هل أوشكت الدولة على تضييع فرصة التصالح مع الريف؟

1٬335

بدأت احتجاجات ساكنة مدينة الحسيمة المغربية التي تعد اشهر مدن ما يعرف بمنطقة الريف المغربية في اعقاب مقتل بائع السمك المغربي “محسن فكري” ، طحناً في شاحنة نفايات، بعدما قام رجال الشرطة برمي أسماكه في شاحنة نفايات بحجة أن السمك الذي بحوزته ممنوع اصطياده وبيعه في تلك الوقت من السنة، وهو ما دفعه (محسن فكري) إلى إلقاء نفسه في الشاحنة احتجاجا على مصادرة سلعته.
كانت تلك الشرارة الأولى التي اخرجت في البداية ساكنة مدينة الحسيمة ومدن الريف للاحتجاج، كما شهدت مدن مغربية عديدة مظاهرات مشابهة، حيت تجاوزت مطالب هذه الاحتجاجات قضية محسن فكري لتطالب بالعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والريع ورفض سيطرة اقلية مخزنية (تحالف عائلات برجوازية وسياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية ودينية مرتبطة بالبلاط) تسيطر على كل مناحي الاقتصاد الوطني كما هي سيطرتها على القرار السياسي.
وان كانت حدة هذه الاحتجاجات قد خفُت بعد اعلان الحكومة فتح تحقيق في وفاة الشاب محسن فكري وأيضا بعد إطلاق مجموعة من الوعود لتحسين ظروف صغار الصيادين وتخفيض أسعار بعض أنواع الأسماك الشعبية، فقد عرفت هذه الاحتجاجات تطورا خطيرا تسبب به صدور بلاغ تم توقيعه من طرف أمناء عامون لستة أحزاب سياسية تشكل الأغلبية الحكومية التي يقودها حزب العدالة والتنمية (الإسلامي)، هذا البلاغ الذي اتهم الحراك الريفي بالعمالة وبتلقي تمويلات من الخارج وبالسعي نحو الانفصال والتشكيك في الوحدة الترابية للمملكة، كما اتهم البلاغ مطالب المحتجين بكونها زاغت عن طبيعتها الاجتماعية وتحولت لمطالب سياسية بدليل رفض المحتجين للحوار حسب لغة البيان.
لم يكن امام نشطاء حراك الريف الذين راهنوا مند البداية على الدعم الشعبي لهم في أوساط ساكنة الريف وفي أوساط جميع المغاربة من أجل نجاح احتجاجاتهم وتحقيق مطالبهم، لم يكن امامهم سوى الرد بمظاهرة عارمة اعتبرت الأكبر من نوعها في تاريخ الريف (200 ألف مشارك حسب معظم التكهنات)، تم تنظيمها في مدينة الحسيمة (18 مايو/أيار 2017) بعد ان دعا “ناصر الزفزافي” أحد النشطاء البارزين والذي يوصف بقائد حراك الريف، بعد أن دعا الى اضراب عام موازي لهذه المظاهرة في كل مناطق الريف.
لقد شكلت هذه المظاهرة فرصة لنشطاء الريف لدفع التهم الثقيلة عنهم والتي جاءت في بيان الأغلبية الحكومية وللتأكيد على مطالبهم الاجتماعية المتمثلة أساسا في توفير فرص للشباب العاطل عن العمل، توفير مستشفيات وجامعات بجميع التخصصات، ورفع العسكرة عن منطقة الريف (نسبة الى ظهير كان قد صدر في نهاية خمسينات القرن الماضي 29 نونبر 1958 يعتبر فيها إقليم الحسيمة منطقة عسكرية، أي بعد حوالي شهرين من تزعم محمد سلام أمزيان انتفاضة 58-59.).
بعد المظاهرة، عادت الدولة المغربية الى لغة الجزرة من جديد وأرسلت وفدا وزاريا يتزعمه وزير الداخلية وقد قدموا وعودا للمنتخبين في مدينة الحسيمة تقضي باستجابة الدولة لمطالبهم، وبالتزامن مع ذلك سارعت الدولة في إعادة الروح الى بعض المشاريع التنموية التي تم تدشينها سابقا من طرف ملك المغرب لكن تعطلت لأسباب يربطها نشطاء الحراك بالفساد وانعدام المحاسبة ولعدم جديتها، كما أطلقت الحكومة وظائف حكومية من اجل امتصاص بعض من ارقام البطالة المهولة في صفوف شباط منطقة الريف.
