هل من يخاف فؤاد عالي الهمة يمكنه تغيير المغرب؟

169

المشاركة في الانتخابات هي الأصل؛ فلا تعبير أرقى حداثَةً ونُضجًا، عن الحالة المدنية والحضارية لأمة، سوى مؤسسات منتخبة تعبر عن إرادة هذه الأمة. لكن المشاركة قد تصير تزكية للفساد والإستبداد ومساندة للسلطة في اضطهاد الشعب والاستمرار في التنكيل بحقوقه، إذا لم تحصن هذه المشاركة بشروط قانونية ودستورية وسياسية.

شخصيا، أحترم رأي المدافعين عن المشاركة، وبيننا زملاء في هيئة التحرير يؤيدون هذا الموقف وأقدر تقديرهم السياسي، والموقع سيظل منبرا لنشر آراء المشاركين والمقاطعين، لكن هذا لا يمنع من إبداء رأي شخصي في الموضوع يلزمني لوحدي، عبارة عن محاولة لإقناع  الإخوة المناضلين في فيدرالية اليسار والمواطنين الراغبين في التصويت بأنه لا جدوى من المشاركة على الأقل في الوقت الحالي، لعدة أسباب نجملها في ما يلي:

أولا، الدستور، وهو أسمى وثيقة وتعبير عن إرادة الأمة، والذي هو مؤطر للحياة السياسية والمؤسساتية والانتخابية..هو دستور لا يعكس إرادة الشعب ولا سلطته وإنما سلطة الفرد، الذي هو الملك، فكيف نرجو خيرا من منتخبين لتدبير شؤوننا في ظل دستور يعطي كل السلطة للمعينين من طرف الملك؟

ثانيا، لا يمكن أن نرجو خيرا من انتخابات، والأجواء السياسية التي سبقتها لا تبشر بخير، حيث لا زالت أحزاب ممنوعة من التنظيم، و لازال العديد من المعتقلين السياسيين يقبعون في سجون المملكة، بينهم من أثبتنا بالوثائق والأدلة أن اعتقالهم مجرد اعتقال تعسفي ظالم، دون أن يتحرك ولا مسؤول في البلد في عناد يستعصي على الوصف والتوصيف، فأي خير يرجى من انتخابات وسط نظام سياسي يعتقل الناس ظلما وعدوانا؟

ثالثا، لا يُمكن الرهان على انتخابات، والعديد من وجوه الفساد والإفساد، الذين أدانتهم العديد من التقارير الحقوقية، بالوثاق والأدلة يتصدرون اللوائح الانتخابية، بينهم مدانون بالسجن، فأي خير يُرجى من انتخابات مرشحها سرق أربعين هكتارا من أراضي الجموع وتحايل على وزارة الفلاحة للسطو على ازيد من 50 مليون في سيدي سليمان وسيدي يحيى الغرب، ومرشح آخر متهم بنهب الملايير في أصيلا بحسب أكثر من مصدر حقوقي، فيما مرشح آخر مدان بأكثر من ملف قبل أن يتوارى عن الأنظار في كندا ليعود وكيلا على لائحة، ومرشحة أخرى متهمة بنهب الملايير من صفقات الأدوية، بل والأخطر متهمة بالمساهمة في “قتل” المواطنين في الدار البيضاء من خلال تقديمها لتراخيص بناء غير قانونية، كما متهمة بقتل المواطنين من خلال لقاح “أنفلوانزا الخنازير”…

