نقاش هادئ مع نور الدين عيوش

87

تركت مذكرة نور الدين عيوش الفاعل في مجال الاشهار حول التدريس بالدارجة المغربية أو العامية في السنوات الأولى من سلك التعليم الأولي و الابتدائي، سجالا واسعا في صفوف الفرقاء السياسيين و النقابيين و كذلك بين الفاعلين التربويين. و ما جعل النقاش يحتدم و يأخذ عدة أبعاد هو إعداد عيوش لقاموس غير مسبوق في تاريخ المغرب يهم شرح و تعريف مفردات الدارجة المغربية العامية و خاصة بعض تسريب لمواقع التواصل الاجتماعي بعض المفردات البديئة و المنحطة المتضمنة في القاموس و التي لا تليق بمجتمع المعرفة و الرقي المعرفي و العلمي.
و نحن بصفتنا فاعلين تربويين و مدرسين بالأقسام، لا يهمنا السجال السياسي و الايديولوجي لهذا الموضوع و الحسابات الضيقة بين الفرقاء السياسيين و خلافاتهم الأيديولوجية و الأحكام المسبقة عن شخص نور الدين عيوش و قربه من مراكز القرار، بقدر ما يهمنا نقاش الموضوع و الخوض فيه من الناحية التربوية و تأثيره و انعكاساته على التحصيل التعليمي التربوي على أبناء و بنات الشعب المغربي.
أولا، يجب التذكير، أن نقاش التدريس بالدارجة ليس وليد اللحظة، بل انطلق قبل على الأقل 3 سنوات، و بالضبط بعد نشر توصيات الندوة الدولية التي نظمت بالدار البيضاء حول التربية و التكوين من طرف مؤسسة “زاكورة للتربية” التي يرأسها نور الدين عيوش و حضر الندوة شخصيات وطنية و دولية وازنة على رأسها المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة و المستشار الملكي و رئيس المجلس الأعلى للتربية و التكوين الحالي عمر عزيمان و شخصيات أخرى، و تركت توصية اعتماد الدارجة في التدريس في ذلك الوقت سجالا و نقاشا واسعا، لكن الذي صب الزيت على النار هذه المرة هو اعداد ما بات يصطلح عليه بقاموس عيوش للدارجة.
السيد عيوش يقول أن مبادرته المتعلقة باعتماد الدارجة في التدريس في السنوات الأولى الابتدائية، هدفها هو تبسيط اللغة عند صغار المتعلمين الملتحقين بالمدرسة حديثا و بهذه الطريقة حسبه يمكن محاربة الهدر المدرسي لأنه حسب دراسات منجزة تلعب اللغة المعتمدة دور كبير في نفور المتعلمين من المدرسة، و كذلك هناك هدف آخر يقول عيوش يرمي الى تحقيقه و هو الرقي بالدارجة المغربية و جعلها لغة محترمة و مفهومة و متداولة يمكن تسويقها لدول الخارج و خاصة الشرق كما نستورد نحن اللغات الأم لمجموعة من الدول، و تعتمد مستقبلا في التعليم بمختلف أسلاكه و اعتمادها كلغة أساسية في التعليم المغربي. أما فيما يخص قاموس الدارجة، فيقول السيد عيوش ان هذا القاموس جاء للنبش في مفردات العامية المغربية و خاصة المعتمدة بين مدن الرباط و البيضاء باعتبارهما وسط المغرب دون اغفال المفردات الخاصة بمجموع مناطق المغرب و شرح و تعريف هذه المفردات.
هذا القاموس الذي لم ير النور بعد و يتسنى الاطلاع عليه للعموم، يقول عيوش رئيس اللجنة التي اعدته و مولته شركته للقروض الصغرى “زاكورة”، يقول انه يضم 8000 كلمة من الدارجة المغربية و تكلفته المالية بين عملية الطبع لحوالي 1500 نسخة و تعويضات الأساتذة الذين سهروا عليه، تعدت 580 الف درهم، و حدد ثمن بيعه للعموم في 200 درهم للنسخة.
و قبل الخوض في إمكانية التدريس باللغة العامية في السنوات الأولى لتعليمنا الابتدائي من عدمها، لابد ان نشير الى أننا في المغرب، في دولة يؤطرها دستور و قوانين و مواثيق و مراسيم، و لسنا في فوضى حتى يمكن لأي كان أن يجتمع في أي مكان و يقرر في قضايا جد حساسة تهم تاريخ و مستقبل و تطور البلد. فالتعليم ببلادنا و لغة التدريس بالأساس و التي تعتبر إشكالية مطروحة في المغرب منذ الاستقلال، مؤطرة بدستور 2011 و بالميثاق الوطني للتربية و التكوين الذي يعتبر الوثيقة المرجعية الأساس في التربية و التكوين ببلادنا باعتبارها وثيقة شارك في إعدادها و توافق حولها عموم شرائح المجتمع المغربي.