وفيما أصبح صبر الأجهزة الأمنية وصبر الأجهزة التنفيذية الفعلية ينفد، استمر نشطاء الحراك في انشطتهم الاحتجاجية معتبرين ان كل هذه الحركات من الدولة هي مجرد ردود فعل وتعاطي غير جاد مع مطالبهم وقد طالبوا بحوار مباشر يجمع بين نشطاء الحراك وممثلين عن القصر بشكل مباشر، خاصة بعد أن ظهرت بوادر انتقال مسلسل الاحتجاجات الى مدن مغربة خارج منطقة الريف.
في يوم الجمعة 26 ماي 2017، قاطع متزعم حراك الريف “ناصر الزفزافي” خطبة امام الجمعة في أحد المساجد في الحسيمة بعدما اتهم الامام بعدم الموضوعية عندما تنكر لجميع المطالب المحقة للساكنة متهما النشطاء ومطالبهم بـ”الفتنة النائمة التي لعن الله من أيقظها”. كانت تلك هي الحلقة الاخيرة في هذا المواجهة المفتوحة بين نشطاء الريف والدولة التي لم تتردد هذه المرة في اعتقال عدد منهم وإصدار مدكرة بحت في حق “ناصر الزفزافي” أبرز وجوه هذا الحراك، نتج عن هذه الاعتقالات مواجهات استعمل فيها العنف عرفتها مدينة الحسيمة وقد امتدت لمناطق أخرى في الريف.
وباستحضار لجميع الأحداث والحيثيات السابقة، يتضح ان حراك الريف كان مند البداية حراكا بخلفية اجتماعية، بينما تتحمل الدولة في ردات فعلها مسؤولية تسيسه خاصة حينما اوعزت لستة أحزاب يشكلون الحكومة في اتهام الحراك بالخيانة والانفصال، وحتى ان كانت قيادات حراك الريف قد أخطأت التقدير في بعض من مواقفها وتحركاتها، فلا ينبغي للدولة ان تغلب المنطق الأمني الذي ضل حاضرا مند بداية الاحتجاجات حينما سبقت وأن أرسلت مختلف القوات العمومية والأمنية للمدينة قبل وفد الوزراء الذي جاء لمدينة الحسيمة أخيرا بعد 6 أشهر من المظاهرات ليعاود اطلاق وعود لا يوجد أي ضامن حقيقي لالتزام الدولة بتنفيذها.
ان أخطر خيار لا نتمناه للدولة ان تسلكه مع ساكنة منطقة الريف ومطالبها هو تغليب الحل الأمني على الحوار والاستجابة العاجلة للمطالب والقطع مع سياسات العهد البائد عهد وزير الداخلية السابق ادريس البصري الذي اتسم بالعنف والمواجهة المفتوحة بين الدولة ومواطنيها حيت انعدمت التقه بين الطرفين لدرجة أصبح هذا المواطن يعتقد بأن هذه السلطة وُجدت لكي تسلب حقوقه وليست بأن تسهر على حريته وكرامته.
قد تستطيع الدولة اخماد هذه الاحتجاجات بمنطقها الأمني، لكن مادا عن المخاطر المحتملة لهذا الخيار عن مستقبل المغرب وصورته التي تحرص السلطات الرسمية على إعطائها نوعا من التميز في محيطها الإقليمي والعربي (الاستثناء المغربي)؟، فهل الدولة مستعدة لتداعيات أية مواجهة امنية مفتوحة مع ساكنة الريف عن طريق المزيد من الاعتقالات والحصار؟، هل هي مستعدة لكل الاحتمالات بما فيها ردات فعل سكان المناطق الأخرى؟، بما فيها الجالية المغربية في الخارج دات الأصول الريفية؟، بما فيها الأطراف الخارجية التي سيرتفع احتمال تدخلها فيما لو تطورت الأمور الى الأسوأ؟، تم الأخطر هل الدولة مستعدة لتعميق جراح الماضي وما سينتج عنه من خلق جيل جديد من الحاقدين على سلطها من أبناء الريف؟، هذا الجيل الذي سيحمل دون محالة عقيدة رافضة للدولة ولمؤسساتها فيما لو لم يتم تغليب منطق الحوار والاستجابة للمطالب بما يضن توزيع عادل حقيقي للثروة ليس فقط في منطقة الريف ولكن في جميع مناطق المغرب.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.