هناك من يريد تحويل الصحفيين الى رقّاصة

2٬797

سعيد السالمي

اعتقال الزميل حميد المهدوي اعاد الى السطح خطابا يتماهى إلى حد بعيد مع خطة تنهجها السلطة منذ سنوات لاختزال العمل الصحفي في جنسه الخبري بالشكل الذي يساير هواها، واغتيال صحافة التحقيق، والرأي، والتحليل، وباقي الأجناس الأخرى، بهدف تنميط العمل الصحفي وتحويله إلى جماعة من “الرقّاصة” في مشهد سياسي بات اليوم القصر نفسه يعترف أنه صوري ومزيف.

هذا الخطاب صنفان:
الاول، يبدو غير ملم بالمفاهيم المؤسسة لمهنة الصحافة، وهذا ليس تنقيصا لأنه كذلك فعلاً ما دام يرى أن الصحفي أو الصحيفة مطالب/مطالبة بالحياد في كل ما تنشره.. وليس من حقه/حقها أن يعبر/تعبر عن رأيه/رأيها في مقالات أو أشرطة فيديو أو أن ينحازا إلى قيم أو قضية يناضلان من أجلها..

لهؤلاء يكفي أن نقول، على شاكلة الإستدلال الدائري، دون الخوض في أي نقاش نظري أو عملي، يجب إغلاق الواشنطن بوست لأنها تنشر كل يوم افتتاحية تعبر عن رايها فيه، وغالبا ما تنحاز الى قضايا تتعلق بالقيم التي تدافع عنها، المناضلة المسكينة، مثلما فعلت مرتين عندما دبجت افتتاحية تدافع فيها عن علي انوزلا.. ويجب اغلاق كل صحف العالم لأنها تتضمن آلاف مقالات الراي كل يوم، وآلاف التحليلات التي تجرم وتحلل وتحرم.. ويجب أن نطلب من كل الصحفيين حول العالم الذين يدافعون عن القضية الفلسطينية أن يكفوا، لأنهم صحفيون الخ الخ..

الصنف الثاني يجسده بنكيران بشكل كبير مع صحفي حاول أن يستوضحه بعد تصريح أدلى له به أمام مقر حزبه، رد عليه بنبرة تجمع بين المنّ والتهديد: “أنا قلت لك، إيوا صافي، مالكم؟ واش انتما كتبغيوا ديما… واش بغيتي نبقاو صحاب؟”

المطلوب من الصحفي، حسب هؤلاء، إذا فتح مكتبه في الصباح أن يرفع سماعة الهاتف للإتصال بسياسي عزيز، ويتوسله من أجل تصريح أو “بيسكوي” كما يسمى مجازا في بعض الأوساط، ينقله دون مشاكسة ولا تمحيص ولا استيضاح، وإذا رفض المسؤول وفضل التزام الصمت، ما على الصحفي إلا أن ينصرف إلى حال سبيله حتى ولو كان المسؤول في قلب زوبعة إعلامية هزت الرأي العام.. لأن الأصل في العلاقة هو المنّ وإلا الحصار، وليس حق المواطن في الحصول على المعلومة كما هي عليه في الديمقراطيات التي تحترم نفسها

المطلوب من الصحفي، حسب النظام وأتباعه، أن ينشط لعبة التراشق السياسي لتفادي الفراغ، كما قال الرميد ذات سنة. في الصباح ينقل عن بنكيران أو مقرب منه، وفي المساء يرد زميله بتصريح نقلا عن العماري أو مقرب منه، وفي اليوم الموالي يرد المصدر المقرب من المصدر المقرب على المصدر المقرب حتى يتميع المشهد ويصل إلى الحضيض، وهذا ما عشنا عربونه أيام ما سمي بالبلوكاج، بينما كان موضوع مهم وأساسي في عداد المنسيين، ألا وهو الحراك..

المطلوب من الصحفي حسب هؤلاء ان يكتفي بنقل قصاصات “لاماب” والوكالات، وبعدها يتجول في الفيسبوك بحثا عن تدوينة تبيع كثيرا.. وألا يغادر مكتبه الا لحضور مؤتمر صحفي حزبي او ما شابه، او ان يحضر إحدى جلسات البرلمان اما الروبورتاجات الساخنة فتلك من سابع المكروهات..

هذا هو القالب الذي يريد النظام وأعوانه أن تعج به الصحافة، ولهذا سقطوا على هذه الوصفة التي تحاول عنوة، وبشكل يثير السخرية، إعادة بناء المفاهيم المهنة وأخلاقياتها، ومصادرة حق الصحفي في الإدلاء برأيه، بعد أن نجحوا في خنق التحقيقات الجادة، بتشديد الحصار على منابع المعلومة، وموارد الإشهار، وتجنيد القضاء للإنتقام من المغردين خارج سرب البلاط..

ومثلما شاءت الأقدار أن فرض الحراك نفسه بقوة على المشهد السياسي والإعلامي بعد ستة أشهر من التجاهل، وبرهن لصناع القرار ولكل من لا يزال في قلبه مثقال ذرة شك أن التحايل على الديمقراطية ليس حلاً، سيأتي اليوم الذي سيعلمون فيه أن تمييع المشهد الصحفي واعتقال الصحفيين ليس أقل خطورة من غياب آليات الوساطة التي يبكون اليوم اغتيالها، خصوصا إذا كانت المحاكمات تتم بناءًا على تهم تثير السخرية..

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.