هل استوعب حزب “العدالة والتنمية” الدرس ؟

83
طباعة
خلافا لما يعتقده كثيرون من الذين تبنوا خطاب المظلومية في قراءة وضعية “حزب المصباح” في الضائقة الحالية التي يجتازها (وهم في معظمهم من أتباع الحزب ومشايعيه) يتحمل الحزب المذكور بنسبة كبيرة ما آل إليه أمره بعد نجاح انتخابي كبير، لم يعط ما كان مرتقبا من ترأس الحزب لولاية حكومية ثانية، رغم تعيين الملك محمد السادس للأمين العام للحزب المذكور رئيسا للحكومة.

لا يعود خطأ الحزب إلى أمر طارئ أو سياق عابر، أو إلى عوامل غير منتظرة، بل يعود إلى خاصية ثابتة ترتبط بجوهره بوصفه حزبا إسلاميا ينتمي إلى التيار “الإخواني” العالمي، وبمفهومه الخاص للديمقراطية، الذي انقلب عليه كما انقلب على من قبله في مصر تونس.

يشعر “البيجيديون” بالضجر والحسرة بسبب ما ينعتونه بـ”التحكم”، فرغم حصولهم على الأغلبية الانتخابية لا يستطيعون استعمالها في أي شيء يحقق لهم نجاحا سياسيا بعد النجاح الانتخابي. فرغم أن السيد بنكيران يحسن الحساب ويعلم أن 125 أكبر من 37 كما قال في إحدى تصريحاته، إلا أنه يبدو عاجزا عن البرهنة عن ذلك عمليا في تشكيل الحكومة، والحقيقة أن الرجل قد أخطا التقدير حين اعتقد بأن السياسة تسير وفق قواعد الحساب والرياضيات، ذلك أن هذه العلوم ينتهي فيها الجميع إلى نفس النتيجة، عكس ما يحدث في السياسة.

معضلة “حزب المصباح” أنه وقع في نفس ما وقع فيه محمد مرسي و”الإخوان” المصريون، ونفس الخطأ الذي وقع فيه “حزب النهضة” التونسي، أنه اعتبر الديمقراطية آلية فقط لفرز أغلبية تتولى تدبير الشأن العام في غياب تعاقد حاسم يحمي الجميع من الجميع، في الوقت الذي تعتبر فيه الديمقراطية في حقيقتها قيما وأسسا لا يمكن تجزيئها في بناء ذلك التعاقد المطلوب، وهي قيم وأسس كونية تلزم الجميع حاكمين ومحكومين، أغلبية وأقلية، كما أنها قيم وأسس ما أن يتمّ المسّ بها أو تجاهلها كما تفعل السلطات أو كما يفعل الإسلاميون حتى تفقد العملية الانتخابية قيمتها ومعناها، بل وتؤدي إلى نتائج عكسية تماما، لأنها تؤدي في هذه الحالة إلى عكس النتائج المرتقبة بعد عملية التصويت. ويفسر هذا لماذا لم تستقر الأوضاع بعد انتخابات منظمة في عدد كبير من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، كما يفسر بشكل دقيق قصة النازية والفاشية في منتصف القرن الماضي.

يقول “البيجيديون” إن هناك مراكز نفوذ في الدولة تعرقل الانتقال نحو الديمقراطية وتعمل على تبخيس حزب العدالة والتنمية رغم حصوله على الأغلبية، ولكن الحزب ينسى بأنه هو نفسه ساهم في ترسيخ هذه الوضعية عندما وقع في أخطاء قاتلة، فلم يفهم بأنّ الأغلبية التي يحصل عليها هي مجرد “أكبر الأقليات”، أي أغلبية نسبية لا يمثل بها إلا نسبة ضئيلة من المصوتين عليه، لأن ما حصلت عليه الأحزاب الأخرى مجتمعة يظل أغلبية كبيرة مؤثرة في التوازنات الداخلية، في مواجهة الحزب الأغلبي الذي قد يصبح معزولا تماما ولا تفيده أغلبيته العددية الضئيلة، وهو ما حدث الآن مع “البيان الرباعي”.