رابعا، كيف يُرجى خيرا من انتخابات تؤطرها سلطة انتقائية لا تحترم مبدأ المساواة أمام القانون، وهي وزارة الداخلية، ولنا في متابعة موقع “بديل” خير دليل على ذلك، ففي قضية كريم لشقر، كتب عن الموضوع عشرات المواقع والجرائد الإلكترونية ولكن المديرية العامة للأمن الوطني، التي تقع تحت إشراف وزارة الداخلية، المشرفة على الانتخابات، لم تستهدف إلا كاتب هذه السطور، علما أننا لم نقم سوى بواجبنا المهني في نقل خبر عن مصادر رسمية بينها الوكيل العام السابق لدى استئنافية الحسيمة، وهي نفس الفضيحة التي تكررت في متابعة مكناس، حين استهدفنا لوحدنا والي الجهة، التابع لوزارة الداخلية، علما أننا لم نقم سوى بنقل خبر عن مواقع إلكترونية عديدة نشرت الخبر قبلنا بيوم وبلغة عنيفة في حين جاءت لغتنا مهنية وخبرية. نعم كيف يُرجى خيرا من انتخابات تؤطرها سلطة انتقائية تعزل رؤساء جماعات بسبب أفعال بسيطة وتتستر على أفعال خطيرة لرؤساء جماعات، بينهم من قام مقام ممثل الملك وأصبح يتطاول على صلاحياته، ومع ذلك لم يطله أي عقاب، بل وحظي مهرجانه بالرعاية الملكية !

خامسا، والأهم من كل ما سبق: كيف يُرجى خيرا من انتخابات ورئيس الحكومة يقول للمغاربة وللعالم الملك هو من يحكم في المغرب ! هل يستطيع أي واحد من السادة المحترمين نبيلة منيب، عبد الرحمان بنعمرو، عبد السلام العزيز أو غيرهم أن يكذب هذا التصريح الذي تزكيه مقتضيات الدستور المغربي والخطب الملكية والواقع السياسي المُعاش؟ من هو هذا الزعيم السياسي في تاريخ المغرب الذي طالب علانية، وبالأسماء، وليس بالمرموز، برحيل الهمة والماجيدي والياس العماري، صراحة، بل والأجرأ أنه اتهم الرجل الثاني “فعليا” في الدولة المغربية بعد الملك بتدبير انقلابات داخل عمادات بعض المدن بعد انتخابات 2009، وبإدخال مسؤول حزبي إلى الحبس، وفي الأخير ماذا كانت نهاية هذا الزعيم، اضطر إلى التخلص من أبرز أبنائه البررة الداعمين لتجربته الحكومية، عبد العزيز أفتاتي، بل وعجز عن تأمين نشاط حزبي لشبيبته في طنجة، وهو رئيس حكومة، ياحسرة، فكيف يتأتى اليوم لمغربي أن يصدق أنه بإمكان منتخب ما حتى ولو كان المهدي بنبركة أو عبد السلام ياسين، رحمهما الله، أن يقاوم الفساد ويحقق التنمية، في ظل بنية سياسية ودستورية، تعطي الكلمة في آخر المطاف لأطر الدولة العميقة.

وعلينا أن نفهم جيدا، أن النظام السياسي المغربي من سماته الإيجابية أنه حين يرى “العين حمرة” يتنازل أو يناور، المهم يتفاعل، فحين انتفض الشعب سنة 1965، أفرج عن الديوري وبنجلون والفقيه البصري وغيرهم، وعندما نجا من انقلابي 71 و72، أطلق شعارات “السلم الإجتماعي” و”المسلسل الديمقراطي” وأصدر القانون المنظم للإنتخابات الجماعية… وعندما جاء اضراب 1990 بفاس، وشعر بخطورة اليساريين مد يده خلسة للإسلاميين، وعبد لهم الطريق نحو حزب الخطيب ودعا إلى تشكيل حكومة التناوب بزعامة الإستقلالي امحمد بوستة، الذي رفض سنة 1993 بسبب تواجد ادريس البصري فيها، وحين صدر التقرير القاتم للبنك الدولي سنة 1995، أعطى إشارة لدخول الإسلاميين إلى الحياة البرلمانية وأنشأ غرفة ثانية، ودعا اليوسفي إلى تشكيل ما سميت بحكومة التوافق أو التناوب، وعندما صدمته أرقام المشاركة في انتخابات 2007، سارع إلى تشكيل حزب “البام” لقطع الطريق على “الإسلاميين”، وحين أرعبته احتجاجات الشارع ضد العفو على البيدوفيل الإسباني، سارع إلى إصدار ثلاثة بيانات وعانق الملك آهالي الأطفال الضحايا، بمعنى أن النظام المغربي أمام الأزمات يتحرك يمكن أن يصنع حزبا، أن يحل حزبا، وقد يتنازل، وربما يقدم حلولا فعلية للواقع و قد يناور فقط، المهم في آخر المطاف يتفاعل كما سلف الذكر، فكيف لأزمة مثل المقاطعة أن تتركه مكتوف الأيدي، وهل مع المشاركة سيفكر في التنازل، إنها تقنعه بأن الشعب راض على ما يجري، وعلى سياسته، وعبرها يسوق لنفسه في الخارج لينال الرضى الدولي الذي عبره يتمادى في سياسته اللاشعبية ضد الشعب، خاصة حين يعزل قاضي فقط بسبب رأي أو تصريح ويتستر على قاضي في الدار البيضاء بنى حكمه على محضري جلسة أحدهما مزور والآخر أصلي، وعلى قاضي في طنجة يشيد بشهادة شاهد ويستند عليها في حكمه في حين ينفي الشاهد أن يكون قد شهد أصلا !

