من أجل مصالحة تاريخية بعيدا عن تصريحات شباط

62

نحن بحاجة للمصالحة مع تاريخنا، عبر إعادة قراءة التاريخ الجماعي وفق النظريات الحديثة و بعيدا عن القراءة المحافظة المحرضة أو القراءة الأحادية.
تصريح شباط الأخير، كان يبتغي من وراءها توجيه رسائل إلى صانع القرار، كرد على أخنوش في اشتراطه إزاحة حزب الاستقلال من الحكومة، شبيه بما عرفه الحزب إبان الاستقلال لم يكن يظن شباط في لعبته القديمة الجديدة انه سيصدم برد من موريتنا و تكون لتصريحاته تداعيات على السياسية الخارجية في ظريفة دقيقة تمر منها العلاقات المغربية الموريتانية بتوتر و سوء فهم كبير؛ وهي المناسبة ليست الأولى فقد سبق و فعلها مع الجزائر في حديثه عن الصحراء الشرقية، صحيح أن أقوله هي من أدبيات علال الفاسي لكن علال الفاسي كان يحكمه سياق و ظروف دولية معينة و بما أن المناسبة شرط فإن مثل هذا الخطاب له تأثير خارجي و دخلي (اتهام الشهيد المهدي بن بركة بالقتل تصريحات الرجل و جب أن لا تحجب علينا واقعا نعيشه خاصة مع حزب الاستقلال الذي يعرف ثنائية الخطاب بين الخطاب الداخلي و الخطاب الخارجي و ذلك في إطار استحواذ نخبة بعينها على التاريخ الجماعي ، فعل الاستحواذ هذا مارس كل أشكال الإقصاء ضد أبناء الشعب الواحد، و في كل مرحلة مفصلية تعيدنا لنقطة الصفر و تعطى انطباعا يوحي بكون الحاضر مسؤولاً عن الماضي.
والقيام بعملية سرد التاريخ الغاية منها خلط ديماغوجي سياسي في أهدافه، عبر الاستعانة بإسقاطات الماضي على الحاضر، هذا النقاش لعمري كان يمكن قبوله من الرعيل الأول، لكن أن يردده جيل ما بعد المسيرة الخضراء فإنه مؤشر للانغلاق الفكري و العيش على هولوكست الماضي.
هدا الخطاب الذي يوحي بالثبات، بدعوى الوفاء هو خطاب مورس في كل اللحظات بهدف الإقصاء تارة وبهدف خلق التمايز بين أبناء الشعب الواحد، وما يحز في هذا الخطاب كونه يناقض خطاب التحرر الذي يعني تحرر النفوس والعقول وضد المنطق التقدمي الذي يؤمن بأن المستقبل أحسن من الماضي، خطاب له أسس يمينية تقوم على التمركز الذاتي،وهذا التمركز يريد أن يقول بأن الوضع السياسي ثابت لم يدور والأحوال لم تتغير ولم تتبدل.
ستون سنة من تاريخ المغرب منذ الاستقلال كان يجب التعريف لها كإرث للشعب المغربي ككل، و من حق الأجيال الحالية و القادمة معرفتها ككل، لأن السكوت على هذه الفترة بدأ يسمح للبعض بانتقائها واجتزائها من سياقها وظرفها التاريخي بهدف إسقاطها على الحاضر، و إيحاء بأننا نعيش في حلقة مفرغة تستعصي الخروج منها، وان هذا التاريخ يسمح لبروز حركات يمينية متطرفة توظف التاريخ الجماعي وفق قراءة قد تبعث على الانقسام و التجزئة بين مكونات الشعب الواحد، خاصة و أن الوضع الإقليمي متحرك و قابل لكل الاحتمالات، وعدم المصالحة مع التاريخ قد تكون له تكلفة باهظة لأنه يسمح للبعض منا مدفوعين بمشروع تحريضي، استثماره ضد هذا الحاضر، مما سيشكل عائقا يحول دون تحقيق حلمنا الجماعي كدولة صاعدة لكون الصعود مرهون بدخولنا منطق المواطنة.
فبدل حديث البعض عن مشروع جماعي لدخول لهذا المنطق، فإنهم لازالوا يوظفون الماضي بشكل تجزيئي عبر وضع العربة أمام الحصان.. فالماضي لا يحرك الحاضر وإن كانت للماضي سلبيات وأخطاء، فإن الطريقة التي تقرأ بها ويحاول البعض استثمارها تفعل فعلها بالتمزيق والانتقام من خصومه السياسيين عبر توظيف ثأري ،وهو ما اعتاد شباط فعله وفق ذهنية ماضوية ثأرية وانتقامية من حاضرها، وهي مازوشية سياسية قد تدفع إلى الفتنة التي تدمر الحاضر باسم المستقبل و باسم الماضي.
فالقراءة الانتقائية لبعض الحوادث تاريخية وتوظيفها بشكل سياسوي، عبر الدفع بها من أنقاض التاريخ السياسي إلى سطح الحاضر، بغية توظيفها في إطار الصراع السياسي والتنافس الديمقراطي لها خطورة كبرى في وطن متعدد الثقافات والأعراق الأمر الذي يهدد التنوع و يعصف بالتسامح، فالتاريخ ليس به سيئ أو جيد، التاريخ يبقى ملك مشتركا للمغاربة ككل.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.