إن المفهوم الإسلاموي للديمقراطية القائل إنها مجرد آلية انتخابية ينبغي تجريدها من قيمها الفلسفية التي تعتبر “غربية”، هو الذي جعل “حزب المصباح” اليوم غير محمي من الاستبداد. فهو يريد التأسيس لديكتاتورية الأغلبية العددية، كما فعل مرسي تماما، معتقدا أنه بحكم حصوله على المرتبة الأولى يحق له فرض إرادته وشروطه على جميع الفرقاء والحلفاء في الحكومة وإرغامهم على الدخول بدون شروط تحت رايته، معتبرا شروط الأحزاب الأخرى “ابتزازا”، وهو منظور قاصر، لأنه ينتهي إلى عزل التنظيم وإضعافه عكس ما يعتقد. فقواعد اللعبة التي ساهم “البيجيدي” في إرسائها سنة 2011، لم تكن ديمقراطية تماما، ولهذا لا بد أن يخضع في النهاية لإكراهاتها.

لست أدري إن كان الحزب الإسلامي قد استوعب الدرس أم لا، لكن يبدو أنه سيكون ملزما بإعادة النظر في مفهومه للديمقراطية، واعتبارها قبل صناديق الاقتراع كلا غير قابل للتجزيء، أي قيما تترسخ من خلال احترام الحريات وحقوق الإنسان وفصل السلط والمساواة التامة بين الجنسين، وسمو القانون فوق الجميع واعتباره إطارا تعاقديا قابلا للمراجعة الدائمة وفق مصالح الإنسان الأرضية، وإخضاع شؤون تدبير الحياة العامة للحوار والنقاش ولمنطق التدبير النسبي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

16 تعليقات

  1. point final يقول

    هدا تحليل منطقي من طرف السيد صعيد ؛ لكنه انطلق من أرضية خاطئة اليد يجعل منه تحليل خاطئ لا يعكس حقيقة الوضع.
    المنطلق هو أن البيجيدي حزب إسلامي ينتمي إلى تيار الإخوان المسلمين وبالمقارنة معى تجربة السيسي ….وهدا كله غير صحيح ؛وحتى لو احدنا المعطى الذي يعتبر البيجيدي من الإخوان المسلمين ؛فهل يمكنه أن يمرر أي قرار في ما المغرب خاصة أن الحقل الديني محترم بيد الملك.
    معطى آخر ؛الذي يقول أن البيجيدي نجح في الانتخابات لأنه يستغل الدين لجلب الأصوات ؛ المعروف أنه أم يثبت أحدا هدا ،وأن المتربصين كثر ومن بينهم وزارة الداخلية …ولكان الحال كذلك لفضحهم حصاد من الأول…
    والدين يصوتون على البيجيدي ووالغلبية الصاحقة منهم صوتوا ضدا في الاحزاب الاخرى المليئة بالشلاهبية والتي جربت في الماضي وأثبتت تقاعسها…..

  2. علي يقول

    أولا فالموضوع في الصميم لا يحتاج إلى تفسير و لا توضيح. أما صاحب الموضوع فباحث و أستاذ ملم بما يدور و يجول. مغربي الأصل. غني عن التعريف. تدخلاته في جل النقاشات و المواضيع التي تهم الساحة السياسية لوطننا منطقية و معقولة. أما انه أمازيغي فيفتخر بذلك. فمن لم يفتخر باصله اجتت جذوره. و حق من حقوقه. فالوطن للجميع و الدين لله.

  3. HAMOUDA يقول

    MERCI Mr ASSID POUR TOUT VOUS INTERVENTIONS.
    CE QUE VOUS DITES EST EXACTEMENT CE QUE Mr BENKIRANE ET CES DICIPLES NE COMPRENDRONS JAMAIS
    ON A AFFAIRE A UNE SECTE ET NON A UN PARTI POLITIQUE
    BEN KIRANE L’AVAIT DIT IL Y’A A PEINE QELQUES SEMAINES
    SON IDOLE, C’EST BEN TAYMIYA
    LE PERE SPIRITUEL DE TOUT LE TERRORISTE.