القول بأن “سياسة الكرسي الفارغ سياسة لاطائل منها وبأن “اللي قال العصيدة باردة يدير يدو فيها” و”ضرورة قطع الطريق على المفسدين” مجرد أقاويل لا قيمة لها، بل هي فقط تبريرات يصنعها الراغبون في المشاركة لمواجهة حجج الرافضين لهذه المشاركة.

إن أكبر تعبير عن قوة ونجاعة المقاطعة هي الحملة التي تقودها الدولة من أجل المشاركة، إنها تخسر أموالا طائلة في سبيل ذلك، وتعبئ فنانين وسلطات وشباب وجمعيات من أجل حث المواطنين على المشاركة، وهي لا تفعل ذلك بحكم واجبها الوطني ومسؤوليتها الإدارية،  بل فقط لأنها تدرك مدى خطورة أن يقاطع المواطنون الانتخابات على موقعها في الداخل والخارج.

في السياسة كما في كل مناحي الحياة عموما حين تُعيي الحيل أحدهم لتغيير واقع أو الوصول إلى هدف، فإنه يجرب جميع الإختيارات ويتقمص جميع الأدوار، بعد أن تخار قواه كليا ويصاب بالإحباط ويقتنع باستحالة الوصول إلى مشروعه وفقا لما سطره، وهنا قد يتبنى أسوء المواقف، وطبيعي سيجد ما يبرر به موقفه، لكن لا يستطيع إقناع قواعده بأن “هاذ شي للي عطا الله” وبأن يصارحهم بفشله في الإنخراط وسط الشعب والتغلغل داخله وغياب رؤية نضالية لديه للانغراس وسط الجماهير الشعبية، والسؤال اليوم مع الإخوة في الفيدرالية، هل من فشل في بناء ذراع نقابي وحقوقي وإعلامي يمكنه أن ينجح في مقاومة “حيثان الفساد” حتى إن كُتب له النجاح أو “الإنجاح”، ولنا في فشل اليوسفي وبنكيران، بأذرعهم النقابية والحقوقية والإعلامية، عبرة لمن لا يعتبر؟ ثم هل من يخاف من مجرد تصريح ضد فؤاد عالي الهمة ويطلب حذفه يمكن أن يعول عليه في مواجهة تلك الحيثان وتغيير المغرب؟

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

15 تعليقات

  1. brahim يقول

    احييك يا استاد وخاف عليك

  2. Mohamed Hammoudou يقول

    Article à la hauteur de notre cher Hamid. A bas la presse aux ordres et à bas les opportunistes toutes tendances confondues

  3. Mohamed Hammoudou يقول

    BIEN DIT

  4. Massinissa Ex Moslim يقول

    y a-t-il qq 1parmi ces partis qui pense au changement,s’ils y pensent vraiment ils ont du exiger les conditions favorables à ces changements ,pourquoi mentir et tu sais d’avance que tt est pourri et que tu pourras rien faire

  5. masnaoui يقول

    Monsieur Mahdaoui, merci d’ entretenir en nous la flamme et le désir du changement…