الدستور المغربي و في فصله 5 ينص على ما يلي: ” تظل العربية اللغة الرسمية للبلاد. و تعمل الدولة على حمايتها و تطويرها، و تنمية استعمالها. تعد الأمازيغية لغة أيضا رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء…”.
و في القسم الأول المعنون بالمبادئ الأساسية من الميثاق الوطني للتربية و التكوين، و في ركن المرتكزات الثابثة رقم 2، نجد أن الميثاق ينص على ما يلي: “يلتحم النظام التربوي للمملكة المغربية بكيانها العريق و القائم على ثوابث و مقدسات يجليها الإيمان بالله و حب الوطن و التمسك بالملكية الدستورية، عليها يربى المواطنون متشبعين بالرغبة في المشاركة الإيجابية في الشأن العام و الخاص و هم واعون أتم الوعي بواجباتهم و حقوقهم، و متمكنون من التواصل باللغة العربية، لغة البلاد الرسمية، تعبيرا و كتابة”.
فمن خلال النصين، يتأكد أن لغة التدريس ببلادنا هي اللغة العربية و تعمل الدولة الى حمايتها و تنميتها و من أهداف المدرسة المغربية تمكين المتعلمين من اللغة الرسمية الأولى للبلاد سواء من حيث التعبير أو من حيث الكتابة. و إذا كان السيد عيوش يريد ان يجتهد في هذا الخصوص فالقاعدة القانونية تقول لا اجتهاد مع وجود النص، و نحن امام نصين قانونيين احدها موثق في أسمى قانون في البلاد هو الدستور، و إن أراد عيوش ان يفرض توصياته و تنزيلها في قطاع التعليم، فما عليه سوى الحشد و الاعداد لتعديل دستوري.
و عند التمحيص جيدا في مبادرة التدريس بالدارجة و الوقوف عليها كثيرا و خاصة من لدن عموم المدرسين و المدرسات المزاولين في الأقسام، أول شيء يسجل، هو أن هذا النقاش مجرد هرطقة إعلامية فارغة و زوبعة في فنجان لا أقل و لا أكثر؟ لأنه، ألا يستعمل اليوم عموم المدرسين و المدرسات الدارجة في فصولهم الدراسية باعتبارها وسيلة لتسهيل و إيصال المعلومة؟ ألا يقوم مدرس السنوات الأولى الابتدائية بمجهودات كبيرة من أجل تبسيط المعلومة للمتعلمين باللغة الأم؟ فماهي الإضافة التي جاءت بها توصيات مؤسسة عيوش التي خلقت كل هذا السجال؟
من جانب آخر، و استحضارا للتعيين الوطني للمدرسين و المدرسات و عدم اعتماد المقاربة الجهوية في توزيع الأطر التربوية على التراب الوطني، فهل سيتمكن المدرس القادم من
الجنوب من فهم اللغة العامية للمتعلم بوسط أو بشمال او بشرق المغرب؟ ألا تختلف دارجة المدرس القادم من مدن وسط المغرب عن دارجة تلميذه في القسم الناطق بالأمازيغية سواء الريفية او الزيانية او السوسية؟ فكيف يمكن التوفيق بين دارجات المغرب الممتدة على طول ربوعه و ترابه أم أن السيد عيوش يبحث عن لغة دارجة معيارية كما حدث مع اللغة الأمازيغية مما جعلها تفقد مدلولها و حمولتها التعبيرية؟
ثم، ماهو الحرف الذي ينوي عيوش كتابة به الدارجة، فهل سيكتبها بالحرف العربي و بالتالي لا فائدة منها ام بالحرف اللاتيني حيث ستبقى مجرد زوبعة؟
حسب رأيي، فالتركيز على التدريس بالعامية في السنوات الأولى للسلك الابتدائي خاصة في ظل نظام تعليمي تقليدي مركزي و جميع القرارات تتخذ مركزيا رغم وجود مصالح خارجية و اقليمية للوزارة لكن تبقى بدون صلاحيات حقيقية و في ظل التوزيع الوطني للأطر التربوية و تغليب الهاجس الأمني على التربوي، سيعمق أزمة التعليم أكثر و سنكون فعلا أمام إشكالية لغوية حقيقية. بالاضافة الى ذلك، فالدارجة المطروحة من قبل رجل الأعمال عيوش، تعتبر لغة فقيرة و محدودة المفردات و ستزيد من تقوقع المغرب و عزله لغويا.
و ما يجب العمل عليه للنهوض بالتعليم من أزمته و خاصة من جانب إشكالية اللغة، هو أولا توسيع دائرة المستفيدين من التعليم الأولي لان له دور حاسم في جودة التعليم و اتمام المتعلمين لمسارهم الدراسي و على الدولة ضمان هذا الحق عبر خلق شراكات مع مختلف الجهات، من جمعيات و جماعات ترابية و قطاع خاص، و تبسيط اللغة العربية للمتعلمين و أقصد بذلك رفع مستوى اللغة المتداولة تدريجيا أثناء سلك التعليم الأولي و السنوات الأولى الابتدائية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.