  4. Ziryab يقول

    نظريا كلامك معقول. لكن ذلك لا يمكن أن ينطبق حرفيا على المشهد السياسي المغربي.
    عندما تحمل العدالة سبب البلوكاج فهذا لا يستقيم. لأن البلوكاج وقع كذلك في إسبانيا و لم يقل أحد أن المسؤول عن الفشل هو الحزب الأغلبي الذي لا يعرف أصول الديموقراطية.
    الواقع أننا لا نملك أحزابا بالمفهوم المتعارف عليه. كل ما في الأمر، هناك سلطة مخزنية شاملة تتعامل مع تنظيمات مبلقنة بدون مشروع و لا استقلالية. و بالتالي يصعب على أي حزب سواء كان إسلاميا أو ليبيراليا أو يساريا أن يكون أغلبية منسجمة بعيدا عن إرادة المخزن. و هذا راجع لعدة أسباب منها السقف الإنتخابي الذي لا يسمح لحزب بالحصول على أغلبية مريحة، إضافة لفساد بعض النخب و استفادتها من الريع مقابل ولائها التام. و هي تُسْتعمل لعرقلة إي توافق حزبي مستقل عن السلطة.
    لهذا لا أتفق معك. خصوصا أن تحليلك يغلب عليه الطابع الإديولوجي النظري و لا يأخذ بعن الإعتبار الواقع المغربي الذي لا يسمح بقيام ديموقراطية حقيقية سواء بالعدالة و التنمية أو بدونها

  5. mekkaoui يقول

    احسنت ايها الاخ المناضل احمد عصيد.تحليل جيد

  6. بوعو يقول

    الخوانجية تيار متزمت يا استاد ولا يرغبون في التعلم والاستيعاب مهما كان .رؤوسهم منمطة ومبرمجة على فكر مستورد ومغشوش.كما ان الانتهازية تقتل فيهم كل القيم المتصلة بالديمقراطية . ولا ننسى على بلحاج حين قال ( اليوم عيد الديمقراطية واليوم ماتمها).انهم كفرة بمعنى الكلمة ولكن بحقوق الانسان اما مع الله يمارسون الرياء ويصلون العصر مرتين .قبح الله المنافقين امين .

  7. واحد من الشعب يقول

    1438 سنة هل كانت معهم ولو سنة واحدة من الديمقراطية ؟
    ان القاريء لكتاب فرج فودة الحقيقة الغائبة او كتاب الملعوب سيكتشف ان 1438 سنة لم تعرف ديمقراطية او حقوق الانسان او حقوق الاقليات ! وهده هي احدى بل اهم ماساتنا نحن العرب . هم يعرفون الديمقراطية على المقاص الدي يروه ملائما لخصوصياتهم .

  8. ولد الدرب يقول

    ثانميرث أوماثنغ. هذه الخردة من الأحزاب النعامسدية بدون استثناء، شاركت في مهزلة صياغة الدستور الإستبدادي، و دعت له بعد تلقي أموال من المخزن من أجل ذلك، و ادعت كذباً و زوراً أنه كفيل بنقل البلاد بسلاسة نحو الديمقراطية. أما الخوانج البيجيديون، فهم جماعة منافقة بامتياز لا وضوح في مواقفهم. فيقولون أنهم مبدئياً ضد مقولة :الملك يسود و لا يحكم، و من ناحية أخرى هم ملتزمون بما يدعو له تنظيمهم العالمي، أي الخلافة على نهج الأسلاف قاطعي الرؤوس. هذا التنظيم لوحده يستوجب النضال من أجل اجتثاثه من التربة المروكية التي لا و لن تكون له كما يعتقد. فلترحل الداعشية من أرضنا. و ليعودوا بظلامهم إلى صحرائهم و ليشربوا بول بعيرهم هناك. أما الشعب المروكي الأبي، فقد طالب بكل سلمية بملكية برلمانية و فصل واضح للسلطات، كحد أدنى، و لن يتنازل على هذا الحد، إلا إذا اضطره الحال أن يرفع المطلب أعلى من ذلك.

