هل أنتم حكومة أم عصابة؟

2٬987

يحتاج منا الامتحان العسير الذي تجتازه الدولة حاليا في الريف، وهي لم توفق بعد في امتحان 20 فبراير، وقفة تأمل حقيقية. وما يملي علينا هذه الوقفة منذ البداية هو الصورة التي تعاطت بها مع الحراك في الريف منذ انطلاقه. لن أتحدث هنا عن أسلوب القمع الذي نهجته في حق المطالبين بأن تأخذ العدالة مجراها في كل المسؤولين عن مقتل محسن فكري، فهذا الأسلوب جزء من بنية نظامنا، وهو مألوف عند كل المتتبعين. كما لن أتحدث هنا عن أسلوب التخوين والمؤامرة الذي تتصدى به الدولة لكل المطالبين بالحرية والكرامة، فهو أسلوب متجذر في تاريخ الحكومات العربية منذ أن اكتملت اديولوجيتها وهي لم تتخطى بعد حدود الجزيرة العربية، بل سأكتفي بالحديث عن صور البلطجية التي استُجدت بالمشهد المغربي مع اندلاع شرارة 20 فبراير. أن تدفع الدولة بالبلطجية، وهي ملتحفة العلم المغربي وحاملة صور الملك، لنسف الوقفات والمسيرات الاحتجاجية على مرآى ومسمع من الأجهزة البوليسية، أمر يدفعنا حقيقة إلى التساؤل عن مشروعية الدولة في بلدنا العزيز. لقد فقدت الدولة بهذا الأسلوب الكثير من هيبتها، لأن أهم ما يميز الدولة الحديثة هو الحكم بواسطة القانون والمؤسسات، وإذا لجأت إلى أي أسلوب آخر غيرهما معنى ذلك أن الدولة فقدت أسباب وجودها. ولعل هذا ما كان يصبو إليه مكيافيلي حين نهى، قبل ستة قرون، الحكام عن الاستعانة بالمرتزقة.
لا يحتاج استبدال الدولة القانونَ والمؤسسات بالبلطجية إلى وقفة تأمل فقط، وإنما يستدعي الأمر البحث عن آليات جديدة لقراءة المشهد السياسي في بلدنا. وهو الأمر الذي تؤكده بالملموس زيارة الوفد (وكأن الوزراء مفصولينا عن البلد) الوزاري لمدينة الحسيمة، المدينة التي كان يجهل رئيس الحكومة السابق مكان وجودها، فقد بدا، من خلال الصور التي نقلتها إلينا المواقع الاجتماعية التي صارت المعبر الحقيقي عن روح المجتمع، الوزراء جد مرتبكين ومستصغرين وهم يسألون أهل الريف عن حاجياتهم ومتطلباتهم ولا يكترث لهم أحد، بل هناك من سخر منهم حينما توجه بالكلام إلى السيد أخنوش قائلا إنه لا يملك الوقت لعرض حاجياته عليه. وهناك أيضا من طرد وزير التعليم من فناء مدرسة خاصة للتكوين المهني.
صور ارتباك الدولة أمام حراك الريف لا حصر لها (بل ثمة من المسؤولين المغاربة من سيحسدون نظرائهم بليبيا واليمن وسوريا والعراق، فعلى الأقل هؤلاء يجلسون إلى الطاولة مع خصومهم) وهي لا تتعلق فقط بالمواقف التي عاشها مبعوثيها مع أهل الريف، وإنما تتعلق أيضا بتصريحات هؤلاء الموفدين التي لن تثير فينا إلا الشفقة لولا أنها تكلفنا غاليا. استبشر الجميع خيرا حينما ظهر وزير التعليم ضمن هؤلاء الموفدين، سيما وأن إحداث جامعة تأوي وتجمع شتات الطلبة من أهم مطالب الحراك، لكن أن يقول الوزير إنه يرغب في إحداث نواة جامعية غير أنهم لا يملكون عقارا يشيدون عيه هذه النواة، أمر مثير للاشمئزاز حقا. لن أتطرق هنا لأسلوب التمويه والتسفيه الذي اعتاده المسؤولون المغاربة حين تعرض عليهم القضايا الجادة، لأن ما يثيرني في كلام الوزير هو المنطق الذي به يتحدث والذي لا يقبل إلا تفسيرا واحدا؛ لقد نسي معالي الوزير، وهو يطلق تصريحه هذا، أنه يمثل دولة بعلمها وحاكمها ودستورها وبرلمانها وساكنتها التي تبلغ 40 مليون نسمة. واختار لنفسه، في منطقة تحتاج أن تزن الحروف قبل الكلمات، أن ينطق بلسان من يمثل جمعية تبحث عن مقر للمّ أعضائها. الدولة معالي الوزير لا تبحث عن مقر ولا أرض ولا عقار، لأنها هي المقر والأرض والعقار، وإن لم تكن كذلك، أولى بمدينة الحسيمة أن تُهجر ساكنتها (وهو الأسلوب الذي تحبذه الدولة) حيث توجد المقرات وحيث توجد الجامعات. وإذا كان معالي الوزير لا يجد بالفعل أرضا لبناء حجرات بمنطقة الحسيمة، فهو لا يمثل هناك حكومة بقدر ما يمثل جمعية أو زاوية، وهو لم يوفد هناك لنقل تعليمات رئيس دولة بقدر ما ذهب إلى أهل الريف يبلغهم رسائل شيخ زاوية.

قيقة أشعر بالكثير من الحسرة والمرارة وأنا أتابع يوميات مسؤولي البلد وهم يجتازون امتحان حراك الحسيمة، فما بالك بالكتابة عنهم؛ لكن ما يثلج صدري هو أن الحراك قد أبان عن نضج كبير في تنظيمه وفي خطابه وفي ردود أفعاله، ولم ينساق وراء ما تخطط له الأيادي القذرة. سيدفع هذا النضج بلا شك، وقد حصل ذلك فعلا، الكثير ليغيروا نظرتهم إلى الحراك ويصطفوا وراءه، فنحن جميعا في الحرية إخوة، ونحن جميعا في الكرامة إخوة، ولا يفرق بين الإخوة إلى بدعة الكراسي وشيوخ الزاوية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.