  6. رحماني يقول

    بكل صدق اخ حميد تبقى الملكية حاجزا امام. تطور المغرب ونموه ورقيه.
    الدستور والقانون والمدونات والنصوص القانونية كل هذا لخدمة الملكية اما الشعب فحاله يبكي العين ويدني القلب
    الدليل على ان الشعب يعيش الضنك هو خطاب الملك نفسه في خطاب العرش الاخير حيث يتأسف على ما يقع للشعب وسكان الدواوير لكن المثل. يقول لكل شيء اذا ما تم نقصان فلا يغرن بطيب العيش انسان
    اوسكت ساعتهم
    رحماني ثائر

  7. hamid يقول

    حميد المغربي تحياتي ل كاتب هدا المقال دا هو الواقع ما منو هروب الحل هو مقاطعة المشاركة فهاد المهزلة المسرحية التي تسخر من الشعب المغربي –

  8. عبد الله مغربي يقول

    كما العادة مقال رائع أستاذ حميد , دائما تنير لنا الطريق أنت والأخرون أمثال علي أنوزلا و ناصر موحى وابن الصديق إلخ إلخ إلخ من صحافيين وصحافيات أمنوا بحق بقضايا شعبهم المصيرية…أنا بِعدا والله لا صوِّتْ

  9. عبد الحق. يقول

    تحليل في قمة الواقعية لأخينا الفاضل الذي نكن له كل الاحترام والتقدير حميد المهداوي , لم تترك لنا ولو كلمة واحدة نضيفها . أنا أقر ان السيد بنكيران صدق عندما أعلن للداخل وللخارج أن الملك هو الذي يحكم , وتبعا لذلك فهو المسؤول الفعلي عما حدث ويحدث , وعن أوضاع البلاد بصفة عامة .

  10. youssef يقول

    لقد تسجلت في اللوائح الإنتخابية وكنت سأقوم بالتصويت أنا وأمي !!! بعد قراءتي لمقالك سيدي المهداوي ، قررت العدول عن موقفي !!!

    لقد قرأت العديد من مقالاتك ولم أعلق يوماً. أعترف بمهنيتك وأخلاقك والتزامك في خطك التحريري . الله يكثر من أمثالك يا صحافي يا شجاع يا نزيه !!

  11. sadek يقول

    أحسنت كفيت ووفيت

  12. fatima يقول

    تحياتي واحتراماتي

    ولكنك ترقص لعميان وتغني لطرشان وتنشد كلاما من اخرس..

    لك مني كل الاحترام على غيرتك على الوطن في زمن اغتيلت فيه المثاليات.

    تريث واعتدل وتامل معي قول روزفلت:en politique rien n’arrive par accident si quelque chose se produit vous pouvez parier que cela a été planifié de cette façon

    نحن في بلد تضرب فيه الامية الاطناب ويعشش فيه الجهل وتنخره الامراض الاجتماعية فلا تغامر بالسباحة في بحر عميق هائج حيتانه متربصة ظاهرة مستقوية

    اقتنع اننا في بلد يساره كيمينه فوق رقعة شطرنج محركوها دهاة كالثعالب

  13. Andre Duncan يقول

    Cher Hamid
    Je vous salue et je vous exprime ma salidarite forte et inconditionnelle contre les intimidations du Makhzen. Le Makhzen veut etoufer les voix libres et integres au Maroc. La monarchie est contre une democratisation du Maroc. Une monarchie parlementaire est devenue impossible au Maroc. Le Maroc vit sous une dictature absolue et impitoyable, le roi est le seul acteur au Maroc, il suffit d’ etre proche du Maroc pour devenir un milliardaires dans un temps record. Mohammed Mounir Majidi est un exemple fort. Je crois que le Maroc marche avec un scenario explosif, le peuple ne peut plus supporter la dictature avec tout ses injustices. Le roi et son entourage et leurs amis ont ruine notre pays.

  14. محمد يقول

    تحليل منطقي لم نسمعه حتى ممن يدعون المعارضة القوية الشريفة ماعدا ايت يدر ماتبقى عبارة عن كراكيز يلهتون وراء المال اما الشرفاء اما في السجون او ابتعدوا عن الساحة السياسية

  15. NOUREDDINE يقول

    الله إنور طريقك السي حميد / أتفق معك 100%

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.