  9. عباس مسعودي يقول

    تحليل منطقي استاذ عصيد . لابد لكل الاحزاب ان تأطر منخريطها حول مفهوم الديمقراطية والتعايش والادوار الدستورية التي حولها دستور 2011 لكل من المعارضة والأغلبية وسبل استغلالها في الاتجاه الصحيح

  10. abdo يقول

    Toujours pertinent dans vos analyses, vous avez fait l”anatomie de l’esprit politique des islamistes et du pouvoir. pour eux la démocratie n’est qu’une question de nombre alors que celle est une philosophie qui a des valeurs essentielles: la liberté, le respect de la différence et la séparation des pouvoirs

  11. صاغرو يقول

    اتفق مع التحليل بنسبة كبيرة ولكن جل الفاعلين السياسيبن يهمشون الدستور في أقوالهم وأفعالهم.
    اخنوش ليس من حقه فرض احزاب اخرى ولكن بالمقابل ليس من حق بنكيران ان يتعامل مع الأحزاب كالخطيبة
    ويجب ان يعلم كذلك انه اذا كانت 37 أصغر من 125 فإن 125 اصغر من الأغلبية المطلقة لأعخضاء مجلس النواب

  12. عبد الله يقول

    تشكيل الحكومة ليس مثل ملء القنينات بمحلول جاڤيل!!!!

  13. حامد يقول

    لا أدري لماذا موقع بديل الذي نحبه ونحترمه، يأتي لنا بهذا المدعو عصيد المتعصب لامزيغته العالمية المتطرفة ، شغله الشاغل هو تهجمه لكل مايتعلق بلاسلام بصلة،اتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه إرهابي للرسائل التي بعت بها لملوك ذالك الزمان لدعوتهم للاسلام،فكان أول من رد عليه هم الأمازيغ الشرفاء أنفسهم وهم الأغلبية الساحقة المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
    تحاليله مبنية على الدجل والكذب،وانضر في مقاله هذا كيف يقدم لنا مفهومه هو للديمقراطية يسمي الأغلبية بأكبر الأقليات، والأحزاب الإدارية المخزنية هي الحاصلة على الأغلبية بمجموعها. هذا هو مفهومه للديموقراطية انه الرقص على الكلمات وتزوير مفهوم الديمقراطية التي اخترعها الغرب ولا يقول بهذا الكلام المتخلف لا في الشرق ولا في الغرب وانضر للانتخابات الأمريكية الأخيرة فهلالي اكلينتون عندما انهزمت أمام ترام هاتفه مباشرة لتهنئته بالفوز ولم تقل هو فقط حصل على أكبر الأقليات، وهكذا في جميع الدول المتحضرة. إلا عند عصيد،

  14. مواطن مغربي يقول

    س: هل استوعب حزب “العدالة والتنمية” الدرس ؟

    ج: إذا كان حزب “العدالة والتنمية” ينتمي إلى التيار “الإخواني” العالمي كما يقول عصيد فلن يستوعب الدرس أبدا لأن الإخوان المتأسلمون تجار الدين يعتبرون أنفسهم هم أساتذة العالم الإسلامي و هم وحدهم المؤهلون لقيادة العالم الإسلامي و إعادة الخلافة الإسلامية بأي وسيلة كانت بالديموقراطية أو بالكذب فالحرب خدعة عندهم و الغاية تبرر الوسيلة و غيرهم من المسلمين فما عليهم إلا أن يكونوا عبيدا لهم و من عارضهم أو إنتقدهم صبوا عليه وابل من الطعونات و الشتائم قد تصل إلى التكفير.

  15. mostapha يقول

    كم أحب التحليل العقلاني البعيد عن العواطف . جميل

  16. مواطن يقول

    في الصميم لمن يسعى حقا الى النظر الى الامور كما هي وفهمها ،لا سن سياسة النعامة !
    لعبة التنظيم العالمي لاخوان المسلمين و روافده في شتى البلدان انفضحت ونكسرت شوكتها امام تطور البلدان الاسلامية شيءا فشىءا والوعي المتزايد للمواطنين و الهيءات المكونة للمجتمع . دابا كاين شي معقول و شي صدق فمرحبا .اما ايام “الدوخة ” على الناس و الديماغوجية ؛فدلك زمن ولى…!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.