، فلو كانت هناك إرادة سياسية من أجل إصلاحها لقامت السلطات بالتحرك من أجل فعل شيء حتى ولو إن لم يكن لديها إعتمادات مالية لإصلاحها يكفي فقط أن تطرق باب الدولة البرتغالية وهيئاتها المدنية والجمعوية المعنية بالآتار والمآثر التاريخية البرتغالية لرأيناها تتسابق من أجل ترميمها.“ و وصف بعض الأخر مدينة آسفي بابقرة حلوب، حيث ينخرها المسؤولين من ترواثها الطبيعية و يستفيدون منها دون أن يتجلى ذلك على المدينة في أيّ تنمية.

الفوسفاط .. ثروة طبيعية تحولت إلى نكسة محلية 

اشتهرت مدينة آسفي في أواخر السنوات الماضية، بمادة الفوسفاط، حيث تضم المدينة واحدا من أكبر المصانع في المغرب المُخصبة للفوسفاط و مادته الحيوية، إلاّ أن الكثيرين في المدينة كما الحقوقيين و الفاعلين المدنيين، يعتبرون أن الفوسفاط تحوّل إلى نقمة على سكان المدينة، حيث ساهم في تدمير المآثر الثقافية على ساحل المدينة، بسبب القطار الذي يُنقل حمولة مشتقات الفوسفاط يومياً، مما اثر على تعرض المآثر للانهيار بكونه يمر من نفق تحت تلك المآثر، و علق خبراء و مهتمون بالبيئة في المدينة، أن الروائح و الغازات السامة التي ينفثها الفوسفاط في المدينة أثرت أيضا على الجدران بفعل تركيز الانبعاثات؛ حيث يؤثر ذلك على العمران، فيؤدي إلى صدأ المعادن وتآكل حجارة المباني والمآثر التاريخية، كما يقول عبد الله نملي.

لمَ يُقدم المسؤولون المحليون أيّ حل لأزمات المدينة، بين تلوث الهواء واهتراء المآثر التاريخية وغياب فرص الشغل و البطالة الجماهيرية وغيرها من المظاهر المُخيفة، حتى أضحت المدينة آسفي، مدينة دون هوية ولا تنمية و لا أفق.