من أجل نهج جديد بنفس المستقبل

889
طباعة
المريزق المصطفى

حاولت، منذ انطلاق الحملة الانتخابية لخوض غمار الرئاسيات في فرنسا، أن أتابع عن قُرب الوسطي الليبرالي إيمانويل ماكرون، الذي رأيتُ فيه الوجه الجديد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذا البلد الأوروبي، في ظل عالم شديد التعقيد واللبس، يستعد لطي الصفحة الثانية من ثورته الاقتصادية والتكنولوجية والتواصلية والإعلامية والرقمية العالمية، لينطلق مع جيل الألفية الثالثة بدينامية متواصلة التغير والتبدل، نحو مستقبل جديد من الأحلام والتجارب، تنحدر من سلالات فلاسفة القرن الـ18، والثورة الفرنسية 1789، وثورة 1848، وكمونة باريس، و16 ماي 1877، وقضية دريفوس، وماي 1968، ومن حركات اجتماعية وفكرية خلقت جسرا بين العصور ورموزها التاريخيين.

وما أثارني هو عدم انتباه النخبة المغربية، السياسية منها والمثقفة، لما يجري هناك وأبعد من هناك، حيث لم تحظ هذه المحطة التاريخية بالاهتمام اللازم عندنا، وكأن شيئا لم يقع. في حين أن ما حصل، ويحصل الآن في فرنسا، يستحق الانتباه، ويدلنا على نمط جديد من قضايا الحكم والسياسة بعيدا عن ثنائية يسار- يمين، وعلى أبعاد حياة اجتماعية معاصرة تفرض ما تفرضه من تتبع واهتمام من لدن العلوم الاجتماعية الحديثة، لفهم هذه التغيرات التي شملت العديد من المجالات في العقود الأخيرة؛ ومن بينها الإجماع الوطني للفاعلين الأساسيين في الساحة الفرنسية لقطع الطريق على اليمين المتطرف، ودعم ماكرون لتبقى فرنسا عضوا دائما في مجلس الأمن، وثالث قوة نووية عالمية، وعنصرا أساسيا في خارطة صناعة القرارات الدولية، وداخل منظومة التأثير على التوجهات العالمية الكبرى العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية، وهو ما يمكنها من الحفاظ على أمنها الداخلي وضمان استمرارية الجمهوريات الفرنسة الخمس بقطائعها التاريخية، وبانتقالاتها الديمقراطية والاجتماعية في كل تجلياتها.

ونحن نستحضر هذه الأمثلة من الواقع الفرنسي، نتذكر بالمناسبة نفسها ما وقع في فلسطين ولبنان، وبعدها في العراق وسوريا واليمن ومصر وتونس، لكي ندرك أولوياتنا في خضم صراعنا مع ورثة العقلية المخزنية والإسلاموية الممسكة بزمام النفاق الاجتماعي والسياسي ببلادنا.

فعلى هامش خطاب العرش الثامن عشر، نستحضر هذه الوقائع على سبيل المثال لا الحصر، لنبكي على البهدلة السياسية التي وصلنا إليها: لا يسار ولا يمين ولا وسط ولا أحزاب ولا مؤسسات ولا إدارة..! والفراغ هو “السي السيد” الذي يصول ويجول؛ لأن الوعاء السياسي المغربي لم يعد ينتج سوى الإحباط النفسي، بسبب الجهل الذي أصاب النخبة السياسية، والصدأ الذي أدى إلى هشاشة عظامها، والعقم الذي منعها من التجديد والابتكار، ووصولها إلى نقطة النهاية التي لا تحتمل الاستمرار، وتماهيها مع المكتسبات والمراكز الاعتبارية والألقاب الفخرية. فبدلا من الوقوف على الأخطاء، وتجاوز الأجهزة والمؤسسات المهترئة، وتفعيل مبدأ التقييم والمساءلة والمحاسبة والمراجعة بين كل المتدخلين والفاعلين السياسيين داخل الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية، وكبرى الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية، إلخ، يستمر التشدق بالأطلال، وتتناسل من جديد الولاءات للأفراد والجماعات طمعا في المزيد من الاستفادة الذاتية والمصلحية، واستخدام نقد الدولة وابتزازها بشكل مفضوح للتستر على الفشل بالنسبة إلى البعض، والاستفادة من الريع السياسي، بالنسبة إلى البعض الآخر.

نعم، الدولة كجهاز سياسي للحكم تتحمل المسؤولية فيما وصلنا إليه، والبرلمان بغرفتيه كمجلس للشعب له دوره في الكوارث السياسية التي نتجرع مرارتها، والمجالس الترابية وأجهزة الخدمة المدنية والإدارة العمومية مسؤولة عن عدم تنفيذ السياسات العمومية وعلى التنكر للمواطنين وللشعب. هذا صحيح، بل هو ما يعترف به الجميع، بمن فيهم رئيس الدولة، ملك البلاد؛ لكن الأهم اليوم والجديد هو إدراك المواطن المغربي لهذا الواقع المر، واهتمامه الكبير بمن يحكمونه من الجهلة والأميين، والفاسدين والمفسدين، والنصابة والشناقة، والمنافقين والمنتفعين، والمتسلطين والشعبويين، إلخ..

فما العمل؟

إن الجواب عن هذا السؤال مرتبط بمسار تجربتنا السياسية، وما حصدته الأحزاب السياسية من محصلة في مجال المشاركة السياسية وحقوق الإنسان والأمن والتنمية، وهو – كذلك – ما يجرنا إلى الحديث عن الدولة التي طوقتها لفترة طويلة بالسلاسل، ووضعت أمامها الجمر والرصاص.

وبناء عليه، فإن الرهان اليوم هو التفكير في رؤية مستقبلية لتعزيز المسار الديمقراطي في إطار مجتمع يتحرك فيه الأفراد والجماعات، ويتفاعلون ضمن إطارات جديدة، تضع نصب أعينها سؤال علاقة الحاكم بالمحكوم، وتؤثر سلميا في علاقة السلطة بالشعب والتفاعل بينهما.

إن بلدنا في حاجة إلى نهج سياسي جديد، وإلى كيانات سياسية جديدة يتحرك فيها المواطنون في نضالهم بكل حرية بنفس المستقبل من أجل المساهمة في عملية التحول الديمقراطي الشاقة، وما تستدعيه من تطور شروط الممارسة السياسية الحقة، وضمان الحد الأدنى المتصاعد من مصادر ووسائل المشاركة المواطنة الفعالة في كل عمليات تحديد الخيارات الإستراتيجية الوطنية الكبرى، واتخاذ القرارات اللازمة من قبل الملزمين بتطبيقها.

والواقع أنه من دون الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي يستمد شرعيته من مؤسسات الدولة ومن النهج السياسي الجديد ذاته لا ينتظر من المشهد السياسي الحالي أن ينضج الظروف التي تساعد على استرجاع الثقة في المستقبل، وامتلاك الشعب مصادر المشاركة السياسية الفعالة ووسائلها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.